أخبار عاجلةالرأي

الدكتور عبد الناصر سلم حامد يكتب : الفاشر .. ما حملته المدينة حتى السقوط ( 1 – 4 )

بمناسبة الذكرى الأولى للسقوط — شهادة وقراءة في حصار المدينة وأيامها الأخيرة، في أربعة أجزاء

الجزء الأول: حين تستنزف المعركة أسباب البقاء

 

 

بدأت علاقتي بالفاشر مع بدايات الحصار الذي فرضته قوات الدعم السريع على المدينة. كنت أعمل على تقرير لجهة حقوقية عن الانتهاكات في حرب الفاشر، ومن خلاله تعرّفت إلى عدد ممن يقودون القتال داخلها، وإلى أهلها الذين عاشوا الحرب والحصار.

هذا الجزء عن الحصار: كيف اشتدّ، وما فعله بقدرة المدينة على الدفاع عن نفسها وإبقاء أهلها أحياء. أكتبه من واقع متابعتي، وأحاديث من تواصلت معهم في الداخل، وما استطعت الاطلاع عليه من تقارير منشورة.

كنت أتابع تحليل صور الأقمار الصناعية وأتحدّث إلى بعض من بقوا في المدينة. ومع الأيام، وجدت نفسي بين شعورين: إجلال لما يبذله المدافعون عن الفاشر، وخوف من السقوط لم تكن أخبار صدّ الهجمات كافية لتبديده.

كان مقاتلو الفرقة السادسة، والقوات المشتركة، والمقاومة الشعبية، وأبناء المدينة يتحمّلون عبئًا يزداد مع كل يوم. وعرفت ممن تحدّثت إليهم عن مقاتلين تقاسموا طعامهم مع المدنيين، في وقت لم يعد فيه أحد يطمئن إلى وجبته التالية. لكن الخسائر كانت تحتاج إلى تعويض، والجرحى إلى علاج، والمقاتلون وأسرهم إلى طعام. وكانت تلبية هذه الاحتياجات تزداد صعوبة، رغم وصول إمدادات عبر الجو في بعض الفترات.

لم أكن أعرف كل ما يجري داخل المواقع، ولا حجم المخزون والاحتياط. كانت الصور تكشف أشياء وتحجب أخرى، وكانت الاتصالات بالداخل تمنحني معرفة تظلّ ناقصة. ومع ذلك، لازمني سؤال: كيف ستواجه الفاشر الهجوم التالي بعد الكلفة التي دفعتها لصدّ سابقه؟

ما بعد صدّ الهجوم

بدأ عزل الفاشر وقطع طرق إمدادها في أبريل 2024، ثم اشتدّت المعارك في مايو، ودخلت المدينة حصارًا طال قرابة ثمانية عشر شهرًا , استند الدفاع إلى الفرقة السادسة مشاة، والقوات المشتركة، وتشكيلات المقاومة الشعبية، وكان على هذه القوات حماية محاور متعدّدة، وإسناد المواقع المهدّدة، ومنع الاختراقات، والمحافظة على الاتصال بينها.

كان صدّ الهجوم يمنح المدينة وقتًا إضافيًا، لكنه يترك ذخيرة استُهلكت، ومركبات تحتاج إلى إصلاح، وجرحى ينتظرون الإخلاء، ومقاتلين يحتاجون إلى الراحة قبل العودة إلى مواقعهم. هذه احتياجات لا تظهر كاملة في أخبار الانتصار.

في الظروف العادية، تساعد خطوط الإمداد على تداركها، أما داخل الحصار، فقد تطول آثار خسارة تبدو محدودة، المركبة المتوقّفة تقلّل وسائل النقل، وتأخّر الذخيرة يقيّد خيارات الموقع، وتعذّر إخلاء المصاب يضيف إلى أعباء الموجودين فيه.

كانت الفاشر تحتاج إلى تعويض ما تفقده مع كل جولة، فيما كانت الطرق التي تصلها بالخارج تضيق تباعًا.

كيف ضاق الطوق

لم يكن الحصار بالدرجة نفسها من الإغلاق طوال تلك الشهور،  بدأ بقطع الطرق والسيطرة على المناطق المحيطة، ثم اشتدّ عبر الحواجز والسواتر والتحكّم في منافذ العبور.

كانت مليط إحدى العقد الأساسية في هذا العزل، ويربط تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة انقطاع الإمداد العسكري البري بتحصين قوات الدعم السريع مواقعها حولها وقطع الطرق البرية ،وبحسب التقرير، أصبح الإسقاط الجوي منذ أبريل 2024 قناة إعادة الإمداد الوحيدة للقوات المسلحة وحلفائها داخل الفاشر.

وطال الضغط الريف الذي تعتمد عليه المدينة، فقد وثّق مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل هجمات على مجتمعات زراعية غرب الفاشر منذ أبريل 2024، خسرت الأسر بيوتها وسبل عيشها، وأضعف تدمير تلك المجتمعات مصادر الغذاء المحيطة بالمدينة.

وخلال عام 2025، أخذ العزل يظهر بصورة أوضح في صور الأقمار الصناعية، وثّق المختبر بناء سواتر ترابية على مراحل منذ مايو، وبحلول أواخر أغسطس، تجاوز مجموع أطوال المقاطع المرصودة 31 كيلومترًا، امتدّت من الغرب إلى الشمال، مع مقاطع إضافية شرق المدينة.

لم تكن السواتر قد أغلقت كل الجهات آنذاك،لكن بعض المناطق التي بقيت دون عائق ترابي كانت خاضعة لسيطرة الدعم السريع، خصوصًا جنوب المدينة بعد السيطرة على زمزم، لم يكن الفراغ في الساتر يعني وجود طريق آمن.

وعلى الطرق الرئيسية الخارجة من الفاشر، رصدت ييل نقاط تفتيش أخضعت الحركة للمراقبة والتحكّم. ووثّقت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مصادرة سلع، واحتجاز وإعدام أشخاص حاولوا إدخال الغذاء والاحتياجات الأساسية، كما وثّقت تعرّض نساء للعنف، بما فيه العنف الجنسي، أثناء محاولات جلب الطعام.

وصل التضييق إلى الكميات الصغيرة التي يحملها أفراد لإطعام أسرهم، صار إدخال الطعام نفسه مخاطرة قد لا يعود منها صاحبه.

حين يقطع الحصار طريق العلاج

تعرّضت مرافق البقاء للخطر منذ المرحلة المبكرة للقتال، ففي نهاية مايو 2024، حذّرت اليونيسف من أن المعارك حول خزان قولو تهدّد أحد مصادر المياه الرئيسية لنحو 270 ألف شخص في الفاشر ومحيطها.

وفي 8 يونيو، اقتحمت قوات الدعم السريع المستشفى الجنوبي، وأطلقت النار داخله ونهبت ممتلكاته، بينها سيارة إسعاف تابعة لأطباء بلا حدود، وفق ما أعلنته المنظمة، فتوقّفت أنشطته عقب الاقتحام، وبعد خمسة أيام، طالب مجلس الأمن، في القرار 2736، بوقف الحصار وتسهيل مرور المساعدات وحماية المدنيين.

لكن مرور المساعدات ظلّ معطّلًا، وتوثّق أطباء بلا حدود احتجاز الدعم السريع شاحنتين تابعتين لها في كبكابية، من أواخر يونيو إلى أوائل أكتوبر 2024. حملت الشاحنتان إمدادات، بينها أغذية علاجية لزمزم. وأدّى نقص الغذاء العلاجي إلى تعليق علاج حالات سوء التغذية الحادّ الوخيم ضمن برنامج المرضى الخارجيين في المخيم لثلاثة أسابيع، بدءًا من 30 سبتمبر.

كانت الإمدادات موجودة، وكان العاملون يعرفون المرضى الذين يحتاجون إليها. الذي تعذّر هو وصولها.

وفي فبراير 2025، أعلنت المنظمة وفاة أحد عشر مريضًا، بينهم خمسة أطفال، في مستشفاها الميداني بزمزم، بعدما تعذّر علاجهم بالشكل المطلوب أو إحالتهم إلى المستشفى السعودي في الفاشر. ثم أعلنت تعليق جميع أنشطتها بالمخيم في 24 فبراير.

وجاء هجوم أبريل على زمزم، بما صاحبه من قتل وتهجير واسعَين، على سكان تراجعت خدماتهم بالفعل.

كانت المدينة والمخيم مرتبطَين بما تبقّى من فرص العلاج. حين تتعذّر الإحالة إلى الفاشر، تقلّ فرص نجاة المصاب في زمزم. وحين تنقطع الإمدادات عن مستشفيات الفاشر، تتراجع قدرتها على استقباله. هكذا كان أثر الطريق المقطوع يصل إلى سرير المريض.

الطريق الذي يظهر في الصورة

ليلة 2 يونيو 2025، تعرّضت قافلة مشتركة لبرنامج الأغذية العالمي واليونيسف لهجوم قرب الكومة. وبحسب البيان الأممي، كانت تضمّ خمس عشرة شاحنة قطعت أكثر من 1,800 كيلومتر من بورتسودان، وكانت الوكالتان تتفاوضان لإكمال الرحلة إلى الفاشر.

قُتل خمسة من أفراد القافلة، واحترقت شاحنات وتضرّرت إمدادات. وأكّد البيان أن المسار أُبلغ للأطراف مسبقًا، دون أن يسمّي منفّذ الهجوم.

قطعت القافلة تلك المسافة، وبقي الوصول إلى المدينة متعذّرًا.

وفي أغسطس، أعلن برنامج الأغذية العالمي أنه لم يتمكّن من إيصال مساعداته الغذائية برًّا إلى الفاشر لأكثر من عام. وكان يواصل تقديم دعم نقدي رقمي لنحو 250 ألف شخص، لكن نقص السلع وارتفاع أسعارها حدّا من فائدته. وأفاد البرنامج بأن أسعار بعض الأغذية الأساسية كانت أعلى بما يصل إلى 460 في المئة مقارنة ببقية السودان.

تعذّر وصول مساعدات البرنامج برًّا لا يعني انعدام دخول كل كميات الطعام طوال الحصار. فقد أمكن للأفراد والتجار إدخال كميات عبر طرق خطرة، لكن ذلك لم يكن تدفّقًا منتظمًا يكفي لإطعام المدينة.

كنت أتابع امتداد العوائق في الصور وأعود إلى ما أعرفه من الداخل. الطريق واضح على الشاشة، لكن الأسرة أو الحمولة قد تعجز عن اجتيازه. ومع الوقت، صرت أكثر انتباهًا إلى ما لا تخبرني به الصورة: من يستطيع المرور؟ وبأي كلفة؟ وهل يعود؟

الإمداد يصل.. والحصار باقٍ

مع انقطاع الإمداد البري، لجأ الجيش إلى الإسقاط الجوي. وتحقّق فريق خبراء الأمم المتحدة من عشر عمليات بين أبريل وأغسطس 2024، حملت ذخائر وأسلحة خفيفة وهواتف فضائية وطعامًا وأدوية ونقودًا.

لكن الإمداد الجوي واجه بدوره قيودًا متزايدة. ويربط تقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تعزيز الدفاعات الجوية للدعم السريع بتعطيل الإسقاطات، ما أضعف انتظام وصول الإمدادات.

وفي الأسابيع الأخيرة، أفادت تقارير صحفية بوصول إمدادات أُسقطت جوًا في 29 سبتمبر و7 أكتوبر 2025، شملت ذخيرة وطعامًا وأدوية للقوات المحاصرة.

كان وصول الشحنات يعيد الأمل. لكن أثرها يتوقّف على كمياتها وانتظامها وتوزيعها، مقارنة بما تستهلكه المعركة كل يوم. ولم تكن البيانات المتاحة تسمح بتقدير مكتمل لذلك الأثر، أو لمقدار ما وصل من غذائها إلى المدنيين.

وبحلول أكتوبر، كانت شبكة السواتر والتحصينات قد أحاطت بالمدينة، فيما بقيت منافذ العبور خاضعة لسيطرة الدعم السريع.

ما حمله أهل الفاشر

وسط هذه الظروف، واصلت المطابخ الجماعية والفرق الطبية ومراكز الإيواء خدمة الناس. كان الصمود يظهر في إعداد وجبة، ونقل مصاب، وإيواء أسرة، ومواصلة العمل تحت القصف.

وكان تقاسم بعض المدافعين الطعام مع المدنيين واحدًا من وجوه التضامن التي عرفت عنها. تحمّل الناس احتياجات غيرهم من مواردهم القليلة، وخاطروا بالحركة والعمل كي يساعدوهم على البقاء.

ومع اشتداد الحصار، تراجعت قدرة الأسواق والمطابخ الجماعية على توفير الطعام، وتزايدت صعوبة الحصول على الماء. كان البحث عن ضروريات الحياة يستهلك ما بقي للأسر من مال وجهد، ويعرّضها للخطر.

ومن بين الأصوات التي بقيت معي من تلك الأيام صوت مازن، وهو شاب من القوة المشتركة. قبل سقوط الفاشر بأيام، ردّد لي كلمات لن أنساها ما حييت. أوردها هنا كما ردّدها لي:  «الفينا مشهودة عارفانا المكارم انحنا بنقودا والحارة بنخوضا».

ثم قُتل وهو يدافع عن الفاشر.

ومن كلمات القصيدة، بقي هذا البيت قريبًا من قلبي:

«البعجز يقع بيناتنا بنسندو».

كلما تذكّرت مازن، عاد إليّ صوته وهو يردّدها. أكتب هذه الكلمات اليوم لأحفظ شيئًا من ذكراه، ومن حديث لم أكن أعلم، وأنا أستمع إليه، أنني سأحمله معي طوال حياتي.

وغير مازن كُثُر، لكلٍّ منهم اسم وحياة وأحبّة يحملون ذكراه.

دخلت الفاشر أيامها الأخيرة بهذه الخسائر والأعباء، فيما استمرّ الضغط على مواقع الدفاع. وبحسب بعثة تقصّي الحقائق الأممية، بدأت القوات المسلحة إخلاء مقرّ الفرقة السادسة والتحرّك غربًا في 25 أكتوبر 2025.

كانت القوات والأسر الباحثة عن النجاة تتحرّك داخل محيط ضاقت منافذه خلال شهور الحصار.

ظلّ الطوق الذي قيّد دخول الإمداد قائمًا أمام الخارجين.

في الجزء الثاني: المحاور العسكرية، والأيام الأخيرة، والانسحاب من الفاشر

 

طالع أيضاً 

السفير دكتور محمد حجازي يكتب: كيف يسهم الإعلام السوداني في جهود إعادة إعمار السودان؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى