السفير دكتور محمد حجازي : « غاندي » في زمن المواجهات.. حين تصبح الأخلاق ضرورة للسياسة ويصبح السلام قوة لا ضعفًا

أكد السفير الدكتور محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن استلهام فكر المهاتما غاندي يمثل ضرورة فكرية وإنسانية في ظل تصاعد المواجهات الإقليمية والدولية، مشددًا على أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع صناعة سلام مستدام، وأن التمسك بالحقوق المشروعة لا يتعارض مع الالتزام بالقيم الأخلاقية، بل يتطلب الجمع بين صلابة الموقف ونبل الوسيلة.
جاء ذلك في كلمة ألقاها السفير محمد حجازي تعليقًا على كتاب الأستاذ عبد النبي الشعلة، السياسي والمفكر والكاتب البحريني، «غاندي وقضايا العرب والمسلمين»، خلال مناسبة فكرية وثقافية احتفت بالكتاب في مؤسسة الأهرام بالقاهرة.
وأوضح حجازي أن الكتاب يكتسب أهمية خاصة في المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة والعالم، مع تصاعد المواجهات واتساع دوائر التوتر، وتعرض منظومة الأمن والاستقرار لاختبارات غير مسبوقة، وتراجع مساحة الحوار في كثير من الأحيان لحساب منطق القوة، وتقدم الحسابات العسكرية على الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية.
وأشار إلى أن أهمية الكتاب لا تقتصر على تناوله شخصية تاريخية استثنائية بحجم المهاتما غاندي، وإنما تمتد إلى قدرته على إعادة طرح أسئلة جوهرية تتجاوز حدود الزمان والمكان، تتعلق بطبيعة القوة وحدود العنف ومعنى المقاومة والعلاقة بين السياسة والأخلاق، وكيفية دفاع الشعوب عن حقوقها الوطنية والمشروعة دون فقدان بوصلتها الإنسانية أو الانزلاق إلى دوامة لا تنتهي من الكراهية والانتقام.
حجازي: المقاومة السلمية ليست استسلامًا والتمسك بالأخلاق مصدر للقوة
وأكد مساعد وزير الخارجية الأسبق أن غاندي أدرك أن قوة الأمم لا تقاس فقط بما تمتلكه من جيوش وأسلحة وموارد، وإنما أيضًا بما تمتلكه من إرادة، وما تؤمن به من مبادئ، وما تستطيع حشده من طاقات شعبية وأخلاقية في مواجهة الظلم والاستعمار.
وأوضح أن تجربة غاندي في النضال من أجل استقلال الهند أثبتت أن المقاومة السلمية ليست استسلامًا، وأن التمسك بالوسائل الأخلاقية لا يعني التخلي عن الأهداف الوطنية، بل قد يكون أحد مصادر القوة الأكثر تأثيرًا واستدامة.
وأضاف أن الدرس الأهم في تجربة غاندي يتمثل في أن صلابة الموقف لا تتعارض مع نبل الوسيلة، وأن الإصرار على الحقوق لا يستلزم التخلي عن القيم، وأن رفض الظلم ينبغي ألا يتحول إلى مبرر لإنتاج ظلم جديد.
وأشار إلى أن هذه المعادلة تكتسب أهمية بالغة في عالم أصبحت فيه القوة العسكرية قادرة على إحداث دمار هائل، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة سلام مستدام، كما أن الانتصار في الميدان لا يعني بالضرورة تحقيق الأمن أو بناء الاستقرار أو كسب العقول والقلوب.
فلسفة غاندي.. من قوة الحقيقة إلى أخلاق التعايش والسلام
وأوضح حجازي أن فهم التأثير التاريخي والإنساني للمهاتما غاندي يتطلب التوقف أمام فلسفته التي لم تكن مجرد دعوة أخلاقية إلى نبذ العنف، وإنما مشروعًا متكاملًا للنضال والتحرر وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان ومجتمعه، وبين السياسة والضمير، وبين الحرية والمسؤولية.
وأشار إلى أن مفهوم «الساتياجراها» (Satyagraha)، الذي يمكن ترجمته إلى التمسك بالحقيقة أو قوة الحقيقة، يقف في قلب هذه الفلسفة، وهو المفهوم الذي صاغه غاندي للتعبير عن مقاومة الظلم بالوسائل السلمية، من خلال العصيان المدني والمقاطعة والامتناع عن التعاون مع القوانين والممارسات الجائرة، مع الاستعداد لتحمل التضحيات دون التخلي عن المبادئ.
وشدد على أن المقصود بهذا النهج لم يكن الاستسلام أمام القوة، بل بناء قوة أخلاقية وشعبية تستطيع مواجهة الظلم وكشف تناقضاته دون أن تتحول هي نفسها إلى أداة لإنتاج ظلم جديد.
وأضاف أن فلسفة غاندي ترتكز على مبدأ «الساتيا» (Satya)، أي الحقيقة، ومبدأ «الأهيمسا» (Ahimsa)، أي اللاعنف، الذي يتجاوز مجرد الامتناع عن استخدام القوة إلى ممارسة المحبة واحترام كرامة الإنسان، حتى في مواجهة الخصم.
وأكد أن الغاية عند غاندي لا تنفصل عن الوسيلة، ولا يمكن بناء سلام عادل بأدوات تنقض أسسه، كما لا يمكن الوصول إلى الحرية الحقيقية إذا تحولت مقاومة الاستبداد إلى ممارسة للاستبداد ذاته.
ولفت إلى أن شجاعة غاندي في مواجهة الإمبراطورية البريطانية ارتبطت بإيمانه بأن قوة الإرادة والضمير والتعبئة الشعبية تستطيع فرض حدود أخلاقية وسياسية على القوة المادية، وأن النضال من أجل الحق يحتاج إلى الصمود والانضباط والشجاعة، لا إلى الكراهية والانتقام.
وأوضح حجازي أن فلسفة غاندي لم تتوقف عند حدود التحرر الوطني، بل امتدت إلى مفهوم «سارفودايا» (Sarvodaya)، الذي يعني رفاه الجميع أو نهضة الجميع، انطلاقًا من أن التقدم الحقيقي لا يقاس بمكاسب فئة على حساب أخرى، وإنما بقدرة المجتمع على تحقيق الكرامة والعدالة وتحسين حياة أفراده، ولا سيما الفئات الأكثر ضعفًا.
كما ارتبط فكر غاندي بمفهوم «سواراج» (Swaraj)، الذي لا يعني الاستقلال السياسي فحسب، بل يتضمن أيضًا حكم الذات والانضباط والمسؤولية والقدرة على إدارة الشأن العام بإرادة مستقلة.
وأكد أن غاندي جمع بذلك بين تحرير الوطن وتحرير الإنسان، وبين الاستقلال عن السيطرة الخارجية وبناء مجتمع أكثر عدلًا وتكافلًا.
احترام الأديان ورفض التعصب في فكر غاندي
وفيما يتعلق بالتعايش الديني والثقافي، أشار حجازي إلى أن غاندي دافع عن احترام الأديان ورفض التعصب، مؤكدًا أن الإيمان الحقيقي لا يستلزم الانتقاص من معتقدات الآخرين أو فرض رؤية واحدة على المجتمع.
وأوضح أن هذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة في العالم المعاصر، حيث تتداخل الصراعات السياسية مع الانقسامات الدينية والهوياتية، وحيث يُساء أحيانًا توظيف الدين لتبرير الكراهية والإقصاء.
وشدد على أن رسالة غاندي لا تتمثل في محو الاختلاف أو إنكار خصوصية الثقافات، بل في إدارة الاختلاف بالاحترام المتبادل، والإقرار بحق كل إنسان في الكرامة والاعتقاد، والنظر إلى التنوع باعتباره مصدر قوة وثراء، لا ذريعة للصراع.
وأضاف أن هذه المبادئ، التي اكتسبت معناها التاريخي في مواجهة الاستعمار والنضال من أجل استقلال الهند، تكتسب اليوم أهمية مضاعفة في ظل المواجهات الإقليمية والدولية، وتصاعد سباق التسلح، وتراجع الثقة في الحلول الدبلوماسية.
وأكد أن استلهام تجربة غاندي لا يعني تجاهل حق الدول في حماية أمنها وسيادتها، أو المساواة بين المعتدي وصاحب الحق، وإنما يعني جعل القوة وسيلة لحماية الشعوب لا لإدامة معاناتها، وفتح الطريق أمام الدبلوماسية كلما أمكن، ورفض تحويل الخصومة السياسية إلى عداوة دائمة بين الشعوب.
وشدد على أن السلام المنشود ليس سلامًا يقوم على الخوف أو فرض الأمر الواقع، بل سلام يستند إلى العدالة واحترام القانون والحقوق المشروعة.
حجازي: القضية الفلسطينية اختبار حقيقي لصدقية النظام الدولي
وأشار مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى الصلة العميقة بين فلسفة غاندي والرسالة التي تستطيع مصر الاضطلاع بها في محيطها العربي والإقليمي، موضحًا أن مصر، التي عرفت قيمة الاستقلال الوطني وشاركت في تأسيس حركة عدم الانحياز وتمسكت بالتسويات السياسية في مواجهة الأزمات، تدرك أن السلام لا يتحقق بتجاهل أسباب الصراع، وإنما بمعالجتها، وأن الاستقرار لا يدوم إذا غابت العدالة أو جرى التفريط في الحقوق.
وأكد أن القضية الفلسطينية تمثل مثالًا واضحًا على أن التعايش لا يمكن أن يُبنى على إنكار حقوق شعب، وأن التسوية العادلة تقتضي إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، لافتا إلى أن استعادة فكر غاندي ليست ترفًا ثقافيًا أو استدعاءً لصفحات من التاريخ، بل محاولة لاستعادة التوازن بين مقتضيات القوة ومسؤوليات الحكمة، وبين حق الدول في حماية أمنها ومصالحها وضرورة تجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة تستنزف مقدرات الشعوب وتبدد فرص التنمية.
وشدد على أن الدول لا يمكن مطالبتها بالتخلي عن مسؤوليتها في حماية أمنها القومي، كما لا يجوز المساواة بين المعتدي والمعتدى عليه، أو بين صاحب الحق ومن ينتهكه، لكن ينبغي التمسك بأن تكون القوة أداة لحماية السلام لا وسيلة لتقويضه، وألا يغلق الردع أبواب التسوية السياسية.
وأوضح أن الدبلوماسية ليست بديلًا عن حماية المصالح الوطنية، وإنما إحدى أهم أدواتها وأكثرها قدرة على تحويل التوتر إلى تفاهم، والمواجهة إلى تسوية، والصراع إلى ترتيبات تحقق الأمن المتبادل، مؤكدا أن استلهام غاندي لا يعني استنساخ تجربته أو نقلها حرفيًا إلى واقع مختلف، فلكل دولة ظروفها، ولكل صراع طبيعته، ولكل مرحلة أدواتها، وإنما يعني الاحتفاظ بالبوصلة الأخلاقية التي تميز بين القوة المسؤولة والبطش، وبين الدفاع عن الحقوق والانتقام، وبين مقاومة الظلم وإهدار كرامة الإنسان.
وأشار إلى أن هذا هو التحدي الحقيقي أمام القيادات السياسية والفكرية والدبلوماسية في عالم تتزايد فيه احتمالات التصعيد، وتتراجع فيه الثقة بقدرة المؤسسات الدولية على إنفاذ قواعد القانون والعدالة.
كتاب «غاندي وقضايا العرب والمسلمين» يسلط الضوء على مواقفه من فلسطين
وأوضح حجازي أن أهمية كتاب «غاندي وقضايا العرب والمسلمين» تتمثل أيضًا في ربطه بين تجربة غاندي وقضايا العرب والمسلمين، إذ لا يكتفي بعرض تجربة الاستقلال الهندية، بل يتوقف أمام مواقف غاندي من الإسلام والمسلمين والقضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مؤكداً أن غاندي أدرك أن العدالة لا تتجزأ، وأن مأساة شعب لا يجوز أن تكون مبررًا لإلحاق الظلم بشعب آخر، وأن الحرية التي يطالب بها الإنسان لنفسه تفقد معناها الأخلاقي إذا أنكرها على الآخرين.
وأشار إلى أن مواقف غاندي المرتبطة بفلسطين تكتسب دلالة إنسانية وسياسية عميقة، في وقت لا تزال فيه القضية الفلسطينية تمثل اختبارًا حقيقيًا لصدقية النظام الدولي ومدى التزام المجتمع الدولي بمبادئ القانون والعدالة وحق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.
وشدد على أن القضية الفلسطينية ليست مجرد قضية إقليمية، بل قضية عدالة وحقوق وكرامة إنسانية، مؤكدًا أنه لا يمكن بناء سلام حقيقي في الشرق الأوسط دون إنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
كما أكد أن حماية المدنيين، ورفض التهجير القسري، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ليست مواقف سياسية قابلة للمساومة، بل التزامات قانونية وأخلاقية يجب احترامها.
وفي هذا السياق، أبرز حجازي أهمية الدور المصري الذي ارتكز على التمسك بالحقوق الفلسطينية، ورفض تصفية القضية أو تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، والعمل على وقف الحرب، وتيسير المساعدات الإنسانية، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية عادلة.
وأوضح أن هذا الموقف يجمع بين المبادئ والمسؤولية السياسية، وبين حماية الأمن القومي والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعوب، بما يؤكد أن السلام الحقيقي لا يقوم على فرض الأمر الواقع، وإنما على معالجة جذور الصراع وإقامة العدل.
مصر وغاندي.. تاريخ مشترك من النضال من أجل الحرية والكرامة
وأكد مساعد وزير الخارجية الأسبق أن العلاقة بين مصر والمهاتما غاندي لم تكن مجرد إعجاب بشخصية تاريخية أو تقدير لتجربة تحرر وطني بعيدة جغرافيًا، بل علاقة تفاعل فكري ووجداني بين شعبين خاضا، في مراحل متقاربة من التاريخ، نضالًا من أجل الاستقلال والكرامة الوطنية والتحرر من الاستعمار.
وأشار إلى أن غاندي تابع باهتمام نضال المصريين من أجل الاستقلال، وأبدى تقديره للحركة الوطنية المصرية وشخصياتها البارزة، وفي مقدمتها مصطفى كامل وسعد زغلول، لافتا إلى أن غاندي رأى في كفاح المصريين وصورة عام 1919 مصدرًا للإلهام، وفي ثورتهم وتجربتهم النضالية الفذة، وما اتسمت به من تعبئة شعبية وإصرار على استعادة السيادة الوطنية، تجربة تستحق التأمل.
وفي المقابل، وجد المصريون في غاندي نموذجًا لقائد استطاع تحويل إرادة الشعب إلى قوة سياسية وأخلاقية في مواجهة الاستعمار.
وأوضح السفير محمد حجازي أن الدراسات التاريخية تشير إلى أن هذا التفاعل لم يكن أحادي الاتجاه، بل كان تبادلًا للتأثير والخبرة بين حركتين وطنيتين جمعت بينهما غاية التحرر، وإن اختلفت ظروف كل منهما وأدوات نضاله.
أحمد شوقي يحيي غاندي عند عبوره قناة السويس عام 1931
وتوقف السفير دكتور محمد حجازي مساعد وزير الخارجية الأسبق أمام إحدى الصفحات المضيئة التي تجسد عمق الصلة بين مصر والمهاتما غاندي، وما يجمع الشعبين من وجدان تحرري وإنساني مشترك، وهي تحية أمير الشعراء أحمد شوقي لغاندي عام 1931، عندما عبر قناة السويس في طريقه إلى لندن للمشاركة في مؤتمر المائدة المستديرة، الذي انعقد لبحث مستقبل الهند وعلاقتها بالحكم البريطاني.
وأوضح أن غاندي لم يكن في تلك اللحظة مجرد زعيم هندي عابر لقناة السويس، بل رمزًا لنضال شعب بأكمله من أجل الحرية والاستقلال، فيما كان المصريون، الذين خاضوا بدورهم معركتهم الوطنية ضد الاحتلال البريطاني، يرون في كفاحه امتدادًا لنضالهم، وفي إصراره على التحرر تعبيرًا عن تطلعاتهم إلى استعادة السيادة والكرامة الوطنية، مشيرا إلى أن تحية أحمد شوقي تجاوزت حدود المجاملة الشعرية لتصبح وثيقة وجدانية وسياسية نادرة في تاريخ العلاقات بين الشعبين، عندما خاطب غاندي قائلًا:
«سلام النيل يا غاندي
وهذا الزهر من عندي».
وأكد السفير محمد حجازي أن هذه التحية مصرية بامتياز؛ فالنيل، رمز الحياة والخلود في وجدان المصريين، يرسل سلامه إلى قائد حركة التحرر الهندية، فيما تُقدَّم أزهار مصر إليه تعبيرًا عن التضامن والمحبة والتقدير.
وقال” أن شوقي أراد، من خلال هذه التحية، التأكيد أن النضال من أجل الحرية لا تعرف حدوده الجغرافيا، وأن الشعوب التي تتطلع إلى الاستقلال تستطيع أن تتعارف وتتآزر حتى قبل أن تلتقي رسميًا في مؤسسات التعاون الدولي.
ولفت إلى أن هذه التحية لم تكن معزولة عن سياقها الوطني، إذ كان المصريون يتابعون نضال غاندي، كما كان غاندي يتابع تطورات الحركة الوطنية المصرية.
وأوضح أن هذه اللحظة التاريخية شهدت التقاء مسارين للتحرر من الاستعمار البريطاني، أحدهما في وادي النيل والآخر في شبه القارة الهندية، جمعهما الإيمان بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وإن اختلفت الظروف والأساليب، مؤكداً أن دلالة هذه الواقعة تزداد عمقًا عند استعادتها اليوم، بعد عقود من استقلال مصر والهند، وفي وقت تواجه فيه المنطقة تحديات جسيمة وتتجدد المواجهات والصراعات، ما يجعل الحاجة أكثر إلحاحًا إلى استعادة روح التضامن بين الشعوب والتمسك بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
وأشار مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أن قصيدة أحمد شوقي ليست مجرد أثر أدبي جميل من الماضي، بل رسالة سياسية وإنسانية ما زالت صالحة للحاضر، تؤكد أن مصر كانت ترى في وجدانها الوطني أن حرية الشعوب الأخرى جزء من رسالتها، وأن التضامن مع نضال الآخرين لا ينتقص من الوطنية، بل يمنحها أفقًا إنسانيًا أرحب.
وقال السفير محمد حجازي ” أنه إذا كان شوقي قد جعل من النيل سفيرًا لتحية غاندي، فإن المسؤولية اليوم تتمثل في جعل هذا الإرث المشترك جسرًا متجددًا للتعاون المصري الهندي، وللدفاع عن قضايا التحرر والعدالة والسلام، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي تذكر بأن الحرية لا تكتمل إذا ظلت شعوب محرومة من حقوقها، وأن السلام لا يصبح عادلًا ما لم يستند إلى القانون والإنصاف واحترام كرامة الإنسان.
رموز غاندي في القاهرة وامتداد العلاقات المصرية الهندية
وأكد السفير حجازي أن الاحتفاء بكتاب «غاندي وقضايا العرب والمسلمين» في القاهرة، وفي رحاب مؤسسة الأهرام، يعيد وصل الحاضر بصفحة مشرقة من التاريخ المشترك، كتبها غاندي بنضاله، وشوقي بشعره، والشعبان المصري والهندي بتطلعهما إلى الحرية والاستقلال، مشيراً إلى أن هذه المناسبة تمثل دعوة إلى استلهام الماضي لمواجهة الحاضر، والإيمان بأن التضامن بين الشعوب، عندما يقوم على المبادئ والحقوق، يصبح قوة من أجل مستقبل أكثر عدلًا وسلامًا.
ولفت إلى أن اسم غاندي لا يزال حاضرًا في الفضاء العام المصري، إذ يحمل أحد شوارع القاهرة اسمه، كما تحتضن مؤسسات ثقافية مصرية تماثيل نصفية له، من بينها المجلس الأعلى للثقافة ومكتبة الإسكندرية وحديقة الحرية بالقاهرة.
وأوضح السفير محمد حجازي أن هذه الشواهد ليست مجرد مظاهر للتكريم، بل تعبير عن ذاكرة مشتركة ترى في غاندي رمزًا للتحرر، وفي التواصل المصري الهندي جسرًا ممتدًا بين حضارتين وشعبين.
وأضاف أن مرحلة جمال عبد الناصر وجواهر لال نهرو منحت العلاقات المصرية الهندية أفقًا استراتيجيًا أوسع، إذ التقت مصر والهند في الدفاع عن استقلال القرار الوطني، ورفض التبعية، ومساندة حركات التحرر، والعمل على تأسيس حركة عدم الانحياز، التي عبّرت عن طموح دول وشعوب أرادت أن تصنع لنفسها موقعًا مستقلًا في عالم منقسم بين معسكرات متصارعة.
وأكد أن الخيط الذي ربط بين نضال غاندي من أجل استقلال الهند ونضال المصريين من أجل استقلال وطنهم امتد ليصبح جزءًا من مشروع أوسع للتضامن بين شعوب آسيا وإفريقيا، والدفاع عن حقها في تقرير مصيرها.
وأشار إلى أن استحضار غاندي في القاهرة اليوم يحمل معنى يتجاوز الاحتفاء بكتاب أو استعادة سيرة قائد، إذ يمثل استدعاءً لذاكرة مصرية وطنية تؤمن بأن الاستقلال لا يكتمل إلا بحرية القرار، وأن القوة الحقيقية للدولة تكمن في قدرتها على حماية مصالحها دون أن تفقد التزامها بالعدل، وأن التضامن بين الشعوب لا يقوم على تشابه الظروف وحده، بل على الالتقاء حول مبادئ الكرامة والحرية ورفض الاحتلال والهيمنة.
وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق أن مصر، بحكم تاريخها وموقعها ومسؤولياتها العربية والإقليمية، معنية بالدفاع عن فرص التهدئة، ومنع اتساع دائرة الصراع، وإعلاء شأن الحلول السياسية والدبلوماسية، مع التمسك بالحقوق العربية المشروعة، وفي مقدمتها حقوق الشعب الفلسطيني، مشددا على أن رسالة غاندي تلتقي مع الدور الذي يمكن أن تضطلع به مصر، ليس من خلال الدعوة إلى سلام شكلي يتجاهل أسباب الصراع، وإنما بالسعي إلى سلام عادل يحفظ الحقوق ويصون الكرامة ويمنع تكرار المآسي.
وأكد أن الاستقلال لا يمكن أن يتحقق دون إرادة وطنية، كما لا يمكن تحقيق السلام دون عدالة، ولا يمكن أن تستقر المنطقة إذا بقيت الحقوق رهينة لموازين القوة وحدها.
وأضاف حجازي أنه يرى أن إحياء تراث غاندي في مصر ينبغي أن يكون دعوة إلى تجديد الحوار المصري الهندي، واستعادة روح التضامن بين الشعوب التي ناضلت من أجل حريتها، وبناء جسور ثقافية وإنسانية تجعل من التاريخ المشترك مصدر إلهام للمستقبل.
وأشار إلى أن القاهرة، التي احتضنت مشروع التحرر الوطني العربي وشاركت في صياغة رؤية عدم الانحياز، قادرة اليوم أيضًا على أن تكون منبرًا للحوار حول العلاقة بين القوة والأخلاق، وبين المقاومة والمسؤولية، وبين السلام والعدالة.
وأكد أن قراءة غاندي لا ينبغي أن تقتصر على اعتباره فصلًا من تاريخ الهند، بل يجب أن تمتد إلى تاريخ مصر وذاكرتها الوطنية وتطلعها إلى شرق أوسط أكثر أمنًا واستقرارًا وعدالة، معتبرًا أن ذلك يمثل أحد أهم أوجه القيمة الفكرية والإنسانية لكتاب الأستاذ عبد النبي الشعلة «غاندي وقضايا العرب والمسلمين».
حجازي: المجتمعات لا تُحمى بالقوة وحدها
وفي سياق حديثه عن الدروس المستفادة من فكر غاندي، أكد حجازي أن المجتمعات لا تُحمى بالقوة وحدها، وإنما تُحمى أيضًا بقدرتها على إدارة الاختلاف، واحترام التعدد الديني والثقافي، ومقاومة التعصب، ومنع تحول التنوع إلى انقسام، والاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى عنف.
وأوضح أن المنطقة العربية، التي تتميز بعمق تاريخها وتنوع مجتمعاتها وتشابك مصالح شعوبها، تحتاج بصورة متزايدة إلى خطاب يعيد الاعتبار للحوار والتسامح والتعايش، ويواجه التطرف والإرهاب وخطابات الكراهية، دون التفريط في الثوابت الوطنية أو الحقوق المشروعة.
وشدد على أن المجتمعات القوية ليست تلك التي تلغي الاختلاف، بل تلك التي تديره بالحكمة والعدل، وتحوّله إلى مصدر ثراء وقوة.
وأضاف أن إحياء تراث غاندي ينبغي ألا يظل حبيس الندوات والكتب والمناسبات الثقافية، بل يجب أن يتحول إلى مشروع للتربية والتوعية وبناء الوعي العام، وأن يجد طريقه إلى المدارس والجامعات ومؤسسات الإعلام والثقافة والدبلوماسية، وإلى برامج الحوار بين الحضارات والأديان.
وأشار إلى أن الأجيال الجديدة، التي تنشأ في عالم تتدفق فيه المعلومات والصور والخطابات المتضاربة، تحتاج إلى نماذج تثبت أن الشجاعة ليست في إشعال الصراعات، وأن القوة ليست في إلحاق الألم بالآخرين، وأن الاختلاف لا يبرر الكراهية، وأن الانتصار الحقيقي يبدأ حين ينتصر الإنسان على دوافع التعصب والانتقام.
كتاب عبد النبي الشعلة يعزز الحوار العربي الهندي
وأكد السفير محمد حجازي أن كتاب الأستاذ عبد النبي الشعلة يمثل إسهامًا مهمًا في تعزيز الحوار العربي الهندي وبناء جسور ثقافية وإنسانية بين الشعوب، انطلاقًا من تاريخ طويل من التواصل والتفاعل الحضاري.
وأشار مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أن صدور هذه الطبعة عن مؤسسة الأهرام العريقة، بما تمثله من مكانة في الصحافة والثقافة العربية، يمنح الكتاب مساحة إضافية للوصول إلى جمهور أوسع، ويؤكد الدور الذي تستطيع المؤسسات الثقافية والإعلامية أداءه في مواجهة خطاب الكراهية وترسيخ قيم التسامح والسلام والعدالة.
ووجّه حجازي التحية إلى الأستاذ عبد النبي الشعلة، مشيدًا باختياره هذا الموضوع وإصراره على إبقاء أسئلة غاندي حاضرة في النقاش العربي، ليس باعتبارها أسئلة تاريخية فحسب، وإنما بوصفها أسئلة تخص الحاضر والمستقبل.
وأوضح أن الكتاب الجاد ليس الذي يقدم إجابات جاهزة فقط، وإنما الذي يدفع إلى إعادة التفكير في المواقف، ومراجعة الأدوات، والبحث عن مسارات أكثر حكمة وفاعلية لتحقيق الأهداف الوطنية والإنسانية.
«غاندي وقضايا العرب والمسلمين».. دعوة إلى ربط السياسة بالأخلاق والسلام بالعدالة
وفي ختام كلمته، أكد السفير الدكتور محمد حجازي أن استعادة فكر غاندي اليوم لا تعني الدعوة إلى سلام بلا عدالة، أو إلى تسامح مع الظلم، أو إلى التنازل عن الحقوق المشروعة، وإنما تعني الدفاع عن الحق دون كراهية، والتمسك بالعدالة دون انتقام، والعمل من أجل السلام دون تفريط في الكرامة أو السيادة.
وشدد على أن العالم في زمن المواجهات أحوج ما يكون إلى الحكمة، وفي زمن الاستقطاب أحوج ما يكون إلى الحوار، وفي زمن تراجع الثقة أحوج ما يكون إلى استعادة المبادئ التي تجعل السياسة أداة لخدمة الإنسان، لا مجرد صراع على القوة والنفوذ.
وأضاف أن التاريخ حفظ لغاندي مكانته لأنه استطاع تحويل الإيمان بالمبادئ إلى قوة تحرك الشعوب، مؤكدًا أن المسؤولية اليوم تتمثل في استخلاص الدروس من تجربته بما يساعد على حماية الأوطان، وصون حقوق الشعوب، وبناء مستقبل أكثر أمنًا وعدالة واستقرارًا للأجيال القادمة.
وجدد حجازي تحيته للأستاذ عبد النبي الشعلة، معربًا عن تقديره لهذا العمل الفكري المهم، وأمله في أن تسهم الطبعة الجديدة من الكتاب في توسيع الحوار حول فكر غاندي ومواقفه، وأن تتحول القيم التي يدافع عنها الكتاب من أفكار يجري الاحتفاء بها إلى ممارسات يؤمن بها الجميع ويعملون على تحقيقها.
طالع أيضاً
السفير دكتور محمد حجازي يكتب: كيف يسهم الإعلام السوداني في جهود إعادة إعمار السودان؟