اخبار افريقيا

الدكتور عبد الناصر سلم حامد يكتب : السودان.. جذور الجوع

كانت سلمى تعيش في الفاشر، وسط جيران يتقاسمون الطعام. وحين نشر برنامج الأغذية العالمي شهادتها في أبريل 2026، كانت أسرتها المكوّنة من عشرة أفراد تعتمد على المساعدة الغذائية, قالت إن رصاصة طائشة أصابت زوجها في رأسه، فلم يعد قادرًا على العمل. وصلت الأسرة إلى الخرطوم بحثًا عن الأمان، لكنها وجدت نفسها أمام سؤال يومي: كيف تؤمّن طعامها بعدما فقدت مصدر دخلها؟ .

تشرح قصة سلمى جانبًا مهمًا من أزمة الجوع في السودان, فالأسرة قد تنجو من القتال، ثم تجد نفسها عاجزة عن دفع ثمن الغذاء والدواء والسكن. وما كانت تحصل عليه من عملها أو أرضها، تصبح مضطرة إلى انتظاره من الآخرين.

منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تضررت الطرق التي يصل بها الغذاء إلى الناس , يحتاج المزارع إلى أرض يستطيع الوصول إليها، وبذور ووقود وتمويل, وبعد الحصاد، يحتاج إلى نقل وتخزين وسوق يبيع فيها محصوله. وتحتاج الأسرة، في نهاية هذه الرحلة، إلى مال تشتري به , وعندما تتعطل أكثر من حلقة، ترتفع الكلفة ويصعب الحصول على الطعام، حتى لو ظل موجودًا في بعض الأسواق.

وتختلف الصورة من منطقة إلى أخرى , فدارفور، في غرب البلاد، تضم الفاشر وطويلة التي استقبلت أعدادًا كبيرة من النازحين,  وإلى الشرق منها تمتد كردفان، ومنها كادوقلي في جنوب كردفان , وفي الوسط تقع الخرطوم والجزيرة، بينما تضم مناطق الشرق والجنوب الشرقي ولايات زراعية مهمة، مثل القضارف وسنار.

لهذا يمكن أن نقرأ خبرًا عن عودة أسر إلى بيوتها، وخبرًا آخر عن نزوح أسر جديدة، ويكون الخبران صحيحين. وقد تتحسن حركة التجارة في مكان بينما تتعطل في آخر. ومن الصعب فهم الأزمة إذا جرى التعامل مع السودان كله باعتباره يعيش الظروف نفسها.

وفي مناطق استقبال النازحين، تتسع الاحتياجات بسرعة , فالوافدون يحتاجون إلى الطعام والماء والعلاج والسكن، والمجتمعات التي تستقبلهم لديها احتياجاتها أيضًا , يساعد تقاسم الموارد على تجاوز الأيام الأولى، لكن الضائقة تزداد حين يطول النزوح وتنفد المدخرات ولا يجد الناس عملًا.

وتظهر آثار الحرب في الزراعة, فبحسب موجز منظمة الأغذية والزراعة المؤرخ في 24 سبتمبر 2026، واستنادًا إلى تقييم المحاصيل والإمدادات الغذائية بقيادة الحكومة، قُدّر إنتاج الحبوب لعام 2025 بنحو 5.2 مليون طن، بانخفاض 22% عن إنتاج 2024, وربط الموجز هذا التراجع باضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية.

وللزراعة مواعيد لا تنتظر, فإذا تأخرت البذور أو تعذر توفير الوقود والتمويل، قد تفوت فرصة الموسم , وإذا تعطل الحصاد أو النقل، قد يضيع جزء من المحصول , ويخسر المزارع دخلًا كان يعوّل عليه، بينما تصل إلى السوق كميات أقل.

أما الأسعار، فقد ارتفعت بدرجة كبيرة , وأفادت منظمة الأغذية والزراعة بأن أسعار الحبوب الخشنة في الأسواق المرصودة خلال سبتمبر 2026 بلغت، في المتوسط، نحو أحد عشر مثلًا لمستويات مارس 2023, وتقيس هذه المقارنة تغير الأسعار، بينما يتوقف أثرها على الأسرة على دخلها واحتياجاتها.

وأرى أن وجود الطعام في السوق لا يكفي للحكم على تحسن الأوضاع. السؤال الأهم هو: كم أسرة تستطيع شراءه بانتظام؟ فقد تكون السلع معروضة، لكن الأسرة التي فقدت دخلها لا تستطيع تحمل ثمنها.

عندئذ تبدأ الخيارات في الضيق. تقل الوجبات، وتتراكم الديون، وقد تُباع ماشية أو أدوات عمل لشراء الطعام. وفي تقديري، هنا تكمن إحدى أخطر حلقات الأزمة: تضطر الأسرة إلى التخلي عن وسيلة رزقها لتجاوز ضائقة عاجلة، فتضعف قدرتها على إعالة نفسها لاحقًا. لذلك يجب أن يصاحب توفير الغذاء دعمٌ يحمي ما تبقى للناس من مصادر دخل.

وتساعد التقارير على معرفة حجم الأزمة، بشرط الانتباه إلى معنى أرقامها. فقد قدّر تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، المنشور في 14 مايو 2026، أن نحو 19.5 مليون شخص، أي قرابة 41% من السكان، واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال فبراير–مايو. ويشمل هذا الرقم مستويات «الأزمة» و«الطوارئ» و«الكارثة»، ولا يعني أن جميع هؤلاء كانوا يعيشون في مناطق مصنفة رسميًا في المجاعة.

وللمجاعة تعريف محدد. فهي تُصنَّف على مستوى منطقة وفترة معينتين، بناءً على الحرمان الغذائي وسوء التغذية والوفيات.

تبلغ العتبة الغذائية حين تواجه 20% على الأقل من الأسر نقصًا بالغًا في الغذاء وانهيارًا شبه كامل لسبل العيش. وتبلغ عتبة سوء التغذية حين يتأثر 30% على الأقل من الأطفال دون الخامسة، وفق قياس الوزن بالنسبة إلى الطول، مع احتساب الوذمة التغذوية الثنائية وفق المعايير الفنية. ويمكن استخدام محيط منتصف العضد ضمن ضوابط خاصة عند غياب بيانات الوزن بالنسبة إلى الطول.

أما معيار الوفيات، فيتحقق عندما يتجاوز المعدل وفاتين غير ناجمتين عن الإصابات لكل عشرة آلاف شخص يوميًا، أو أربع وفيات لكل عشرة آلاف طفل دون الخامسة يوميًا. وتراجع لجنة مستقلة الأدلة لتقييم مدى استيفاء شروط التصنيف.

والفرق أن «الكارثة» وصف لحالة الأسرة، بينما «المجاعة» تصنيف للمنطقة. أما «خطر المجاعة»، فيعني احتمال وقوعها إذا ساءت الظروف. وفي كل الأحوال، لا ينبغي انتظار بلوغ هذه العتبات قبل مساعدة الناس.

وقد وثّقت التقارير المجاعة في مناطق سودانية خلال 2024 و2025. ولم يصنّف تحليل مايو 2026 مناطق في حالة مجاعة خلال فترة تقييمه، وفق الأدلة المتاحة، مع استمرار الجوع الشديد والخطر. ثم صدر في 12 أكتوبر تحذير جديد من تدهور الأوضاع وتصاعد خطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان.

ويحتاج تغير التصنيف إلى فهم ما تغيّر على الأرض. فقد تصل إمدادات، أو ينتقل السكان، أو تتوافر معلومات جديدة. كما أن التوقعات اللاحقة شملت نطاقًا أضيق من تحليل فبراير–مايو بسبب نقص البيانات. لذلك لا تكفي مقارنة رقمين أو عنوانين للحكم على تحسن الأزمة أو تفاقمها.

ويبقى الأطفال من أشد المتضررين. فقد قُدّر أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد الوخيم خلال 2026. وهذا تقدير للحالات المتوقعة طوال العام، وليس عدد وفيات. وأوضحت اليونيسف أن انخفاض حالات الإدخال للعلاج في النصف الأول من العام، مقارنة بالفترة نفسها من 2025، ارتبط بدرجة كبيرة بقيود الوصول وتعطل الخدمات ومحدودية الإبلاغ. فقد يقل عدد الأطفال المسجلين لأن الوصول إلى العلاج أصبح أصعب، لا لأن حاجتهم إليه زالت.

لهذا يحتاج التعامل مع الجوع إلى الغذاء والماء الآمن والرعاية الصحية معًا. وتساعد التكايا والمطابخ المجتمعية والمتطوعون على توفير الوجبات، إلى جانب المنظمات الإنسانية، لكن استمرار هذا العمل يحتاج إلى تمويل وإمدادات منتظمة.

وذكر برنامج الأغذية العالمي أن نقص التمويل يفرض استبعاد نحو 800 ألف شخص، بينهم لاجئون، من مساعداته الغذائية الطارئة خلال أكتوبر–ديسمبر 2026. ويحصل معظم الأسر المستفيدة على حصص تغطي نصف احتياجاتها الغذائية الدنيا. وهذه أرقام تخص مساعدات البرنامج، وليست حصيلة جميع المساعدات في السودان.

وفي كسلا، تقدم المزارعة نجود مصطفى مثالًا على مساعدة تتيح للناس العودة إلى الإنتاج. ففي بيان نشره البرنامج في ديسمبر 2025 عن مشروع «ثبات»، قالت إن توفير البذور والدعم أتاح لها الزراعة في ذلك الموسم. وكان المشروع، الذي يديره البنك الدولي وينفذه البرنامج مع شركائه، قد دعم نحو 16 ألف مزارع بالبذور والأسمدة خلال الموسم الصيفي. وهذه شهادة نشرها منفّذ المشروع، ويحتاج تقييم أثره المستمر إلى متابعة المحصول والدخل في المواسم التالية.

وتوضح التجربة أهمية اختيار الدعم بحسب الحاجة. فحيث تعمل الأسواق ويتوافر الغذاء، يمكن تقييم الدعم النقدي لمساعدة الأسر على الشراء. وحيث تنقطع الإمدادات، تصبح أولوية إدخال الغذاء واستعادة حركة السلع. ويحتاج المزارع إلى ما يمكّنه من الإنتاج، بينما تحتاج الأسرة التي لا يستطيع أفرادها العمل إلى مساعدة مستمرة.

وتستحق المؤسسات الإنسانية والجهات المانحة المساءلة عن دقة بياناتها وكفاية تمويلها ووصول مساعداتها. أما اتهامات اختلاق المجاعة أو تضخيمها عمدًا، فتحتاج إلى أدلة مستقلة. وتفيد المساءلة حين تصحح المعلومات وتحسن ما يصل إلى المحتاجين.

ويظهر التحسن الحقيقي في تفاصيل الحياة: وجبات منتظمة، وطفل يصل إلى العلاج، وأسرة تعود إلى الكسب بدل الاستدانة وبيع ما تملك. بالنسبة إلى نجود، يعني ذلك زراعة موسم جديد. وبالنسبة إلى سلمى وأسرتها، يعني الأمان والرعاية ومصدر رزق يسمح بالتفكير فيما بعد الوجبة التالية .

طالع المزيد :

السودان يطالب الأمم المتحدة باتخاذ تدابير قانونية إزاء حرمان ” البرهان ” من المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى