رامي زهدي يكتب .. “دبلوماسية المصالح المائية”.. كيف صنعت مصر معادلة التوازن بين حماية الأمن القومي وبناء الشراكات الإفريقية؟

في عالم يتجه بخطى متسارعة نحو صراعات الموارد، لم تعد المياه مجرد عنصر طبيعي للحياة، بل تحولت إلى محدد رئيسي لمعادلات النفوذ والاستقرار والتنمية، بل وربما أحد أهم مفاتيح تشكيل النظام الإقليمي الجديد في إفريقيا والشرق الأوسط، وهكذا وبينما اختارت بعض الدول توظيف الأنهار العابرة للحدود كورقة ضغط سياسي أو كأداة لإعادة هندسة موازين القوة أو (للمكايدة السياسية) اختارت مصر طريقا مختلفا أكثر تعقيدا وعمقا، طريقا يقوم على دبلوماسية المصالح المائية، لا بمنطق الهيمنة أو الاحتكار، بل بمنطق الشراكة والتنمية والتكامل وحماية حق الشعوب الإفريقية في الحياة.
القضية هنا لا تتعلق فقط بنهر النيل باعتباره شريان حياة الدولة المصرية الذي تعتمد عليه مصر بنسبة تتجاوز 97% من مواردها المائية العذبة، ولا تتعلق فقط بحصة مائية تاريخية تواجه ضغوطا متزايدة في ظل التغيرات المناخية والانفجار السكاني، بل تتعلق بفلسفة كاملة تتبناها الدولة المصرية في إدارة واحد من أخطر ملفات الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.
مصر اليوم تواجه معادلة شديدة الحساسية، دولة تعاني بالفعل من الفقر المائي وفقا للمعايير الدولية، حيث تراجع نصيب الفرد من المياه إلى أقل من 500 متر مكعب سنويا، بينما يحدد خط الفقر المائي عالميا عند 1000 متر مكعب للفرد، وفي الوقت ذاته تستضيف أكثر من 110 ملايين مواطن، وتتحمل أعباء تنموية واقتصادية هائلة، وتواجه تحديات إقليمية معقدة، لكنها رغم ذلك لم تنزلق يوما الى خطاب عدائي تجاه دول حوض النيل، ولم تتعامل مع التنمية الإفريقية باعتبارها تهديدا، بل على العكس تماما، كانت القاهرة من أوائل العواصم التي أكدت بصورة واضحة أن التنمية حق أصيل لكل الشعوب الإفريقية، وأن بناء السدود في حد ذاته ليس الأزمة، بل الأزمة الحقيقية تكمن في غياب قواعد التعاون العادل والملزم قانونيا والمنظم لعدم الإضرار بالمصالح الحيوية للدول الأخرى.
وهنا تتجلى عبقرية المقاربة المصرية؛ فالقاهرة لم تطرح نفسها يوما كخصم لتنمية أي دولة أو لأي مشروع إفريقي، بل حاولت باستمرار نقل ملف المياه من مربع الصدام إلى فضاء التفاهم الإقليمي، ومن منطق فرض الإرادات إلى منطق الإدارة المشتركة للمصالح العابرة للحدود، ربما هذه المقاربة ليست مجرد خطاب دبلوماسي ناعم، بل رؤية استراتيجية عميقة تدرك أن مستقبل القارة الإفريقية لن يبنى بالحروب المائية، بل ببنية تعاون إقليمي متشابكة تجعل من النهر مصدرا للتكامل لا للاشتباك.
الأرقام هنا شديدة الدلالة. إفريقيا تمتلك نحو 9% من موارد المياه العذبة المتجددة عالميا، بينما لا يزال أكثر من 400 مليون إفريقي يفتقرون للوصول الآمن لمياه الشرب، كما أن ما يقارب 65% من الأراضي الزراعية الإفريقية تعتمد على الأمطار الموسمية المتقلبة، وهو ما يجعل ملف الأمن المائي مرتبطا مباشرة بالأمن الغذائي والاستقرار السياسي والهجرة والصراعات المسلحة، وفي ظل توقعات البنك الدولي بأن تؤدي أزمة المياه الى خسائر قد تصل الى 6% من الناتج المحلي لبعض الدول الإفريقية بحلول 2050، يصبح واضحا أن القارة تقف أمام مفترق طرق تاريخي.
من هنا يمكن فهم التحرك المصري الواسع خلال السنوات الأخيرة داخل القارة الإفريقية، ليس فقط عبر المسارات السياسية، بل من خلال أدوات التنمية الحقيقية، فمصر نفذت عشرات المشروعات المائية في دول حوض النيل وإفريقيا، شملت حفر الآبار، وإنشاء السدود الصغيرة، ومحطات مياه الشرب، ومشروعات مكافحة الفيضانات، وتدريب الكوادر الفنية الإفريقية، ونقل الخبرات في مجالات الري الحديث وإدارة الموارد المائية، كما لعبت الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية دورا محوريا في بناء جسور الثقة الفنية والإنسانية مع الدول الإفريقية.
واللافت هنا أن القاهرة لم تتعامل مع المياه كملف منفصل عن التنمية الاقتصادية، بل ربطته بمفاهيم أوسع مثل الطاقة النظيفة، والزراعة الذكية، والتكيف المناخي، والتكامل اللوجستي، والاستثمار العابر للحدود. فحين تدعم مصر مشروعات الطاقة الكهرومائية الصغيرة او برامج الري الحديث في إفريقيا، فهي لا تمارس فقط دورا تنمويا، بل تبني شبكة مصالح متبادلة تقلل احتمالات الصدام وتؤسس لاستقرار طويل المدى.
ولعل أحد أهم التحولات الاستراتيجية في الرؤية المصرية يتمثل في الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة بناء البدائل، فالدولة المصرية استثمرت خلال السنوات الأخيرة مليارات الدولارات في مشروعات معالجة وإعادة تدوير المياه، حيث تجاوزت تكلفة مشروعات المعالجة الكبرى عشرات المليارات من الجنيهات، وتم إنشاء محطات عملاقة مثل بحر البقر والمحسمة والدلتا الجديدة، وهي مشروعات غيرت خريطة إدارة الموارد المائية في مصر بالكامل، كما توسعت الدولة بصورة كبيرة في تحلية مياه البحر، مع خطط تستهدف الوصول الى طاقات إنتاجية ضخمة خلال السنوات المقبلة، في محاولة لتقليل الضغط على مياه النيل وتأمين احتياجات الأجيال القادمة.
هذه الرؤية لا تنطلق فقط من اعتبارات فنية، بل من إدراك سياسي عميق بأن الأمن المائي لم يعد ملفا تقليديا يمكن التعامل معه بالأدوات القديمة، فنحن أمام عصر جديد تتشابك فيه المياه مع الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والجغرافيا السياسية وحتى الأمن السيبراني، فالسدود العملاقة لم تعد مجرد منشآت هندسية، بل أدوات نفوذ إقليمي وقد تتحول في بعض الحالات الى أوراق مساومة سياسية.
لكن وسط هذه البيئة المعقدة، حافظت مصر على خطاب متزن ومسؤول، خطاب يدافع بقوة عن الحقوق التاريخية والقانونية للشعب المصري، وفي الوقت ذاته يرفض شيطنة الشعوب الإفريقية او تحويل الخلافات السياسية إلى صدامات حضارية، وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن المعركة الحقيقية ليست بين مصر وإفريقيا كما حاول البعض الترويج، بل هي معركة من أجل بناء نموذج إفريقي عادل لإدارة الموارد المشتركة قابل للواقع والتطبيق،و بعيدا عن التدخلات الخارجية ومحاولات توظيف الانقسامات.
ولا يمكن قراءة المشهد بعيدا عن التغيرات الدولية الكبرى، فالعالم اليوم يشهد سباقا محموما على إفريقيا، سواء من القوى الغربية او الصين او روسيا او تركيا او غيرها، ومع تصاعد أهمية المعادن النادرة والطاقة والممرات البحرية، أصبحت المياه أيضا جزءا من خرائط التنافس الدول، لذلك فإن أي اضطراب حاد في حوض النيل لن يكون شأنا محليا او إقليميا فقط، بل قد يتحول الى نقطة اشتعال تؤثر على استقرار شرق إفريقيا والبحر الأحمر وحتى حركة التجارة العالمية.
ومن هنا تبدو المقاربة المصرية أكثر نضجا ورشدا؛ فالقاهرة تدرك أن الحفاظ على الأمن المائي لا يتحقق فقط عبر الاتفاقيات القانونية، رغم أهميتها، بل عبر خلق واقع إقليمي قائم على تشابك المصالح الاقتصادية والتنموية، بحيث تصبح كلفة الصدام أعلى كثيرا من عوائد التصعيد، ولهذا نرى مصر تتوسع في اتفاقيات التعاون الإفريقي، وتدعم مشروعات الربط الكهربائي والبنية التحتية والتجارة البينية، وتعيد تموضعها بقوة داخل العمق الإفريقي بعد سنوات من الغياب النسبي.
إن مصر حين تدافع عن نهر النيل، فهي لا تدافع فقط عن مورد مائي، بل عن حق شعب كامل في البقاء والتنمية والاستقرار، وحين تدعو إلى التعاون العادل، فهي لا تمارس دبلوماسية الضعفاء، بل دبلوماسية الدولة الحضارية التي تدرك أن القوة الحقيقية ليست في فرض الإرادة، بل في القدرة على بناء معادلات توازن مستدامة تحفظ الحقوق وتمنع الانفجار.
لقد أثبتت التجربة أن الدولة المصرية كانت الأكثر حرصا على إبقاء باب التفاوض مفتوحا، والأكثر التزاما بالحلول السياسية والقانونية، رغم حجم الضغوط والتحديات، وهذا ليس ضعفا كما يتوهم البعض، بل تعبير عن دولة تدرك جيدا خطورة الانزلاق الى صراعات مفتوحة في منطقة تعاني أصلا من هشاشة أمنية واقتصادية معقدة.
وفي تقديري، فإن المستقبل الحقيقي للقارة الإفريقية لن تصنعه السدود وحدها، بل ستصنعه قدرة الدول الإفريقية على بناء منظومة تعاون مائي جماعي تقوم على تبادل المنافع لا احتكارها، وعلى التنمية المشتركة لا الصراعات الصفرية، ومصر، بما تمتلكه من خبرة تاريخية وفنية ودبلوماسية، قادرة على لعب دور محوري في تأسيس هذا النموذج إذا ما توافرت الإرادة السياسية الجماعية داخل القارة.
إن معركة المياه في إفريقيا ليست معركة أنهار فقط، بل معركة وعي سياسي واستراتيجي وحضاري، ومن ينجح في إدارة موارده المائية بعدالة وحكمة، سينجح في حماية استقراره وسيادته ومستقبله لعقود قادمة، ولهذا تبدو دبلوماسية المصالح المائية التي تنتهجها مصر اليوم واحدة من أكثر أدوات السياسة الخارجية المصرية نضجا وعمقا وتأثيرا، ليس فقط دفاعا عن الأمن القومي المصري، بل دفاعا عن فكرة التعايش الإفريقي نفسها في زمن تتكاثر فيه خطوط التماس والصراعات الخفية فوق خرائط المياه والطاقة والغذاء.
اقرأ المزيد
الرئيس السيسي يبحث هاتفيا مع « روتو » مستجدات الأوضاع في السودان والقرن الأفريقي




