بروفيسور حسن بشير محمد نور يكتب : مؤتمر برلين والارتقاء لمستوى الكارثة السودانية

هل ارتقى مؤتمر برلين لمستوى الكارثة السودانية .. يمكن القول إن لمؤتمر برلين حول السودان أهميته الرمزية في إبقاء الأزمة السودانية ضمن دائرة الاهتمام الدولي، لكنه في رأي لم ينجح في إحداث اختراق سياسي أو إنساني نوعي، لأن معظم مخرجاته أعادت التأكيد على المبادئ العامة نفسها التي تم التأكيد عليها سابقا، دون الانتقال إلى آليات تنفيذ جديدة أو معالجة الثغرات الأساسية في إدارة الأزمة. من ضمن تلك الجوانب يمكن الاشارة للاتي:
أولاً: من الجوانب الضرورية التي لم تعالج بصورة كافية في مؤتمر برلين :
– غياب آلية ملزمة لوقف إطلاق النار الإنساني :
تحدث المؤتمر عن حماية المدنيين، لكنه لم يقدم جدولاً زمنياً واضحاً لوقف إطلاق نار إنساني كما لم يقترح آلية مراقبة ميدانية مستقلة لاي وقف محتمل لاطلاق النار.
– لم يتم التطرق لنظام مساءلة للطرف الذي يعرقل المساعدات الانسانية ولا أي التزامات دولية أو إقليمية ملزمة لطرفي الحرب.
في نفس الوقت كان المطلوب إنشاء آلية دولية مشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيغاد مثلا، لمراقبة هدنة إنسانية محددة لفترة زمنية معينة.
ثانيا: لم يتم التركيز الكافي على الممرات الإنسانية، كما ان هناك احتياجات أنسانية أساسية لم تناقش بعمق في المؤتمر منها :
– فتح ممرات آمنة إلى دارفور وكردفان التي تشهد الأوضاع الانسانية الأكثر سوءا مع ضرورة الإشارة لحماية قوافل الاغاثة الغذائية وإعادة فتح الجسور الجوية للاغاثة.
– تحديد آلية حماية للعاملين الإنسانيين ومنع استخدام الجوع كسلاح حرب
وهذه من أهم الاحتياجات العاجلة، نسبة لوجود ملايين السودانيين خارج نطاق الوصول الإنساني المنتظم في تلك المناطق الشاسعة.
ثالثا: كعادة المؤتمرات حول السودان. تم تجاهل الأزمة الاقتصادية العميقة الموازية للحرب، فقد ركز المؤتمر على الإغاثة، لكنه لم يناقش عدد من القضايا المهمة مثل ، انهيار النظام المصرفي وتدهور سعر الصرف للجنيه السوداني، وبالتالي انهيار الدخول وتدني المستوى المعيشي للسكان، مما يزيد بشكل كبير الاحتياجيات الاتسانية الملحة واعداد المحتاجين للأعانة.
إضافة لتوقف الإنتاج الزراعي بشكل كبير، وهو القطاع الأساسي للأمن الغذائي ولتلبية حاجات معيشية اساسية لغالبية السودانيين، إضافة للتدهور المريع للأسواق المحلية.
– كان من الضروري طرح برنامج إنعاش اقتصادي طارئ يشمل :
دعم القوة الشرائية وتمويل الغذاء، دعم الزراعة وايحاد صيغة ما لاستقرار سعر الصرف، ليس من اجل اطراف الحرب وانما من أجل ضمان إستمرارية الحياة الطبيعة والقدرة علي الانتاج خاصة في القطاع الزراعي.
كما يمكن ايجاد صيغة لتمويل الخدمات الأساسية في الصحة والتعلبم.
– كما تلاحظ أيضا ضعف التركيز على حماية النساء والأطفال من ناحية اجراءات عملية ملزمة.
مع ملاحظة الإشارات المتكررة لعديد من المنظمات لحماية النساء ومكافحة العنف الجنسي وحماية الأطفال المجندين، وضرورة دعم التعليم في مناطق النزوح وهذه الجوانب جميعها لم تحظَى بالأولوية المطلوبة.
ملاحظة مهمة أخرى هي أن بعض الأطراف التي حضرت محدودة التأثير، اذ شارك عدد من الأطراف التي كان حضورها رمزياً أكثر من كونه مؤثراً، مثل بعض الدول الأوروبية الصغيرة غير المنخرطة مباشرة في الملف السوداني، وبعض المنظمات الإقليمية ذات الدور البروتوكولي، اضافة لجهات سياسية سودانية ضعيفة التأثير الداخلي، أو أنها منعدمة التأثير كليا. كما شارك ممثلون دبلوماسيون دون قدرة على الضغط على أطراف الحرب او لا توجد لدولهم رغبة في ذلك.
لكن نشير هنا أن اهمية المؤتمر لا تكمن في أهمية تلك الاطراف، ولا حتى المانيا نفسها، بل الأهم هو التزام الاتحاد الاوربي كتكتل بالانخراط بفاعلية في الازمة السودانية.
مع ذلك فإن عدم وجود الرباعية التي تتصدرها الولايات المتحدة الامريكية، يثير جملة من التساؤلات، منها: هل إذا تمت تسوية حسب مبادرة الرباعية، هل سيكون للاتحاد الأوروبي دور فعال في ترتيباتها وتفاصبلها؟ خاصة مع تصاعد الخلاف بين ضفتي الأطلسي بين أمريكا والاتحاد الأوروبي. ربما سيكون لبريطانيا دور أكبر بحكم ارتباطها الأكبر بالشأن السوداني، أما كيف ستتعامل إدارة ترامب مع هذا الوضع، خاصة من خلال مبادرة الرباعية، فهذا ما ستكشفه تتطورات الأمور.
المشكلة التي يحب التنبيه لها هنا هي أن الحضور الواسع، ليس دائماً مرادفاً بالضرورة للفاعلية السياسية.. في نفس الوقت الذي غابت أو لم تفعّل بما يكفي، أطراف أكثر تأثيراً مثل بعض القوى الإقليمية الداعمة للأطراف المتحاربة والقوى القادرة على الضغط المالي والسياسي الحقيقي، اضافة للمؤسسات القادرة على فرض رقابة على تدفق السلاح لأطراف الحرب.
اذن ما الذي كان يحتاجه مؤتمر برلين لتحقيق اختراق حقيقي؟
في رأي كان يمكن للمؤتمر أن يحقق نتائج أكبر اذا تضمن:
– إنشاء مجموعة اتصال مصغرة بدلاً عن المؤتمر الموسع ، مثل تشكيل مجموعة محدودة تضم الدولة المضيفة والاتحاد الأوروبي بشكل اعتباري، الولايات المتحدة ودول الرباعية الأخرى، الاتحاد الأفريقي، الأمم المتحدة مع وضع صلاحيات مباشرة للضغط على الأطراف المتحاربة.
– الحانب المهم الآخر هو ربط التمويل بشروط سياسية مثل وقف القصف على المدنيين، فتح المعابر، حماية المستشفيات والمدارس ومناطق الأسواق والتجمعات وإطلاق سراح المعتقلين، كما يمكن ربط كل ذلك ببداية التفاوض المباشر لايقاف الحرب.
– انشاء آلية رقابة على تدفق السلاح، وهذا أحد أكبر أوجه القصور في المؤتمر، أذ طُرح موضوع السلاح سياسياً لكن دون آلية تنفيذ واضحة.
– إشراك المجتمع المدني الحقيقي بدلاً من الاقتصار على بعض النخب السياسية الخارجية وبعض الشخصيات غير المؤثرة، إذ كان من الممكن إشراك غرف الطوارئ، لجان المقاومة، الإدارات الأهلية المحلية التي هي الآن اكثر حضوراً على الأرض، في غياب الاحزاب السياسية او عدم وجودها بالشكل الملموس.
فيما يتعلق بالدعم المالي، من أبرز الأرقام التي أُعلنت حتى الآن تعهد ألمانيا بـ: 212 مليون يورو كمساعدات إنسانية إضافية للسودان. وقد تعهد الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء بـ 811.8 مليون يورو لدعم الاستجابة الإنسانية داخل السودان والدول المجاورة، وأعلنت بريطانيا مضاعفة دعمها ليصل إلى 15 مليون جنيه إسترليني لدعم شبكات الاستجابة المحلية، وهذه رغم أهميتها تعتبر أقل من تلبية المبالغ المستهدفة التي تبلغ حوالي 6 مليار دولار حسب الأمم المتحدة، والتي لم يحقق منها إلا نسبة محدودة جدا.
أما الجهات التي ستتلقى هذه الأموال فغالباً أن تمر عبر وكالات الأمم المتحدة مثل برنامج الغذاء العالمي World Foo Programme واليونسيف UNICEF ومفوضية اللاجئين UNHCR و OCHA، إضافة لمنظمات دولية غير حكومية مثل الصليب الاحمر
International Committee of the Red Cross
هناك أيضا شبكات محلية من المتوقع أن يذهب جزء محدود من الدعم إليها، مثل غرف الطوارئ المحلية، منظمات سودانية إنسانية، برامج الغذاء والصحة الطارئة، لكن كثيراً من المراقبين يرون أن جزءاً كبيراً من التمويل يظل أسيرا للبيروقراطية الدولية،، ولن يتم تخصيصه،، خاصة مع الامتناع عن التمويل المباشر لطرفي الحرب، مما يبطئ وصول تلك الاموال للمحتاجين.
لكن المشكلة الحقيقية ليست فقط في حجم الأموال، بل في بطء الصرف وضعف الوصول إليها، وغياب الأمن وتسييس الإغاثة، اضافة لتعدد الوسطاء وغياب المساءلة، لذلك فإن الأزمة السودانية لم تعد أزمة تمويل فقط، بل أزمة إدارة سياسية للكارثة الإنسانية.
في المحصلة كان مؤتمر برلين يحتاج ربما إلى ثلاثة عناصر مفقودة لكي يحدث اختراقا حقيقياً هي:
أولاً: آلية لوقف اطلاق نار إنساني ملزمة، وهذا كان غير ممكن مع غياب الرباعية.
ثانياً: ربط التمويل بمسار سياسي واضح ( ايضا مرتبط بمبادرة الرباعية،)
ثالثاً: نقل جزء من القرار والتمويل إلى الفاعلين السودانيين المحليين في الداخل.
من دون ذلك، يبقى مؤتمر برلين خطوة دبلوماسية مهمة، لكنه لا يزال أقل من أن يرتقي لمستوى الكارثة السودانية بأبعادها الخطيرة المتشابكة.
في النهاية هل من أهداف مؤتمر برلين طرح مسارا بديلا للرباعية؟ سنرى كيف ستتصرف الأطراف التي شاركت في المؤتمر، وكيف ستثبت جدارتها في تمثيل حقيقي فاعل للسودانيين، وأن تثبت ذلك علي أرض الواقع دون الانزواء في انتظار القادم من مؤتمرات جاذبة للحضور بدون فعل.
اقرأ المزيد
السودان يتهم إثيوبيا بدعم هجوم الدعم السريع على الحدود وتصاعد التوترات في النيل الأزرق




