الدكتور عبد الناصر سليم حامد يكتب : السودان والانفجار الكبير .. حين أجبرت الحرب السودان على مواجهة نفسه

يصعب النظر إلى ما يحدث في السودان باعتباره حربًا فقط؛ لأن بعض الحروب لا تكتفي بإنتاج الخراب أو إعادة تشكيل موازين القوة، بل تكشف ما ظل مختبئًا طويلًا تحت السطح. وربما كان هذا أكثر ما فعلته الحرب السودانية؛ إذ لم تُخرج السلاح إلى الواجهة وحده، بل أخرجت معه أسئلة مؤجلة، وتناقضات اعتاد الناس التعايش معها دون مواجهة حقيقية.
بدا الأمر، في لحظات كثيرة، وكأن الحرب لم تبدأ الأزمة بقدر ما كشفتها. فما ظهر لم يكن انهيارًا مفاجئًا، بل انكشافًا تدريجيًا لهشاشة الدولة، وضعف المؤسسات، وأزمة الثقة، وحدود المشروع الوطني، وعجز السياسة عن إنتاج توافق يتجاوز الصراع حول السلطة.
وربما تكمن المشكلة الأعمق في السودان في أن كثيرًا من أزماته لم تكن منفصلة، بل كانت وجوهًا مختلفة لاختلالات انتقلت من مرحلة إلى أخرى دون معالجة حقيقية. فالحروب، والانقلابات، والاستقطاب السياسي، وصعود الانتماءات الصغيرة عند الأزمات، قد تبدو أحداثًا متفرقة، لكنها تدور حول سؤال ظل حاضرًا طويلًا: كيف تُبنى دولة يشعر الجميع أنها تخصهم بالقدر نفسه؟ .
ربما كانت الحرب الحالية هي اللحظة التي ظهر فيها هذا السؤال بأوضح صورة. ففي غضون أسابيع قليلة، انهارت مؤسسات خدمية وصحية وإدارية كان يُفترض أن تمثل العمود الفقري للدولة، وتعطلت الخدمات، وظهرت محدودية القدرة على إدارة الأزمات. وكأن جزءًا من الاستقرار السابق لم يكن قائمًا على قوة المؤسسات بقدر ما كان قائمًا على بقاء الظروف مستقرة.
لكن ما انكشف لم يكن سقوط المؤسسات فقط، بل تراجع الإحساس بالدولة نفسها؛ لأن الدولة ليست مباني ومكاتب وحكومة فحسب، بل شعور ضمني لدى المواطن بوجود جهة قادرة على الحماية وقت الخطر، وبأن النظام سيستمر عندما تضطرب الظروف. وعندما يضعف هذا الإحساس، لا تتراجع الخدمات وحدها، بل يتراجع معه أيضًا معنى المواطنة.
كما أن إحدى المشكلات المزمنة ربما كانت ضعف التصور المشترك للدولة نفسها؛ لأن الدولة، في النهاية، ليست حدودًا وجيشًا ومؤسسات فقط، بل اتفاقًا ضمنيًا بين الناس حول معنى العيش المشترك. وعندما يضعف هذا الاتفاق، يصبح الصراع حول السلطة أكبر من الصراع حول بناء الدولة.
وهنا يبرز سؤال ظل حاضرًا خلف كثير من الأزمات السودانية: هل كان الخلاف دائمًا حول من يحكم، أم حول طبيعة الدولة التي يُراد حكمها أصلًا؟ .
ولعل إحدى الإشكالات العميقة في التجربة السودانية أن فكرة الدولة نفسها بدت، عبر مراحل طويلة، مشروعًا غير مكتمل أكثر من كونها عقدًا وطنيًا مستقرًا. فكثير من الأزمات التي ظهرت خلال الحرب لم تُخلق فيها، بل كانت موجودة من قبل، لكنها بقيت مؤجلة حتى جاءت لحظة لم يعد فيها التأجيل ممكنًا.
كما كشفت الحرب خطورة وجود أكثر من مركز للقوة العسكرية داخل دولة واحدة. فما بدا لسنوات طويلة توازنًا، ظهر لاحقًا بوصفه هشاشة مؤجلة. وأثبت الواقع أن تعدد مراكز القوة لا يؤجل الانفجار دائمًا، بل قد يصنعه.
وكشفت الأزمة أيضًا تكلفة المركزية الطويلة؛ فعندما تعطلت الخرطوم، تعطلت معها قطاعات واسعة من البلاد، وكأن عقودًا من تركيز الخدمات والاقتصاد والسلطة داخل المركز جعلت الدولة أقل قدرة على الاستمرار حين يهتز المركز نفسه.
لكن الحرب لم تكشف هشاشة الدولة فقط، بل كشفت هشاشة السياسة كذلك. فقد بدا واضحًا عجز جزء كبير من النخب والأحزاب عن تقديم مشروع وطني جامع أو لعب دور يتناسب مع حجم الأزمة. وفي أحيان كثيرة، بدا المشهد السياسي أقرب إلى إعادة التموضع وفق تغير موازين القوة، أكثر من كونه تمسكًا بمواقف واضحة مهما كانت كلفتها.
وبرغم اختلافي مع الإسلاميين في السودان، أرى أن من الإنصاف الإقرار بأنهم اتخذوا موقفًا مبكرًا في مساندة الجيش، في وقت فضلت فيه قوى سياسية أخرى الانتظار أو إعادة حساباتها وفق اتجاه الصراع والطرف الذي قد يفرض نفسه منتصرًا في النهاية. ولا يعني ذلك تبرئة تجربتهم أو تجاوز الانتقادات الموجهة لهم، لكنه يفتح سؤالًا أوسع حول معيار تقييم الأحزاب عند الأزمات: هل تُقاس بخطاباتها، أم بقدرتها على اتخاذ موقف واضح عندما تصبح كلفة الموقف مرتفعة؟ .
وفي مقابل هشاشة المؤسسات، كشفت الحرب وجهًا آخر للسودان. ففي الوقت الذي تراجعت فيه الدولة، ظهرت غرف الطوارئ، والمبادرات الشعبية، وشبكات الإغاثة، كما برزت ثقافة التكافل وتقاسم البيوت والموارد المحدودة، في مشهد أظهر قدرة المجتمع على إنتاج التضامن حتى في أكثر اللحظات قسوة.
وربما كشفت هذه التجربة أن السودانيين أتقنوا النجاة أكثر مما أتقنوا الاستقرار، وأن المجتمعات التي تتكرر فيها الأزمات قد تطور مهارات عالية للبقاء، لكنها تجد صعوبة أكبر في بناء مستقبل مستقر.
أما أكثر ما كشفته الحرب حساسية، فربما كان مسألة الهوية والانتماء ، فعندما تضعف الدولة، يعود كثير من الناس إلى دوائرهم الأقرب؛ القبيلة أو الجهة أو الروابط المحلية التي تمنح شعورًا بالأمان. لكن المشكلة لا تبدأ بوجود هذه الهويات، بل عندما تصبح أكثر قدرة على توفير الحماية والانتماء من فكرة الوطن نفسها.
وقد يكون الأثر الأقل ظهورًا، والأعمق، هو الأثر النفسي. فقد وجد ملايين السودانيين أنفسهم يفقدون البيوت، والمدخرات، والإحساس بالأمان خلال فترة قصيرة. وهذه خسائر لا تظهر كلها في الإحصاءات، لكنها تبقى طويلًا داخل الأفراد والمجتمعات. ومع امتداد الحرب، قد يصبح الاعتياد على الأزمة أخطر من الأزمة نفسها.
قد تنتهي الحرب يومًا، وقد تُعاد بناء الطرق والمدن والمؤسسات، لكن السؤال الحقيقي ربما لن يكون: كيف انتهت الحرب؟ بل: هل واجه السودان أخيرًا الأسئلة التي ظل يؤجلها؟ لأن الدول لا تتغير فقط عندما تتعرض للانهيار، بل عندما تصبح مواجهة أسباب الانهيار أكثر إلحاحًا من الهروب منها.
وربما لا تكمن قسوة الحرب السودانية فيما دمرته فقط، بل فيما أجبرت السودان على رؤيته عن نفسه. فإذا عادت الأسئلة إلى الصمت، فقد تعود الأزمات بأشكال أخرى؛ لأن المشكلات المؤجلة لا تختفي، بل تبقى كامنة حتى تجد لحظة جديدة للظهور.
وربما لم يكن الانفجار الكبير في السودان هو الحرب نفسها، بقدر ما كان اللحظة التي خرج فيها كل ما ظل طويلًا خارج النقاش إلى العلن. لأن ما يبقى صامتًا لسنوات لا يختفي، بل يتراكم بهدوء داخل الدولة والمجتمع، حتى تأتي لحظة يصبح فيها الظهور أكثر عنفًا من الاختفاء.
وحينها، لا يبدو ما حدث انفجارًا مفاجئًا، بقدر ما يبدو نتيجة متأخرة لأسئلة ظلت معلقة طويلًا، ولإجابات تأخر البحث عنها أكثر مما ينبغي؛ لأن ما يُؤجل في حياة الدول لا يختفي، بل يبقى حاضرًا بصمت، إلى أن تأتي لحظة يصبح فيها تجاهله مستحيلًا.
ومهما أثقلت الأزمات السودان، ومهما امتدت الحروب، يبقى شيء واحد عصيًا على الانكسار: أن حب هذا الوطن يظل حاضرًا في القلب، حتى في أكثر لحظاته وجعًا .
اقرأ المزيد
« أطباء السودان» : مقتل وإصابة 14 شخصا جراء استهداف مسيرة للدعم السريع محطتي وقود بمدينة كوستي




