أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : مصر والسودان..  شراكة استراتيجية لحماية الأمن المائي وإعادة صياغة قواعد التعاون في حوض النيل

يمثل انعقاد الجولة الثالثة من آلية التشاور المصرية السودانية «2+2» لوزراء الخارجية والري بالقاهرة في 2 نوفمبر 2026، محطة مهمة في مسار العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وتطوراً يتجاوز حدود التنسيق الثنائي التقليدي إلى بلورة رؤية مشتركة للتعامل مع التحديات التي تواجه أمن وادي النيل، وفي مقدمتها قضية الأمن المائي، والتداعيات المترتبة على الإدارة الإثيوبية الأحادية للسد الإثيوبي ” سد النهضة “، فضلاً عن الارتباط الوثيق بين استقرار السودان وأمن مصر القومي، وما تشهده منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي من تحولات جيوسياسية متسارعة.

وتكتسب هذه الجولة أهميتها من طبيعة التمثيل السياسي والفني الذي تجمعه الآلية، بمشاركة وزيري الخارجية والري من البلدين، بما يتيح التعامل مع قضية المياه باعتبارها قضية سياسية واستراتيجية وقانونية، وليست مجرد ملف فني يتعلق بتشغيل منشأة مائية أو تحديد قواعد الملء والتصرف في المياه، كما تعكس إرادة سياسية مشتركة للانتقال من تنسيق المواقف إلى بناء آليات مستدامة لحماية المصالح والحقوق المائية للبلدين.

أولاً، وحدة الأمن المائي المصري السوداني

جاء التأكيد المشترك على أن الأمن المائي لمصر والسودان جسم واحد لا يتجزأ ليحمل دلالة سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية، فالنيل ليس مجرد نهر يجمع دولتين جغرافيتين، وإنما هو شريان حياة ومصدر رئيسي للاستقرار والتنمية في البلدين، وأي تغيير جوهري في قواعد إدارته أو التصرف في مياهه ينعكس بالضرورة على مصالحهما معاً.

ومن هنا، فإن إعادة تأكيد البلدين تمسكهما بحقوقهما واستخداماتهما المائية وفق اتفاقية 1959، ودعم دور الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل، يمثلان استعادة لأهمية الإطار المؤسسي والقانوني الذي ينظم التنسيق بين القاهرة والخرطوم، ويؤكد ضرورة أن تكون هناك رؤية موحدة في التعامل مع القضايا المائية في المحافل الإقليمية والدولية.

والأهم أن هذا التنسيق لا ينبغي أن يقتصر على مواجهة التحديات الراهنة، بل يتعين أن يمتد إلى تطوير مشروعات مشتركة لإدارة الموارد المائية، وتحديث نظم الري، والاستفادة من مياه الأمطار، وحماية المنشآت المائية، وتبادل الخبرات والتكنولوجيا، بما يحول وحدة المصير المائي إلى شراكة تنموية حقيقية تعود بالنفع على الشعبين.

ثانياً، سد النهضة.. جوهر الأزمة هو غياب القواعد الملزمة

يحمل الإعلان المشترك موقفاً واضحاً إزاء سد النهضة، حين يؤكد الرفض التام للتحركات الأحادية في حوض النيل الشرقي، ويشير إلى أن السد الإثيوبي، الذي أقيم بصورة أحادية، تترتب عليه آثار جسيمة ويمثل تهديداً مستمراً لدولتي المصب، في ظل استمرار الإدارة الإثيوبية المنفردة وغياب آلية قانونية ملزمة لحوكمة السد.

وهنا ينبغي التوقف أمام جوهر القضية، فالمشكلة لم تعد مقتصرة على بناء السد أو استكمال منشآته، وإنما تتعلق بمن يملك سلطة اتخاذ القرار بشأن إدارة مورد مائي دولي مشترك، وما القواعد التي تحكم تشغيل منشأة ذات تأثير مباشر على أمن دول المصب، وما الضمانات التي تحول دون استخدام المياه أداة للضغط السياسي أو فرض الأمر الواقع.

إن إقامة السد وتشغيله بصورة أحادية، دون اتفاق قانوني ملزم بين الدول الثلاث، تفتح الباب أمام مخاطر لا يمكن تجاهلها، سواء فيما يتعلق بإدارة فترات الجفاف الممتد، أو التصرف في المياه أثناء الفيضانات، أو ضمان التدفق المنتظم للمياه، أو تبادل المعلومات والبيانات الفنية، أو التعامل مع حالات الطوارئ والأعطال الفنية المحتملة.

ومن ثم، فإن المطالبة المصرية السودانية بآلية قانونية ملزمة ليست مطالبة تعجيزية، ولا تستهدف حرمان إثيوبيا من حقها في التنمية أو الاستفادة من مواردها، وإنما هي مطالبة بتطبيق القواعد المستقرة للقانون الدولي، وفي مقدمتها مبدأ عدم إحداث ضرر ذي شأن، والإخطار المسبق، والتشاور والتعاون، والتوصل إلى توافق بشأن القواعد التي تحكم إدارة المنشآت المائية المشتركة ذات التأثير العابر للحدود.

والواقع أن التنمية لا يمكن أن تكون مبرراً للإضرار بحقوق الآخرين، مثلما لا يجوز أن تتحول الحقوق التاريخية لدول المصب إلى ذريعة لرفض التنمية في دول المنبع، والمعادلة الصحيحة هي أن الحق في التنمية يجب أن يقترن بالمسؤولية والتعاون والالتزام بالقانون الدولي.

ثالثاً، أهمية تحديد الإطار الإقليمي الصحيح لقضية السد

من النقاط المهمة التي تضمنها الإعلان المشترك تأكيد مصر والسودان أن قضية السد الإثيوبي تخص دول حوض النيل الشرقي الثلاث، مصر والسودان وإثيوبيا، ورفض محاولة إثيوبيا إقحام بقية دول حوض النيل في هذه القضية.

وهذا التحديد له أهمية سياسية وقانونية، إذ إن وجود إطار أوسع للتعاون بين دول حوض النيل لا يعني أن تتحول القضايا الخاصة بنهر النيل الشرقي إلى ملف متعدد الأطراف بصورة تتجاهل طبيعة التأثير المباشر للسد على دولتي المصب، أو تسمح بتوسيع دائرة الخلاف بعيداً عن أطرافه الأساسية.

وفي الوقت نفسه، فإن القاهرة والخرطوم تؤكدان من خلال الإعلان أن موقفهما لا يقوم على رفض التعاون مع دول الحوض، بل على العكس، فقد رحبتا بالمشروعات التنموية في دول حوض النيل الجنوبي، شريطة استيفاء الدراسات والمعايير اللازمة، والإخطار والتشاور المسبق والتوافق وفقاً لقواعد القانون الدولي.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين التعاون المائي الشامل الذي يحقق المصالح المشتركة لجميع دول الحوض، وبين محاولة توظيف هذا الإطار لتجاوز حقوق دول المصب أو فرض ترتيبات أحادية عليها.

ومن هذا المنطلق، فإن تأكيد البلدين على محورية مبادرة حوض النيل، وضرورة استعادة شموليتها وتوافقها، يمثل توجهاً استراتيجياً مهماً، خاصة مع الترحيب باستكمال العملية التشاورية بشأن الاتفاق الإطاري التعاوني، بما يراعي شواغل الدول غير الأطراف، ويتيح الوصول إلى مفوضية شاملة تمثل جميع دول الحوض.

إن مصر تحتاج إلى توسيع مساحات التعاون مع دول حوض النيل، والاستثمار في مشروعات التنمية والبنية الأساسية والطاقة والري، بما يعزز المصالح المشتركة ويؤكد أن القاهرة ليست ضد تنمية دول الحوض، وإنما ضد فرض الأمر الواقع والانفراد بإدارة مورد مائي مشترك.

رابعاً، السودان.. العمق الاستراتيجي للأمن القومي المصري

لا يمكن قراءة الإعلان المشترك بمعزل عن الأوضاع الدقيقة التي يمر بها السودان، وما تمثله استعادة استقراره ووحدة مؤسساته الوطنية وسلامة أراضيه من أهمية مباشرة للأمن القومي المصري.

فالتأكيد المصري على الارتباط المباشر بين الأمن القومي للبلدين، ورفض إنشاء كيانات موازية أو المساس بوحدة السودان، واستعداد مصر لاتخاذ التدابير والإجراءات التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك، يعكس إدراكاً استراتيجياً لطبيعة العلاقة بين أمن البلدين.

كما أن دعم السودان لا يقتصر على المواقف السياسية، وإنما يمتد إلى مسارات عملية تتعلق بإعادة الإعمار واستعادة قدرات مؤسسات الدولة، وهو ما يظهر في التعاون بشأن صيانة المنشآت المائية، وتقييم الأضرار التي لحقت بخزان جبل أولياء، وتوفير الخبرات الفنية المصرية، فضلاً عن الاتفاق على مشروعات مشتركة لتأهيل البنية الأساسية المائية المتضررة، والحماية من الفيضانات، وحصاد مياه الأمطار، وإنشاء محطات مياه الشرب العاملة بالطاقة الشمسية، وتدريب الكوادر السودانية.

وهذه الخطوات تعكس مفهوماً متكاملاً للأمن القومي، لا يفصل بين الأمن العسكري والسياسي والأمن المائي والتنموي، فالسودان المستقر والقادر على استعادة مؤسساته يمثل ركيزة أساسية لاستقرار مصر والمنطقة، كما أن التعاون المصري السوداني في إدارة المياه يمثل ضمانة مهمة لحماية مصالح البلدين.

خامساً، البحر الأحمر والقرن الأفريقي.. امتداد جديد للتنسيق الاستراتيجي

ومن اللافت أن الإعلان لم يتوقف عند ملف مياه النيل، وإنما امتد إلى التأكيد على أن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، ورفض أي نفاذ بحري لدولة غير مشاطئة على حساب سيادة الدول المطلة على البحر الأحمر ووحدة أراضيها وموانيها.

وهذا الموقف يحمل دلالة استراتيجية مهمة في ظل التحولات الجارية في القرن الأفريقي، وتصاعد التنافس الدولي والإقليمي على الموانئ والممرات البحرية ومناطق النفوذ الاستراتيجي.

فالبحر الأحمر ليس مجرد ممر للملاحة الدولية، وإنما يمثل مجالاً حيوياً للأمن القومي المصري والسوداني والعربي، ويرتبط مباشرة بأمن قناة السويس والتجارة العالمية واستقرار منطقة القرن الأفريقي.

ومن ثم، فإن التنسيق المصري السوداني في هذا الملف يمكن أن يشكل أساساً لتعاون أوسع مع الدول المشاطئة للبحر الأحمر، يقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ومنع عسكرة المنطقة، ورفض تحويل الموانئ والمنافذ البحرية إلى أدوات لفرض النفوذ أو تغيير التوازنات الإقليمية.

سادساً، من التنسيق السياسي إلى استراتيجية تنفيذية لوادي النيل

إن القيمة الحقيقية للجولة الثالثة من آلية 2+2 ستتحدد بمدى القدرة على تحويل ما تضمنه الإعلان المشترك من مواقف وتفاهمات إلى خطوات عملية مستدامة.

وأرى أن المرحلة المقبلة تتطلب العمل على ثلاثة مسارات متوازية، أولها إنشاء إطار فني وقانوني مصري سوداني دائم، يتولى إعداد الدراسات وتبادل البيانات وتنسيق المواقف بشأن إدارة سد النهضة، ومخاطر الجفاف والفيضانات، وقواعد التشغيل الآمن، وآليات التعامل مع الطوارئ، وصولاً إلى بلورة تصور قانوني مشترك يمكن طرحه في المحافل الدولية.

وثانيها تطوير التعاون التنموي والمائي بين البلدين، من خلال مشروعات مشتركة في الري الحديث، وحماية المنشآت المائية، وتطوير الزراعة، والاستفادة من الموارد المائية غير التقليدية، وإعادة تأهيل البنية التحتية السودانية، بما يجعل التكامل المائي جزءاً من مشروع أوسع للتكامل الاقتصادي بين مصر والسودان.

وثالثها استعادة الدور المصري السوداني المشترك في صياغة مستقبل التعاون داخل حوض النيل، والعمل مع الدول الأفريقية الشقيقة لاستعادة التوافق حول مبادرة حوض النيل، وتقديم نموذج للتعاون الذي يجمع بين حقوق دول المنبع والمصب، ويحول النهر إلى مصدر للتنمية والاستقرار بدلاً من أن يصبح مجالاً للتنافس والصراع.

إن الرسالة الأساسية التي يحملها إعلان القاهرة هي أن مصر والسودان لا تقبلان إدارة ملف النيل بمنطق الأمر الواقع، وأن حقوق دول المصب لا يمكن أن تكون رهينة قرارات أحادية أو ترتيبات تفتقر إلى الضمانات القانونية الملزمة.

كما أن القاهرة تؤكد مجدداً أن موقفها لا يستهدف مواجهة إثيوبيا أو عرقلة حقها في التنمية، وإنما يستهدف إقامة علاقة مائية متوازنة تحترم القانون الدولي، وتضمن عدم الإضرار بمصالح الآخرين، وتؤسس لتعاون حقيقي ومستدام بين دول الحوض.

وفي المحصلة، فإن وحدة وادي النيل ليست مجرد حقيقة تاريخية أو جغرافية، وإنما هي ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المصالح المشتركة والتحديات التي تواجه البلدين، ومن هنا فإن آلية 2+2 ينبغي أن تتحول إلى منصة دائمة لتنسيق السياسات وبناء الشراكات، وأن يكون التعاون المصري السوداني نموذجاً للتكامل الذي يحمي الحقوق ويدعم التنمية ويحفظ استقرار الإقليم.

فالنيل يجب أن يظل جسراً للتعاون لا أداة للهيمنة، ومصدراً للحياة والتنمية لا مجالاً لفرض الأمر الواقع، ومصر التي تتمسك بالحوار والتعاون لا يمكن أن تتنازل عن حقوق شعبها أو تقبل المساس بأمنها المائي، تماماً كما أن استقرار السودان وأمنه ووحدته يمثل امتداداً أصيلاً للأمن القومي المصري.

 

طالع أيضا :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب: رسائل مصرية واضحة من منتدى المنامة.. نحو منظومة إقليمية للأمن والتعاون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى