رامي زهدي يكتب: بين أوهام تراجع قوة مصر وحقائق الجغرافيا السياسية.. قراءة نقدية للرؤية الإثيوبية الُمشوشة
رداً علي تقرير للمعهد الشؤون الخارجية الإثيوبي

تتزايد في الآونة الأخيرة الكتابات الصادرة عن بعض المؤسسات والمراكز البحثية الإثيوبية التي تحاول تسويق سردية مفادها أن مصر فقدت أدوات نفوذها التقليدية في الإقليم، وأن إثيوبيا نجحت في بناء واقع استراتيجي جديد يفتح أمامها آفاقا أوسع في حوض النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر, ومن أحدث هذه الطروحات التقرير الذي نشره معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي تحت عنوان “تراجع النفوذ العربي المصري والانفتاح الاستراتيجي الإثيوبي”، وهو طرح يستحق التوقف أمامه ليس فقط لما يتضمنه من استنتاجات وأكاذيب سياسية، وإنما أيضا لما يكشفه من طبيعة التفكير الاستراتيجي السائد داخل بعض دوائر صنع الرأي في أديس أبابا.
في البداية، لا خلاف على أن البيئة الإقليمية التي كانت قائمة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي قد تغيرت بصورة جوهرية، وأن النظام العربي نفسه شهد تحولات عميقة أثرت على شكل العلاقات البينية وأولويات الدول العربية، لكن الخطأ المنهجي الذي يقع فيه التقرير يتمثل في افتراض أن تراجع الخطاب القومي العربي يعني بالضرورة تراجع القوة المصرية، فمصر لم تكن يوما دولة تستمد نفوذها من الشعارات وحدها، بل من موقع جغرافي فريد يربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، ومن تحكمها في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، ومن ثقلها السكاني والعسكري والدبلوماسي، فضلا عن امتداد حضورها التاريخي داخل المؤسسات العربية والإفريقية والدولية.
(لكن) القوة المصرية اليوم لا تستند إلى الإرث الناصري كما يحاول البعض الإيحاء، بل إلى شبكة معقدة من المصالح والتحالفات والقدرات الوطنية التي تجعل من مصر لاعبا لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط والبحر الأحمر وإفريقيا، ولذلك فإن الحديث عن تراجع النفوذ المصري بسبب تراجع القومية العربية يمثل قراءة تبسيطية تتجاهل طبيعة التحولات التي شهدتها الدولة المصرية نفسها خلال العقود الأخيرة.
ومن المثير للاهتمام أن التقرير يعتبر اكتمال بناء سد النهضة دليلا على فشل مصر وانتصار لإثيوبيا، والحقيقة أن هذا الاستنتاج يعكس خلطا واضحا بين فرض الأمر الواقع وبين اكتساب الشرعية، فالأزمة المصرية لم تكن يوما مع حق الشعب الإثيوبي في التنمية أو إنتاج الطاقة، ولم تعترض القاهرة أصلا على بناء السد كفكرة تنموية، وإنما تمحورت الأزمة حول الإدارة الأحادية لمورد مائي دولي مشترك، ورفض أديس أبابا التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل ويضمن عدم الإضرار الجسيم بدولتي المصب.
(نعم) لقد نجحت إثيوبيا في تشييد السد لكنه لم يعمل كما خطط له حتي الآن، كما ان ذلك لا يلغي حقيقة أن الخلاف القانوني والسياسي ما زال قائما، ولا يغير من حقيقة أن مبادئ القانون الدولي الخاصة بالمجاري المائية العابرة للحدود تقوم على عدم الإضرار والتشاور والتعاون والتوافق، فالمشروعات الكبرى لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على بنائها، وإنما أيضا بقدرتها على دمجها داخل إطار قانوني مستقر يضمن مصالح جميع الأطراف.
كما يتجاهل التقرير أن مصر استطاعت خلال السنوات الماضية نقل قضية الأمن المائي إلى مستويات إقليمية ودولية متقدمة، وأنها نجحت في تثبيت مفهوم الأمن المائي المصري باعتباره جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي للدولة المصرية، كما نجحت في بناء شبكة واسعة من العلاقات والشراكات داخل قارة إفريقيا والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، وهو ما يتناقض مع الصورة التي يحاول الكاتب رسمها عن مصر باعتبارها دولة تفقد نفوذها تدريجيا في وقت يتصاعد ويتنامي النفوذ المصري بشكل ودرجة غير مسبوقة.
أما فيما يتعلق بالبحر الأحمر، فإن الطرح الإثيوبي يتعمد الخلط بين المصالح المشروعة والحقوق السيادية، فلا أحد ينكر أن لإثيوبيا مصالح اقتصادية وتجارية وأمنية مرتبطة بالبحر الأحمر، كما أن استقرار هذا الممر الحيوي ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الإثيوبي، لكن امتلاك المصالح لا يمنح تلقائيا حق إعادة صياغة القواعد المنظمة للإقليم البحري أو تجاوز حقوق الدول الساحلية المعترف بها قانونيا، فالقانون الدولي والواقع الجغرافي يفرضان تمييزا واضحا بين الدولة الساحلية والدولة غير الساحلية، وبين الشراكة الاقتصادية والمشاركة في ترتيبات السيادة والأمن البحري، في وقت يوجد فيه 44 دولة حبيسة في العالم، 16 منها في افريقيا.
واللافت أن التقرير يتحدث عن إثيوبيا باعتبارها القوة الصاعدة التي تفرض وقائع جديدة على الجميع، لكنه يتجاهل التحديات البنيوية التي ما زالت تواجه الدولة الإثيوبية نفسها، سواء على مستوى التماسك الداخلي أو الاستقرار السياسي أو التوازنات الإثنية أو الضغوط الاقتصادية، فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم السكان أو معدلات النمو، وإنما أيضا بمدى الاستقرار المؤسسي والقدرة على إدارة التنوع الداخلي وتحويل الموارد إلى نفوذ مستدام.
وفي تقديري، فإن التحدي الحقيقي أمام المنطقة لا يتمثل في صعود إثيوبيا أو تراجع مصر كما يحاول البعض تصويره، بل في كيفية بناء معادلة إقليمية جديدة تقوم على المصالح المشتركة واحترام القانون الدولي وعدم فرض الأمر الواقع، فالأمن المائي المصري ليس قضية نفوذ أو هيمنة، بل قضية وجودية لدولة يعتمد أكثر من مئة مليون من مواطنيها بصورة شبه كاملة على مياه النيل، وفي المقابل فإن التنمية الإثيوبية حق مشروع لا يمكن إنكاره أو مصادرته.
ومن ثم فإن مستقبل المنطقة لن يُبنى على منطق الغلبة أو السرديات الدعائية والترويج لأكاذيب، وإنما على القدرة على التوفيق بين الحقوق والواجبات، وبين التنمية والأمن، وبين المصالح الوطنية والمسؤوليات الإقليمية، أما الرهان على أن مصر فقدت مكانتها أو أن الزمن تجاوز دورها، فهو رهان يتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا والسياسة معا.
لقد تغيرت المنطقة بالفعل، لكن ما لم يتغير هو أن مصر ستظل أحد الأعمدة الرئيسية للاستقرار الإقليمي، وأن أي ترتيبات مستدامة في حوض النيل أو البحر الأحمر أو القرن الإفريقي لن تنجح إلا إذا أخذت في الاعتبار المصالح المشروعة لجميع الأطراف، وفي مقدمتها حق الشعب المصري في الأمن المائي وحق شعوب المنطقة في التنمية والاستقرار.
اقرأ المزيد
الدكتور حسين عبد البصير يكتب : العلاقات التجارية لمصر القديمة مع العالم الخارجي .. رؤية حضارية




