الكاتب الصحفي السوداني خالد عويس يكتب : كرة قدم أم.. حرب؟

في 1969 اندلعت حرب تعرف باسم “حرب ال 100 ساعة” بين دولتين في أميركا الجنوبية، هما هندوراس والسلفادر، بسبب كرة القدم، في موجة من الهوس والجنون المحض، على خلفيات ثقافية واقتصادية واجتماعية عززت مشاعر الكراهية بين الشعبين، هذا، ربما كان اسوأ حدث عرفته كرة القدم، التي استحالت، لحظتئذ، من الترفيه والتنافس الرياضي، إلى حصد ما تزرعه الكراهية وتحركه الضغائن.
في داخل البلد الواحد، تبلغ المشاحنات أقصاها بين مشجعي ناديين، فتقع أحداث مؤسفة، لا علاقة لها بالروح الرياضية، ولا الحس الإنساني السليم. فمباريات كرة القدم هي مناسبة للمتعة والتنافس الشريف ولا تخلو من دعابة وبعض اللطائف، على ألا تتحول إلى منصات لخطابات الكراهية وإثارة النعرات.
تشهد وسائل التواصل منذ يومين احتقانا كبيرا بسبب مباراة، ودون الخوض في تفاصيل الجميع في غنى عنها، يصح القول، إن عاملي التاريخ والجغرافيا، يضعان دائما، الدول والشعوب المتجاورة في إطار “حتمية” التداخل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتعاون والمصالح المشتركة و”الرؤية الاستراتيجية”، لأنه لا مهرب لا من الجغرافيا ولا من التاريخ، أحببت ذلك أم كرهته. ولعل ما جرى يحتم أيضا على نخب البلدين الجارين التحرك عاجلا بغية وضع الأمور في نصابها الصحيح، القوة الناعمة في كل بلد، السبيل لبحث “إسقاطات” التاريخ والثقافة والسياسة، المراجعات، تقوية المشتركات وتعزيزها، المصالح المشتركة، العمل على جبهتي الثقافة والإعلام، الوضوح العلمي في مخاطبة جذور ومسببات هذا الاحتقان، للحيلولة دون تجدده مستقبلا، دور الدوائر الرسمية في البلدين في صناعة تقارب يقوم على المصالح والمشتركات، رؤية علمية تجاه المستقبل بين السودان ومصر، بل وبين كل دول الجوار، تقوم على أساس المصالح والمشاركات وتذويب كل ما من شأنه تعكير الصفو بطرق علمية لا تخلو من النقد والمراجعات ودراسة مواطن العلل، من ناحية، ومن ناحية أخرى، إبراز ما قدمه كل شعب للآخر، تعاضدا ومؤازرة واقتصادا وفنا وثقافة و..”محبة”، لا على سبيل المن والأذى، وإنما على سبيل فهم مكانزيمات التاريخ والموقع الجغرافي اللذين، بالضرورة، أفرزا عطاء متبادلا، وجذورا راسخة ينبغي ألا تتزعزع، بل تتعزز، بالنظر إلى الجوانب الإيجابية، وفحص السلبية. وهذا ينطبق على كل دول جوارنا، بل وإقليمنا. الشعوب لا تعيش في جزر معزولة، فطوال تاريخها هي في حالة “تبادل” و”تلاقح” مع كل إقليمها، فما بالك بجوارها ! .
إنها دعوة لتغليب المنطق والعلم والتعايش على الشعبوية والعواطف والشوفينية الشعوبية، ولتغليب المستقبل والمصالح المشتركة بشكل علمي على خطابات الكراهية والبحث عن نقائص كل طرف، ومبتدأ ذلك النأي عن التأجيج وصب الزيت على النار، فما أحوجنا للسلام والتعايش والتضامن والمحبة.
* خالد عويس .. كاتب صحفي سوداني مدير مكتب قناة الشرق بالخرطوم .
اقرأ المزيد
الدكتور حسين عبد البصير يكتب : العلاقات التجارية لمصر القديمة مع العالم الخارجي .. رؤية حضارية




