السفير دكتور محمد حجازي يكتب: رسائل مصرية واضحة من منتدى المنامة.. نحو منظومة إقليمية للأمن والتعاون

تأتي مشاركة مصر في الدورة الثانية والعشرين لحوار المنامة، المنعقد بالعاصمة البحرينية خلال الفترة من 30 أكتوبر إلى 1 نوفمبر 2026، في توقيت بالغ الدقة، تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تحولات استراتيجية عميقة، مع تصاعد احتمالات المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية، واستمرار تداعيات الحرب في غزة، وتزايد التهديدات التي تواجه أمن الخليج والممرات البحرية وإمدادات الطاقة والتجارة الدولية، وفي هذا السياق، لم تكن مشاركة وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي مجرد حضور دبلوماسي في أحد أبرز المنتديات الأمنية الدولية، بل حملت رسائل مصرية واضحة تعكس رؤية القاهرة لمستقبل الأمن الإقليمي، وتؤكد دورها في الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة قادرة على منعها.
ويكتسب حوار المنامة، الذي ينظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أهمية خاصة باعتباره منصة تجمع وزراء الخارجية والدفاع وصناع القرار وقادة المؤسسات الأمنية والخبراء من مختلف دول العالم، لمناقشة التحولات الأمنية والاستراتيجية في الشرق الأوسط، وقد عكست أجندة دورته الحالية حجم الترابط بين ملفات الأمن الخليجي، والصراع الإقليمي، وأمن الملاحة البحرية، ومستقبل القضية الفلسطينية، وإعادة الإعمار والتنمية، فضلاً عن العلاقة المتغيرة بين القوى الدولية والإقليمية.
الرسالة المصرية الأولى أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي ، فقد أكد الوزير بدر عبد العاطي تضامن مصر الكامل مع الدول الخليجية، ورفض أي مساس بسيادتها أو استهداف لأراضيها ومنشآتها الحيوية، وهو موقف يتجاوز التضامن السياسي إلى حقيقة استراتيجية، مفادها أن أمن الخليج يرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس وأسواق الطاقة والتجارة والاستثمار، وأن أي اضطراب في هذه الدائرة ينعكس على استقرار المنطقة بأسرها، بما فيها مصر.
أما الرسالة الثانية فتتمثل في التحذير من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد تفضي إليه من تداعيات أكثر خطورة واتساعاً، فمصر تدرك أن الحرب لن تظل محصورة بين أطرافها المباشرين، بل قد تمتد آثارها إلى أمن الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر، وتهدد إمدادات الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد، وتفرض أعباء اقتصادية وأمنية إضافية على دول المنطقة. ومن ثم فإن الأولوية المصرية هي احتواء التصعيد، وإبقاء قنوات الدبلوماسية مفتوحة، وتجنب الحسابات الخاطئة التي قد تدفع المنطقة إلى مواجهة يصعب احتواء نتائجها.
وتتصل بذلك الرسالة الثالثة، وهي ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء آليات إقليمية لمنع نشوبها، فالأمن المستدام لا يتحقق بالاستجابة العسكرية وحدها، وإنما يتطلب الإنذار المبكر، ومنع الاحتكاك، وتبادل المعلومات، وبناء الثقة، وتطوير قنوات الاتصال السياسي والأمني بين دول المنطقة، وهي رؤية تعكس إدراكاً مصرياً بأن التحدي الحقيقي ليس فقط في احتواء الصراعات القائمة، وإنما في منع تكرارها وتحويل الأمن من رد فعل إلى سياسة وقائية ومؤسسية.
وفي هذا الإطار، تبرز الرسالة الرابعة المتعلقة بالملكية الإقليمية للأمن، أي أن تكون دول المنطقة شريكاً أساسياً في صياغة ترتيباتها الأمنية، انطلاقاً من مصالحها وأولوياتها، وليس مجرد متلقٍ لترتيبات تضعها القوى الدولية، ولا يعني ذلك الاستغناء عن الشراكات الدولية، وإنما تطويرها على أساس احترام السيادة والمصالح المتبادلة، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها، كما يتطلب الجمع بين الدبلوماسية والردع، فالدبلوماسية دون قدرة على حماية المصالح قد تفتقر إلى الفاعلية، والردع دون حوار قد يتحول إلى مدخل لمواجهات جديدة.
وتحمل الرسالة الخامسة أهمية خاصة لمصر، وتتعلق بأمن الممرات البحرية، من مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، فهذه الممرات ليست مجرد طرق للملاحة، بل شرايين للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والغذاء والتجارة الدولية، ومن ثم فإن حماية الملاحة والمنشآت الحيوية والبنية التحتية البحرية والرقمية تتطلب تعاوناً إقليمياً منظماً، وتنسيقاً بين الدول المشاطئة، وتبادلاً للمعلومات، وشراكة دولية تحترم قواعد القانون الدولي.
أما الرسالة السادسة فتؤكد أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق دون تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض التهجير وضم الأراضي والاستيطان ، فالقضية الفلسطينية ليست ملفاً إنسانياً أو سياسياً منفصلاً عن معادلات الأمن الإقليمي، وإنما تمثل أحد جذور الصراع وعدم الاستقرار، ولا يمكن لأي ترتيبات أمنية أن تحقق استدامتها إذا تجاهلت الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أو حاولت فرض واقع جديد على حسابها.
ومن المهم كذلك أن تتسع الرؤية الأمنية لتشمل التنمية وأمن الغذاء والمياه والطاقة، وإعادة الإعمار، وبناء مؤسسات الدولة، باعتبار أن الفقر والتهميش وضعف المؤسسات وتفاقم الأزمات الاقتصادية تمثل بيئات خصبة للصراعات وعدم الاستقرار، فالأمن والتنمية مساران متكاملان، ولا يمكن بناء سلام مستدام دون معالجة أسبابه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن مجمل هذه الرسائل يعكس ثوابت السياسة المصرية، القائمة على حماية الدولة الوطنية، واحترام السيادة، والتوازن في العلاقات الدولية، وتغليب الحلول السياسية، مع الاحتفاظ بالقدرة على حماية المصالح الوطنية والعربية، كما يؤكد أن مصر، بثقلها السياسي والدبلوماسي وعلاقاتها المتوازنة مع القوى الدولية والإقليمية، قادرة على الإسهام في بلورة تصور أكثر شمولاً لأمن المنطقة، لا يقوم على الاستقطاب أو المحاور، وإنما على المصالح المشتركة والمسؤولية الجماعية.
وهنا تبرز فرصة استراتيجية مهمة أمام القاهرة، تتمثل في العمل علي تأسيس منتدى مصري دولي للفكر والدراسات الأمنية والاستراتيجية (Cairo Stratigic Forum (CSF ليكون منصة بحثية وحوارية رفيعة المستوى تنطلق من القاهرة وتجمع صناع القرار والدبلوماسيين والعسكريين والخبراء ومراكز الفكر والجامعات من مصر والمنطقة والعالم، ويستهدف المنتدى دراسة التحولات في النظام الدولي، وقضايا الأمن الإقليمي، والعلاقات العربية الإفريقية، وأمن البحرين الأحمر والمتوسط، ومكافحة الإرهاب، والأمن البحري، وأمن المياه والطاقة والغذاء، ومستقبل التعاون الدولي وتسوية النزاعات.
ولا ينبغي أن يكون المنتدى مجرد مؤتمر سنوي أو مناسبة لتبادل الخطب، بل مؤسسة فكرية وبحثية مستدامة، تنتج دراسات وتقديرات موقف وأوراق سياسات، وتعقد حوارات مغلقة واجتماعات لمسارات الدبلوماسية غير الرسمية، وتستضيف شخصيات دولية مؤثرة، وتطلق مبادرات عملية للتعاون وبناء الثقة، ويمكن أن يستلهم تجارب منتدى المنامة والدوحة ومؤتمر ميونيخ للأمن، مع تقديم إضافة مصرية وعربية وإفريقية ومتوسطية مستقلة، تستند إلى مكانة القاهرة وتاريخها الدبلوماسي وموقعها الجغرافي ودورها الإقليمي.
إن مصر التي تدعو في المنامة إلى بناء منظومة إقليمية للأمن والتعاون، تحتاج أيضاً إلى منصة فكرية دولية من القاهرة تسهم في صياغة هذه المنظومة، وتقدم الرؤية المصرية إلى العالم، وتنتقل من المشاركة في حوارات الآخرين إلى استضافة حوار دولي مؤثر حول مستقبل الأمن والاستقرار. فكما أن القوة تحمي المصالح، فإن الفكر يصوغ الرؤى، والمؤسسات تحول الرؤى إلى سياسات، وتلك هي الفرصة التي ينبغي أن تتحول إلى مبادرة مصرية تستحق أن تحمل اسم القاهرة ومكانتها.
طالع أيضاً




