الكاتب المغربي لحسن العسبي يكتب في رثاء أيقونة الغناء المغربي والعربي عبد الوهاب الدكالي : في القمة كان.. فيها سيبقى

النسر يبني عشه في القمة الشماء دوما،
هو لا يرضى بالسفح..
أول عناوين عبد الوهاب الدكالي هو بيته..
هو ليس مجرد بيت أو شقة واسعة،
هو عنوان عمن يكون الطائر الحر الذي كانه..
كانت عمارة المحامي الفرنسي المغتال من قبل فرنسا الإستعمارية بسبب مناصرته للمغاربة في مطالب الإستقلال (لوميغر دوبري) بشارع المقاومة بالدار البيضاء (المطلة على القصر الملكي) لأكثر من ستين سنة أعلى عمارة بإفريقيا كلها منذ بناها المهندس السويسري موراندي ليونار سنة 1947، بطوابقها السبعة عشر وبعلوها البالغ 87 مترا..
في تلك العمارة بالضبط اختار عبد الوهاب الدكالي أن يسكن في طابقها الأعلى (الطابق 17).
هناك كنت أزوره مرات متعددة..
هناك تكتشف أن البيت ليس مجرد حيطان وأثاث، بل تكتشف رونق ديكور وأنك أمام متحف مفتوح.
أول الصور التي تلقاك مع أول خطوك فيها صورة كبيرة للدكالي مع الملك الراحل الحسن الثاني لم تُنشر قط إلى اليوم، فيها الكثير الكثير من أسباب التكامل الإنساني بين سلطان في السياسة ودهائها وسلطان في الطرب..
لا يحتاج النسر أن يمد ريشه وجناحه ليقنعك أنه ابن للأعالي، بل تكفي منه نظرة وكلمة لتدرك أنه ابن للسحاب..
الدكالي قليل الكلام لكنه يذهب رأسا للمعنى وللفكرة..
كنت ذات رمضان نشرت 30 حلقة يومية بجريدة “الإتحاد الإشتراكي” المغربية حول سيرة حياة عازف العود المغربي الشهير الحاج يونس التي قادته من أزقة الفقر بدرب السلطان بالدار البيضاء حتى بلاط الملك الحسن الثاني بالصخيرات، وكان الدكالي يتتبعها يوميا، حيث تواصل معي بخصوص بعض تفاصيلها ثلاث مرات.. بعدها طلب مني زيارته في عشه العالي وفاتحني مباشرة في فكرته منذ سنوات لإنجاز مذكراته.
قدم لي أوراقا مرقونة فيها تفاصيل عن حياته حررها رفقة صحفي مشرقي، طالبا مني رأيي فيها..
التقينا أسبوعين بعدها، حيث أبديت له ملاحظاتي واختياراتي في تقنية تحرير مذكرات من قيمة قصة حياته الغنية جدا.. أنصتَ بعمق ثم قال لي فجأة عندي لك مقترح:
“سأبحث عن مكان هادئ بمراكش، تعال مع زوجتك والأبناء وسأحضر مع زوجتي والأبناء ونبقى هناك شهرين حتى ننهي المشروع”.
شكرته مقدما أمامه أطروحة تبريرية حول صعوبة ذلك بالنسبة لي مهنيا وعائليا (عمل الزوجة ودراسة الأبناء). لم تُقنِعه دُفُوعي مما جعل المشروع يتأجل، إلى أن أخبرني بعد شهور أنه قرر إصدار ما هو متوفر عنده بصيغة معدلة.
تواصلت اتصالاتنا التي كان في الكثير منها ملاحظاته وآراؤه حول أحداث سياسية وثقافية وفنية ورياضية، فيها أيضا بعض من تفاصيل تعب الجسد خاصة “طنين الأذن” وآلام السفر عبر الطائرة.
في شق من مناقشة مذكراته ألححت عليه أن يبوح بآرائه السياسية وقصصه مع الكثير من رجالها من جيل الوطنيين المغاربة (كان يُقدِّرُ لدرجة التقديس كلا من علال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد) الذين احتك بهم في محطات ذات وزن وذات امتحان أيضا..
عبد الوهاب الدكالي صاحب أغاني “سوق البشرية” و “مونبارناس” و “مشا غزالي” كان صاحب موقف وطني وإنساني رفيع لن يكون المرء مبالغا إذا صنفه في خانة “الوطنية المتنورة التقدمية”.
كان لاسمه ومكانته وعلاقاته مؤسساتيا إكراهاتها ودفتر تحملاتها التي لا تسمح له بالبوح عموميا عن عمق أفكاره، فكان يُترجمها في بعض أغانيه الرائدة. أغنيته عن “موكب النصر” مثلا رفقة الفنانة نعيمة سميح مختلفة عن أسلوب التمجيد المناسباتي ضمن ما وصف ب “الأغنية الوطنية”. ففي “موكب النصر” نخوة البطولة ودروس التاريخ وأصول “تامغربيت”..
عبد الوهاب الدكالي كان أيضا داهية موسيقية، فهو ملحن من الطراز الرفيع (ميازني)، حرص دوما على أن يلحن بنفسه أغانيه. لهذا السبب نجح في أن يهب للسلم الموسيقي المغربي بخلطته الأندلسية والملحونية والأمازيغية أن يُعدِيَّ بمتعة ذائقة كل العالمين العربي والإسلامي في أغنيته الأشهر “مرسول الحب” (صارت نشيدا لكل العرب) التي يدندنها ويشدو بها الصغير والكبير في العالم.
كان الدكالي قلقا دوما، قلق الفنان المسكون بالسؤال والطامح للتغيير والساعي لعدم التكرار.. كان صاحب رأي ولم يكن منشد مناسبات.. أقلقته دوما أزمة القيم في المغرب وفي العالم.. لهذا السبب أبدع أغان تطرح سؤال الإنسان في معناه القيمي الأعلى (لننصت جيدا لكلمات أغنيته “سوق البشرية” كمثال)..
عبد الوهاب الدكالي لم يكن مجرد مطرب بل كان مدرسة..
سيبقى هناك كالنسر في قمته الشماء، لأن الطائر الحر مثله لا ينزل للأسافل أبدا..
هو حلق فقط في الأعالي،
فتح حجب السماء وغاص في الأبد..

اقرأ المزيد
مصر للطيران تنقل أكثر من 9 آلاف حاج من غينيا ومالي وفلسطين إلى الأراضي المقدسة
