أخبار عاجلةالرأي

الدكتور حسين عبد البصير يكتب : نوزومو كاواي الياباني الذي يقرأ سقارة كأنها مخطوط أبدي

في التاريخ الطويل لعلم الآثار تظل مصر هي الاختبار الأصعب والأكثر عمقًا لكل عالم يأتي إليها من الشرق أو الغرب فهي ليست مجرد أرض آثار بل أرشيف حي للذاكرة الإنسانية الممتدة عبر آلاف السنين ومن بين الأسماء البارزة في علم المصريات المعاصر يبرز عالم الآثار الياباني نوزومو كاواي أستاذ علم المصريات في جامعة تسوكوبا باليابان ومدير البعثة الأثرية اليابانية المصرية في سقارة.

لا يتعامل كاواي مع سقارة باعتبارها موقعًا أثريًا تقليديًا بل ينظر إليها ككائن حي يتغير عبر الزمن وكأنها نص ضخم مكتوب على طبقات الأرض وكل طبقة ليست مجرد ترسبات من التراب بل فصل من كتاب طويل كتبه المصري القديم وأعاد كل عصر قراءته وتفسيره وإعادة صياغته بطريقته الخاصة.

وسقارة في جوهرها ليست جبانة تخص عصرًا واحدًا بل هي مرآة زمنية ممتدة تعكس تاريخ مصر منذ العصر العتيق حين تشكلت البدايات الأولى للفكر الجنائزي الملكي وظهرت ملامح التنظيم الديني للدفن ثم امتدت عبر العصر المتأخر حيث أعيد استخدام الجبانة وتكثفت الطقوس الدينية وأُعيد تشكيل الفضاء الجنائزي بشكل أكثر تعقيدًا ثم واصلت حضورها في العصر البطلمي حين تداخلت التقاليد المصرية مع التأثيرات الهلنستية لتنتج أشكالًا جديدة من الممارسات الجنائزية داخل نفس الأرض المقدسة.

في عمله الميداني ضمن البعثة الأثرية اليابانية المصرية في سقارة يتعامل كاواي مع الجبانة بوصفها منظومة حضارية كاملة وليست مجرد مقابر متناثرة فهو لا يبحث عن أثر منفصل بل يبحث عن العلاقة بين الإنسان والمكان عبر الزمن الطويل وكيف يمكن لموقع واحد أن يحتفظ بوظيفته المقدسة رغم تغير السياقات الدينية والاجتماعية والسياسية عبر عصور تمتد من العصر العتيق حتى العصر البطلمي.

في هذا الإطار تصبح المقبرة في علمه ليست نهاية للحياة بل تحولًا في شكلها فالموت في مصر القديمة لم يكن انقطاعًا بل استمرارًا في صيغة أخرى ولذلك فإن دراسة الجبانة تعني دراسة المجتمع المصري القديم نفسه بكل طبقاته الفكرية والدينية عبر مختلف مراحله التاريخية.

تكشف حفائر سقارة التي يشارك فيها كاواي عن تداخلات زمنية شديدة التعقيد حيث تتجاور مدافن من العصر العتيق مع إعادة استخدام مكثف في العصر المتأخر ثم امتداد واضح للنشاط في العصر البطلمي داخل مساحة جغرافية واحدة وهذا التداخل لا يُقرأ بوصفه ارتباكًا أثريًا بل بوصفه دليلًا على استمرارية المكان المقدس وإعادة إنتاجه عبر آلاف السنين.

ففي سقارة نجد آثارًا تعود إلى البدايات المبكرة للتاريخ المصري إلى جانب مدافن من العصر المتأخر ثم إعادة استخدام واسع في العصر البطلمي حيث امتزجت الرمزية المصرية بالتأثيرات اليونانية في مشهد جنائزي متعدد الطبقات يعكس قدرة الحضارة المصرية على الاستمرار والتحول في آن واحد.

ينتمي نوزومو كاواي إلى مدرسة علمية دقيقة ترى أن الأثر لا يمكن فهمه خارج سياقه الاجتماعي والديني والثقافي فالمقبرة ليست جدرانًا حجرية فقط بل نظام رمزي يعكس رؤية الإنسان المصري القديم للعالم والخلود والبعث والذاكرة عبر مختلف العصور من العصر العتيق إلى العصر البطلمي.

ومن خلال هذا المنهج استطاع أن يقرأ سقارة باعتبارها نصًا متعدد الطبقات تتداخل فيه الأزمنة كما تتداخل فيه المعاني.

تلقى كاواي تكوينه الأكاديمي في علم المصريات من خلال دراسته العليا في الولايات المتحدة الأمريكية حيث انفتح على مدارس علمية متعددة في دراسة الحضارات القديمة وهو ما منحه رؤية عالمية واسعة جعلته ينظر إلى مصر القديمة باعتبارها جزءًا أساسيًا من التاريخ الإنساني الممتد من العصر العتيق حتى العصر البطلمي وليس حضارة معزولة عن العالم.

يمثل عمل كاواي ضمن البعثة الأثرية اليابانية المصرية في سقارة نموذجًا مهمًا للتعاون الدولي في علم الآثار حيث تتحول الحفائر إلى مساحة علمية مشتركة تجمع بين مناهج مختلفة لكنها تتفق على هدف واحد هو فهم التاريخ الإنساني من خلال المادة الأثرية الممتدة من العصر العتيق إلى العصر البطلمي.

إن ما تكشفه أعمال كاواي لا يقتصر على النتائج المادية للحفائر بل يمتد إلى إعادة التفكير في مفهوم الجبانة نفسها فهي ليست مكانًا للموت فقط بل سجل حي لتحولات المجتمع المصري منذ العصر العتيق مرورًا بالعصر المتأخر وصولًا إلى العصر البطلمي.

ومن الاكتشافات المهمة أيضًا الكشف عن مقبرة جماعية من العصر اليوناني الروماني وهي أول اكتشاف من هذا النوع في سقارة، وهو ما يفتح أفقًا جديدًا لفهم تداخل الثقافات الجنائزية المصرية مع العالم الهلنستي والروماني. وقد عُثر في هذا السياق على عدد من الأنواع المختلفة من الشواهد الجنائزية اليونانية الرومانية، إلى جانب بقايا بشرية محنطة مغلفة بالكارتوناج المزخرف بالطراز المصري التقليدي الذي يتضمن صور الآلهة. كما عُثر على عدد من تماثيل الإيزيس–أفروديت، وهو ما يعكس مشهدًا دينيًا مركبًا تتداخل فيه المعتقدات المصرية واليونانية الرومانية في منظومة واحدة.

في النهاية يمثل نوزومو كاواي نموذجًا للعالم الذي لا يكتفي بالحفر في الأرض بل يحفر في الزمن نفسه باحثًا عن المعنى العميق للوجود الإنساني عبر طبقات تمتد من العصر العتيق إلى العصر البطلمي فهو لا يرى الآثار كأشياء صامتة بل كنصوص حية تنتظر من يقرأها بعين العلم والصبر.

ومصر كما كانت دائمًا تظل أكبر من أن تُقرأ بسهولة فهي كتاب أبدي لا تنتهي صفحاته.

 

إقرأ المزيد :

عالم الآثار المصري الشهير الدكتور حسين عبد البصير يكتب : شمّ النسيم.. عيد مصري عابر للعصور

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى