من الشراكة السياسية العربية داخل إسرائيل إلى أفق الفيدرالية الفلسطينية–الإسرائيلية .. هل يمكن الانتقال من إدارة الصراع إلى بناء نظام للتعايش؟
قراءة استراتيجية في احتمالات التحول السياسي بعد الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر 2026
بقلم السفير دكتور محمد حجازي
السؤال الذي أطرحه يتجاوز بكثير مسألة تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، ويفتح باباً للتفكير في صيغة سياسية ودستورية جديدة قد تعيد تعريف العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ليس فقط على أساس إنهاء الاحتلال أو تقاسم الأرض، وإنما من خلال الانتقال التدريجي من الصراع على السيادة والهوية إلى بناء إطار مؤسسي يضمن الحقوق الوطنية والسياسية للطرفين.
والتطور الذي يستحق التوقف أمامه هو أن الأحزاب العربية داخل إسرائيل أصبحت، بعد انتخابات 27 أكتوبر 2026، رقماً سياسياً لا يمكن تجاهله في حسابات تشكيل الحكومة، إذ حصلت على 19 مقعداً في الكنيست، بواقع 11 مقعداً للقائمة المشتركة و8 مقاعد لحزب القائمة العربية الموحدة، في وقت لم يتمكن فيه أي من المعسكرين السياسيين من تأمين أغلبية الستين زائد واحد اللازمة لتشكيل الحكومة.
لكن ينبغي التمييز بين أمرين؛ الأول هو الاعتراف بالأحزاب العربية باعتبارها شريكاً سياسياً مشروعاً في إدارة الحكومة الإسرائيلية، والثاني هو الانتقال إلى الاعتراف بالفلسطينيين، باعتبارهم شعباً له حقوق وطنية وتاريخية وجغرافية مستقلة، بما في ذلك حقه في تقرير المصير.
الأول يمكن أن يبدأ من مفاوضات الائتلاف الحكومي الحالية، أما الثاني فيحتاج إلى تحول دستوري واستراتيجي أعمق بكثير.
أولاً: هل تمثل المشاركة العربية بداية تحول في مفهوم المواطنة السياسية داخل إسرائيل؟
من الناحية السياسية، تطرح نتائج الانتخابات معادلة جديدة؛ فالأحزاب العربية لم تعد مجرد قوى برلمانية تمثل أقلية سكانية، وإنما أصبحت قادرة على التأثير في تشكيل السلطة التنفيذية، سواء بالمشاركة المباشرة في الائتلاف أو بدعم حكومة من خارجه.
وقد سبق أن شاركت القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس في حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد عام 2021، وهو ما أوجد سابقة سياسية مهمة، وإن كانت المشاركة الحالية تطرح تحديات أكبر في ظل استمرار الخلافات بشأن غزة والضفة الغربية والاستيطان ومستقبل القضية الفلسطينية.
وتكمن أهمية اللحظة الراهنة في أنها تضع الأحزاب الإسرائيلية أمام سؤال جوهري: هل يمكن أن تكون المواطنة العربية مقبولة عند صندوق الاقتراع، ولكنها غير مقبولة عند تشكيل الحكومة؟
إن تجاوز هذه المفارقة، إذا حدث، يمكن أن يفتح المجال لتطور تدريجي في مفهوم الشراكة السياسية والمساواة في الحقوق والواجبات، لكنه لا يعني تلقائياً قبول المجتمع الإسرائيلي بحقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة أو بحقهم في إقامة كيان سياسي مستقل.
وهنا تبدأ أهمية التصور الذي أطرحه.
ثانياً: من نموذج الدولتين إلى نموذج الفيدرالية أو الاتحاد السياسي المشترك
التصور الذي يمكن تطويره هنا هو البحث عن صيغة ثالثة لا تلغي حل الدولتين، ولا تفرض نموذج الدولة الواحدة، وإنما تنطلق من وجود شعبين وهويتين وكيانين سياسيين يتمتعان بالاستقلال الداخلي، مع إقامة إطار مشترك لإدارة المصالح المتداخلة.
ويمكن أن يقوم هذا التصور على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: الكيان الفلسطيني المستقل.
تكون الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة سياسية وجغرافية ودستورية واحدة، لها حكومة وبرلمان ومؤسسات قضائية وأمنية مستقلة، وتجرى فيها انتخابات فلسطينية عامة، بحيث يصوت الفلسطينيون في الضفة والقطاع ضمن دائرة سياسية وطنية واحدة، بعيداً عن التجزئة الجغرافية والسياسية الراهنة.
ويكون للفلسطينيين حق إدارة شؤونهم الداخلية، والحفاظ على هويتهم الوطنية وثقافتهم ولغتهم ومؤسساتهم، وتكون القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية وفق التسوية المتفق عليها.
المستوى الثاني: الاتحاد الفيدرالي أو الكونفدرالي المشترك.
يمكن التفكير في مجلس اتحادي مشترك يضم ممثلين منتخبين عن الكيان الفلسطيني وإسرائيل، يتولى إدارة الملفات التي تتطلب تعاوناً متبادلاً، مثل المياه والطاقة والبيئة والمواصلات والتجارة والبنية الأساسية والأمن الاقتصادي والتنسيق الحدودي.
وتكون هناك مؤسسات مشتركة محددة الاختصاصات، مع الاحتفاظ باستقلال كل طرف في الشؤون الداخلية، وضمان عدم هيمنة الأغلبية السكانية لأحد الطرفين على حقوق الطرف الآخر.
وهنا يمكن الاستفادة من تجربة دول البنلوكس، بلجيكا وهولندا ولوكسمبورج، ليس باعتبارها نموذجاً فيدرالياً مطابقاً، وإنما باعتبارها تجربة في التعاون المؤسسي والاقتصادي بين دول تحتفظ كل منها بسيادتها وهويتها الوطنية، وتدير مصالحها المشتركة من خلال آليات تنسيق واتفاقات ملزمة.
المستوى الثالث: المجال السياسي والاقتصادي المشترك.
يمكن أن يتطور هذا الإطار مع مرور الوقت إلى فضاء اقتصادي وسياسي إقليمي، يسمح بحرية أكبر لحركة التجارة والاستثمار والأفراد، ويؤسس لشبكة من المصالح المشتركة، مع ضمان الحقوق السياسية والقانونية لكل شعب داخل كيانه الوطني.
وبهذا المعنى، لا تكون الفيدرالية وسيلة لابتلاع الهوية الفلسطينية أو تحويل الفلسطينيين إلى أقلية داخل دولة إسرائيلية موحدة، وإنما إطاراً للتعاون بين كيانين متساويين، يحتفظ كل منهما بشخصيته الوطنية والسياسية.
ثالثاً: هل يمكن أن يتحول هذا التصور إلى مسار تدريجي للتعايش؟
أتصور أن من الممكن مناقشة هذا المسار باعتباره عملية انتقالية طويلة الأمد، وليس مشروعاً دستورياً يطرح دفعة واحدة.
فالمرحلة الأولى تبدأ بإقرار مبدأ الشراكة السياسية والمساواة المدنية داخل إسرائيل، وفتح المجال أمام مشاركة الأحزاب العربية في إدارة الحكومة والبرلمان، مع الالتزام بمبادئ المساواة وعدم التمييز.
والمرحلة الثانية تتطلب تسوية سياسية تعترف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وتؤدي إلى إنهاء الاحتلال، وتوحيد الضفة الغربية وقطاع غزة في إطار سياسي فلسطيني واحد، مع ضمان السيادة والاستقلال والقدرة على إدارة المؤسسات الوطنية.
أما المرحلة الثالثة فتتمثل في إقامة مؤسسات تعاون فلسطينية–إسرائيلية مشتركة، تبدأ بالاقتصاد والمياه والطاقة والمواصلات، ثم تتطور تدريجياً إلى آليات تنسيق سياسي وأمني واقتصادي أكثر شمولاً.
وفي المرحلة الرابعة، وبعد سنوات من بناء الثقة والتعايش وتراكم المصالح المشتركة، يمكن أن يطرح الطرفان، بإرادة حرة ومتساوية، مستقبل العلاقة بينهما؛ هل يستمران في إطار دولتين متعاونتين، أم ينتقلان إلى كونفدرالية أكثر تكاملاً، أم يختاران صيغة اتحادية أوسع.
على أن أي استفتاء مستقبلي لا يجوز أن يكون وسيلة لإلغاء الحقوق الوطنية الفلسطينية أو إخضاع تقرير المصير الفلسطيني للأغلبية الإسرائيلية، وإنما يجب أن يستند إلى موافقة مستقلة وحرة لكل من الشعبين، وفق قواعد دستورية متفق عليها.
رابعاً: ما العقبات الاستراتيجية أمام هذا التصور؟
رغم جاذبية هذا الطرح من الناحية النظرية، فإن هناك عقبات جوهرية ينبغي عدم التقليل منها.
أولها أن الأحزاب العربية التي حصلت على المقاعد التسعة عشر تمثل المواطنين العرب داخل إسرائيل، وليس الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتالي فإن انتقالها من المشاركة في الحكومة الإسرائيلية إلى تمثيل مشروع سياسي فلسطيني أوسع ليس أمراً تلقائياً.
وثانيها أن هناك انقساماً داخل المعسكر الإسرائيلي المعارض نفسه بشأن التعاون مع الأحزاب العربية؛ فقد أبدى بعض قادته انفتاحاً على التعاون، بينما رفض أفيجدور ليبرمان صيغاً تعتمد على المشاركة العربية، كما أن غادي آيزنكوت لم يحسم قبول جميع الأحزاب العربية كشركاء في الحكومة.
وثالثها أن استمرار الاحتلال والاستيطان، وعدم حسم قضايا القدس والحدود واللاجئين والمياه والأمن، يجعل الحديث عن اتحاد سياسي سابقاً لأوانه ما لم تسبقه تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.
ورابعها أن هناك تحدياً دستورياً يتعلق بطبيعة الدولة الإسرائيلية وهويتها، مقابل تمسك الفلسطينيين بحقهم في تقرير المصير والاعتراف بهويتهم الوطنية المستقلة. وهذه ليست خلافات إجرائية يمكن تجاوزها بمجرد تشكيل ائتلاف حكومي.
وهناك أيضاً سؤال الأمن والضمانات الدولية؛ إذ لا يمكن بناء اتحاد مستقر إذا ظل أحد الطرفين يمتلك سلطة أمنية وعسكرية مطلقة على الطرف الآخر، أو إذا بقيت الحدود والموارد والحركة خاضعة لقرارات أحادية.
خامساً: ما الذي يمكن أن تقدمه مصر والمجتمع الدولي لهذا المسار؟
هنا تبرز أهمية الدور المصري، ليس باعتباره مجرد وسيط في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وإنما باعتباره طرفاً إقليمياً معنياً بإعادة بناء الإطار السياسي للقضية الفلسطينية.
يمكن لمصر أن تطرح في إطار اتصالاتها الدولية والإقليمية فكرة دراسة نماذج الانتقال من الصراع إلى التعاون المؤسسي، مع الاستفادة من التجارب الأوروبية، وخاصة البنلوكس والاتحاد الأوروبي، دون نقلها بصورة حرفية إلى واقع الشرق الأوسط.
كما يمكن أن يكون هناك مسار للحوار يضم ممثلين عن القوى الفلسطينية والإسرائيلية، بما فيها الأحزاب العربية والإسرائيلية المؤمنة بالتسوية، إلى جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة، لدراسة الضمانات السياسية والدستورية والاقتصادية اللازمة.
ويجب أن يظل الأساس هو الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها تقرير المصير والاستقلال، وألا تتحول فكرة التعاون المشترك إلى بديل عن إنهاء الاحتلال.
سادساً: السؤال الاستراتيجي الأعمق: هل يمكن أن تتحول الجغرافيا المتنازع عليها إلى جغرافيا للمصالح المشتركة؟
أعتقد أن القيمة الفكرية في تصوري المقترح تكمن في الانتقال من السؤال التقليدي: كيف يتقاسم الفلسطينيون والإسرائيليون الأرض؟ إلى سؤال أكثر اتساعاً: كيف يمكن لشعبين يعيشان في فضاء جغرافي متداخل أن يحتفظ كل منهما بهويته واستقلاله، وفي الوقت نفسه يبنيا نظاماً مشتركاً لإدارة المصالح والمستقبل؟
وهذا يفتح المجال أمام التفكير في نموذج لا يقوم على إلغاء أحد الطرفين أو إخضاعه للآخر، وإنما على الاعتراف المتبادل والمساواة في الحقوق والالتزامات.
ويمكن تسمية هذا التصور مبدئياً «نموذج الاتحاد التعاوني الفلسطيني–الإسرائيلي»، وهو أقرب في بدايته إلى كونفدرالية بين دولتين مستقلتين، وليس فيدرالية تذوب فيها السيادتان في دولة واحدة.
ولعل أهم ما ينبغي التأكيد عليه أن المشاركة العربية في حكومة إسرائيل، إذا تحققت، لا تمثل بذاتها بداية هذا التحول، لكنها قد تكون مناسبة لإعادة فتح النقاش حول شرعية الشراكة السياسية العربية، وإمكانية توسيعها مستقبلاً إلى اعتراف متبادل بالحقوق الوطنية الفلسطينية.
الخلاصة :
إننا أمام سؤال يستحق أن يطرح على مستوى مراكز الفكر والدبلوماسية الدولية: هل يمكن أن تكون نهاية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بداية لنظام إقليمي جديد، تتعايش فيه دولتان مستقلتان، تجمعهما مؤسسات مشتركة ومصالح اقتصادية وأمنية، بدلاً من استمرار الصراع على السيادة والجغرافيا؟
إن الانتقال من دولتين متجاورتين إلى دولتين متعاونتين، ثم إلى اتحاد اختياري أوسع، قد يمثل مساراً يستحق الدراسة، بشرط ألا يكون على حساب استقلال فلسطين أو هويتها أو حقوق شعبها.
فالتعايش لا يبدأ بإلغاء الاختلاف، وإنما بالاعتراف به وتنظيمه دستورياً وسياسياً، والاتحاد الحقيقي لا يتحقق بفرض وحدة جغرافية أو سكانية، وإنما بإرادة حرة ومتساوية لشعبين يختاران مستقبلهما.
وهنا ربما يكون السؤال الأهم: هل يستطيع الشرق الأوسط أن يستلهم تجربة التكامل الأوروبي، فينتقل من منطق الحدود والصراعات التاريخية إلى منطق الدول المستقلة المتعاونة، وتصبح فلسطين وإسرائيل جزءاً من فضاء إقليمي جديد، دون أن يفقد الفلسطينيون دولتهم أو هويتهم الوطنية؟
هذا سؤال استراتيجي يستحق أن يكون موضوعاً لحوار دولي جاد، بعيداً عن الحلول المفروضة والشعارات السياسية، وبمنظور يمتد إلى الأجيال القادمة.
طالع المزيد :
