أخبار عاجلةاخبار افريقياالقرن الأفريقى

الماضي الذهبي أم فخ التاريخ؟ كيف تعمّق سياسات آبي أحمد أزمة إثيوبيا وتهدد استقرارها

تتجه إثيوبيا نحو مرحلة سياسية شديدة الحساسية، حيث تتعمق أزمتها الداخلية في ظل تصاعد خطاب سياسي يعتمد بشكل متزايد على استدعاء التاريخ وتوظيفه لخدمة أهداف الحاضر. وفي قلب هذا المشهد، يبرز نهج رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي يتبنى رؤية تقوم على إعادة إحياء ما يُوصف بـ”الماضي الذهبي”، في محاولة لتعزيز مشروعه السياسي المركزي، إلا أن هذه المقاربة تثير جدلًا واسعًا وتُسهم في تعميق الانقسامات بدلًا من معالجتها.

توظيف السرديات التاريخية في الصراع السياسي

تعكس الأزمة السياسية الراهنة في إثيوبيا تحولًا لافتًا نحو ما يمكن تسميته بـ”المسرح الأخلاقي”، حيث لم تعد السياسة مجرد إدارة للواقع، بل أصبحت ساحة لإعادة صياغة التاريخ وفق رواية رسمية تخدم السلطة. فبدلًا من التعامل مع التاريخ الإثيوبي باعتباره إرثًا معقدًا يجمع بين بناء الدولة وممارسات الإخضاع، تلجأ الحكومة إلى تبسيطه وإعادة تقديمه بشكل انتقائي.

ويظهر ذلك جليًا في تمجيد شخصيات تاريخية مثل منليك الثاني، الذي يُصوَّر كرمز للوحدة الوطنية والقوة الإمبراطورية. غير أن هذا التناول يتجاهل أن قطاعات واسعة من الإثيوبيين تنظر إلى تلك الحقبة بوصفها مرحلة اتسمت بالتوسع العسكري، ونزع الأراضي، وفرض الهيمنة الثقافية، وهو ما يخلق فجوة عميقة بين الرواية الرسمية وذاكرة المجتمعات المتضررة.

“النسيان الوطني” كأداة سياسية

أحد أبرز ملامح النهج الحالي هو السعي إلى ترسيخ ما يمكن وصفه بـ”النسيان الوطني المصطنع”، حيث يتم التغاضي عن الجوانب المؤلمة من التاريخ بهدف خلق شعور ظاهري بالوحدة. هذا التوجه لا يقتصر على إعادة كتابة الماضي، بل يمتد إلى فرض رؤية أحادية للهوية الوطنية، تُقصي كل من لا يتماشى مع هذه السردية.

وفي هذا السياق، يصبح استدعاء “الماضي الذهبي” وسيلة لتغطية عجز الحكومة عن معالجة القضايا البنيوية العميقة، مثل التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية، والنزاعات المرتبطة بالنظام الفيدرالي الإثني، والتي لا تزال تُغذي حالة عدم الاستقرار في مختلف الأقاليم.

وحدة متخيلة على حساب واقع متعدد

يعتمد خطاب آبي أحمد على فكرة استعادة وحدة وطنية مفقودة، إلا أن هذه الوحدة، وفق العديد من التحليلات، لم تكن يومًا قائمة على أسس متكافئة بين جميع مكونات المجتمع الإثيوبي. فالإرث التاريخي للبلاد يعكس تفاوتًا واضحًا في توزيع السلطة والثروة، وهو ما يجعل الدعوة إلى تجاهل الماضي شرطًا للاندماج الوطني أمرًا إشكاليًا.

وقد أدى هذا “التذكر الانتقائي” إلى تحويل الذاكرة الجماعية إلى ساحة صراع سياسي، حيث يُطلب من الفئات التي تعرضت للتهميش أو فقدان الأراضي أن تتجاوز تلك التجارب دون اعتراف حقيقي بها. وبدلًا من بناء عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة، تتجه الدولة نحو إعادة إنتاج أنماط حكم مركزية تُعيد تركيز السلطة في العاصمة أديس أبابا.

هشاشة المؤسسات وعودة النزعة السلطوية

تكشف السياسات الحالية عن خلل جوهري يتمثل في تفضيل بناء خطاب وطني جديد على حساب تأسيس مؤسسات قوية وفعالة. فبدلًا من العمل على ترسيخ نظام سياسي يقوم على تقاسم السلطة وضمان الحقوق، يتم التركيز على إنتاج رواية وطنية موحدة، وهو ما يؤدي إلى نشوء كيان سياسي هش يعتمد على الإنكار بدلًا من الاعتراف بالتعددية.

كما أن الممارسات الحكومية تعكس عودة إلى أنماط سلطوية شبيهة بتلك التي ميزت فترات سابقة، حيث تصبح الضمانات القانونية مرهونة بدرجة القرب من مراكز القرار. وفي ظل غياب مؤسسات مستقلة قادرة على ضبط السلطة التنفيذية، تتراجع الثقة في النظام السياسي، وتتسع فجوة الانقسام بين الدولة والمجتمع.

إدارة النزاعات وغياب الإصلاح الحقيقي

فيما يتعلق بالنزاعات المستمرة داخل إثيوبيا، تتسم مقاربة الحكومة بدرجة من الحذر الذي لا يُفضي إلى حلول جذرية، بل يُبقي على حالة انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة. فالإصلاح الحقيقي يتطلب استعدادًا سياسيًا للدخول في تسويات غير مضمونة النتائج، والقبول بإقامة نظام دستوري يفرض قيودًا فعلية على السلطة ويضمن استقلال القضاء.

غير أن هذا المستوى من النضج السياسي لا يزال غائبًا، ما يجعل الجهود الحالية أقرب إلى إدارة الأزمة بدلًا من حلها، وهو ما يُبقي البلاد في حالة من التوتر المستمر.

“مدمر”.. بين الطموح النظري والتطبيق العملي

طرح مدمر كمفهوم يدعو إلى التآزر والوحدة بين مكونات المجتمع الإثيوبي، إلا أن تطبيقه على أرض الواقع يواجه تحديات كبيرة. ففي ظل غياب مؤسسات قوية وضمانات قانونية واضحة، قد يتحول هذا المفهوم إلى أداة لإقصاء الأصوات المعارضة، حيث يُنظر إلى الاختلاف على أنه تهديد لوحدة الدولة، بدلًا من اعتباره عنصرًا أساسيًا في أي نظام ديمقراطي.

مستقبل إثيوبيا.. بين استدعاء الماضي وبناء الدولة

إن المسار الذي تتبعه إثيوبيا اليوم يضعها أمام تحدٍ تاريخي حاسم، يتمثل في الاختيار بين الاستمرار في توظيف الماضي بشكل انتقائي، أو التوجه نحو بناء مستقبل قائم على الاعتراف بالتعددية والعدالة.

فالحل لا يكمن في تمجيد التاريخ أو إنكاره، بل في مواجهته بواقعية، والعمل على بناء مؤسسات قادرة على استيعاب التنوع وضمان مشاركة عادلة في السلطة. غير أن استمرار الحكومة في تبني سردية وطنية أحادية يُضعف فرص تحقيق هذا التحول، ويجعل البلاد عرضة لمزيد من الاضطرابات.

 

إقرأ المزيد :

سياسات أبي أحمد في إثيوبيا: قرارات حاسمة بين إعادة تشكيل الدولة وتصاعد الأزمات الداخلية والإقليمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى