السفير دكتور محمد حجازي يكتب : بنك المشروعات الأفريقية… من الأفكار إلى المشروعات ومن التمويل إلى التنفيذ

يواجه الاستثمار في أفريقيا مفارقة لافتة , فالقارة الأفريقية تمتلك واحداً من أعلى معدلات النمو في العالم، وتزخر بالموارد الطبيعية، والأسواق الواعدة، والفرص الاستثمارية، إلا أن المستثمرين كثيراً ما يشتكون من غياب المشروعات الجاهزة للاستثمار، بينما تشكو الحكومات الأفريقية من ضعف التمويل, والحقيقة أن المشكلة ليست في نقص الأموال أو قلة الفرص، وإنما في غياب المؤسسة التي تربط بين الطرفين.
ففي معظم الدول الأفريقية توجد مئات المشروعات التي تحتاج إلى التمويل، ولكنها تفتقر إلى دراسات الجدوى، أو الخرائط الاستثمارية، أو الهياكل القانونية والمالية التي تمنح المستثمر الثقة للدخول فيها , وفي المقابل، تبحث المؤسسات المالية الدولية، وصناديق الاستثمار، والبنوك، والشركات الكبرى عن مشروعات مدروسة وقابلة للتنفيذ، لكنها لا تجد منصة موحدة تجمعها.
ومن هنا، يمكن أن يشهد منتدى العلمين أفريقيا إطلاق “بنك المشروعات الأفريقية”، ليكون أول منصة قارية متخصصة في إعداد وتجميع وتسويق المشروعات الاستثمارية، وربطها بالمستثمرين ومؤسسات التمويل، وتحويل المنتدى من منصة للنقاش إلى منصة لعقد الصفقات وإطلاق المشروعات.
ولا يُقصد بكلمة “بنك” هنا مؤسسة مصرفية، وإنما بيت خبرة واستثمار أفريقي، يعمل وفق أعلى المعايير الدولية لإعداد المشروعات، وتقييمها، وتصنيفها، وطرحها أمام المستثمرين، بحيث تصبح كل دولة أفريقية قادرة على عرض مشروعاتها بصورة احترافية ومتكاملة.
ويبدأ دور البنك بالتعاون مع الحكومات الأفريقية في إعداد قائمة بالمشروعات ذات الأولوية في قطاعات البنية الأساسية، والطاقة، والزراعة، والصناعة، والتعدين، والاقتصاد الرقمي، والصحة، والتعليم، والسياحة، والنقل، مع إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية، والتقييم البيئي، والهياكل التمويلية، ونماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
بعد ذلك، تُدرج هذه المشروعات على منصة رقمية حديثة، تتيح للمستثمرين من مختلف أنحاء العالم الاطلاع على البيانات الفنية والمالية، والتواصل المباشر مع الجهات صاحبة المشروع، وإجراء المفاوضات، والحصول على التمويل والخدمات القانونية والفنية من خلال نافذة واحدة.
كما يمكن للبنك أن ينشئ مرصداً للفرص الاستثمارية الأفريقية يصدر تقارير دورية عن القطاعات الأكثر نمواً، والأسواق الواعدة، والاحتياجات التنموية، بما يساعد المستثمرين على اتخاذ قراراتهم وفق معلومات دقيقة وحديثة.
ويمثل هذا البنك فرصة مهمة أمام الشركات المصرية، التي تمتلك خبرات واسعة في تنفيذ المشروعات الكبرى، إذ سيكون بوابتها للتعرف على الفرص المتاحة في مختلف أنحاء أفريقيا، والتواصل مع الحكومات، والحصول على التمويل من الصندوق المصري لتمويل الشركات في أفريقيا، الذي سبق اقتراحه ضمن هذه السلسلة.
كما يمكن أن يرتبط البنك بمؤسسات التمويل الأفريقية والدولية، مثل البنك الأفريقي للتنمية، والبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد، والصناديق العربية، وبنوك التنمية، بحيث تتحول منصة العلمين إلى نقطة الالتقاء السنوية بين أصحاب المشروعات والجهات الممولة والمنفذة.
ولضمان استدامة المبادرة، يمكن أن يصدر البنك “التقرير السنوي للاستثمار في أفريقيا”، الذي يتضمن مؤشرات الأداء، وأهم الفرص، ومعدلات التنفيذ، والتحديات، وأفضل الممارسات، ليصبح مرجعاً أساسياً لصناع القرار والمستثمرين.
كما يمكن إطلاق “جائزة العلمين للمشروعات التنموية”، تمنح سنوياً لأفضل مشروع حقق أثراً اقتصادياً أو اجتماعياً أو بيئياً في القارة، بما يشجع المنافسة الإيجابية، ويبرز قصص النجاح الأفريقية.
إن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة تكمن في أنها تعالج الحلقة المفقودة بين التمويل والتنفيذ. فالمستثمر يحتاج إلى مشروع جاهز، والحكومة تحتاج إلى ممول، والبنك يقدم الجسر الذي يربط بينهما، ويختصر الوقت والتكلفة والمخاطر.
وإذا نجح منتدى العلمين في إطلاق بنك المشروعات الأفريقية، فإنه سيختلف عن معظم المنتديات الاقتصادية في العالم، لأنه لن يكتفي بعرض الرؤى والأفكار، بل سيقدم للمستثمرين محفظة حقيقية من المشروعات القابلة للتنفيذ، ويحول المنتدى إلى سوق أفريقية سنوية للمشروعات والاستثمار.
وهكذا تصبح العلمين، عاماً بعد عام، المكان الذي لا يأتي إليه المستثمرون للاستماع إلى الكلمات، بل للتوقيع على العقود، وإطلاق المشروعات، وبناء شراكات التنمية، وهو ما يمثل جوهر فكرة “دافوس أفريقيا” التي تقوم على تحويل الحوار إلى عمل، والرؤية إلى واقع، والطموح إلى إنجاز.
وفي المقال المقبل من سلسلة “نحو العلمين”، نتناول مبادرة “إعلان العلمين للتنمية الاقتصادية في أفريقيا”، الذي يمكن أن يصبح الوثيقة المرجعية للمنتدى، وخارطة الطريق للتعاون الاقتصادي والاستثماري بين مصر والقارة الأفريقية حتى عام 2026.
طالع أيضا :




