السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جنوب أفريقيا والقاهرة… مناهضة الفصل العنصري وبناء التضامن الدولي

لم يكن نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا مجرد سياسة داخلية جائرة، بل شكّل أحد أبشع أشكال الاستعمار الاستيطاني في القرن العشرين، واختبارًا حاسمًا لقدرة أفريقيا على تحويل التضامن إلى فعل دولي مؤثر. وفي هذه المعركة الطويلة، برزت القاهرة بوصفها عاصمة للتعبئة السياسية والدبلوماسية ضد الأبارتهايد، مستخدمة أدوات السياسة والإعلام والتحالفات الدولية لكسر شرعية النظام العنصري وعزله عالميًا.
انطلق الدور المصري من رؤية ربطت بين التحرر الوطني المصري والتحرر الأفريقي الشامل، وهي رؤية قادها جمال عبد الناصر، واعتبرت أن بقاء نظام الفصل العنصري يمثل تهديدًا أخلاقيًا وسياسيًا لأفريقيا كلها. فالقضية لم تكن شأنًا جنوب أفريقيًا محضًا، بل جرحًا مفتوحًا في الجسد القاري يستدعي موقفًا موحدًا.
تحركت القاهرة على مسارات متوازية. دبلوماسيًا، أسهمت في تدويل قضية جنوب أفريقيا داخل الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز، ودعمت فرض العقوبات والعزل السياسي والرياضي والثقافي على نظام الأبارتهايد. وإعلاميًا، فتحت منابرها—ومنها الإذاعات والصحف—لإبراز الانتهاكات، وتفنيد الدعاية الرسمية للنظام، وتحويل القضية إلى مسألة رأي عام عالمي. وعلى مستوى الشبكات، احتضنت القاهرة قيادات ومناضلين، وقدّمت لهم مساحة آمنة للتنسيق وبناء التحالفات.
في هذا السياق، شكّلت القاهرة حلقة وصل بين النضال الداخلي في جنوب أفريقيا والدعم الخارجي الأفريقي والدولي، وأسهمت في توحيد خطاب التضامن، بما عزّز من فعالية الضغوط على النظام العنصري. ولم يكن هذا الجهد منعزلًا عن الإطار القاري؛ فقد تلاقى مع مبادئ منظمة الوحدة الأفريقية التي اعتبرت مناهضة الأبارتهايد جزءًا أصيلًا من مهمتها.
كما تميّز الدور المصري بالقدرة على حشد توافقات عابرة للأيديولوجيات في زمن الحرب الباردة، حيث سعت القاهرة إلى إبقاء القضية فوق الاستقطابات، وتقديمها بوصفها قضية حقوق إنسان وتحرر وكرامة. هذا النهج أسهم في توسيع دائرة الداعمين، ومنح الحركة المناهضة للأبارتهايد زخمًا متراكمًا أثمر لاحقًا نتائج ملموسة.
ومع تفكك نظام الفصل العنصري وبزوغ فجر الدولة الديمقراطية، ظل الإرث حاضرًا بوصفه شاهدًا على أن التضامن القاري، حين يُدار بحكمة، قادر على إحداث تغيير تاريخي. فقد أسهمت القاهرة، مع عواصم أفريقية أخرى، في تحويل العزلة إلى سياسة دولية فعّالة، وفي ربط النضال المحلي بإرادة عالمية رافضة للتمييز.
اليوم، تكتسب استعادة هذا الفصل أهمية مضاعفة. ففي عالم يشهد عودة سياسات الإقصاء والتمييز، تُذكّر تجربة جنوب أفريقيا—بدعم مصري أفريقي—بأن القوة الناعمة والتحالفات المبدئية قادرة على كسر منظومات الظلم مهما طال أمدها. كما تؤكد أن القاهرة، حين جعلت من مناهضة الأبارتهايد قضية مركزية، كانت ترسّخ دورها التاريخي كعاصمة للنضال الأفريقي، لا بالخطاب وحده، بل بالفعل المتراكم والصبر الاستراتيجي.


إقرأ المزيد :




