أخبار عاجلةالرأي

الدكتور حسني عبد البصير يكتب : من الشواطئ إلى الحضارات .. إعادة تخيّل الساحل الشمالي المصري كمنظومة تراث حيّة

ظلّ الساحل الشمالي المصري لعقود طويلة معروفًا بوصفه وجهة صيفية ترتبط بالبحر والشمس والشواطئ , يأتي الناس إليه طلبًا للراحة والترفيه، لكن تحت هذا السطح المألوف تختبئ طبقات عميقة من التاريخ لم تُكتشف بالكامل إلا مؤخرًا , تكشف الاكتشافات الأثرية في مارينا العلمين عن حقيقة مختلفة تمامًا: هذا المكان لم يكن مجرد فضاء حديث للمتعة، بل كان مسرحًا لحياة بشرية قديمة، وتجارة، وثقافة ممتدة عبر قرون.

ما يميز الساحل الشمالي حقًا أنه ليس مجرد وجهة بحرية، بل هو مساحة تقوم فوق طبقات متراكمة من التاريخ. إن اكتشاف مدينة أثرية في مارينا العلمين يضيف بُعدًا جديدًا وقويًا لفهمنا لهذا الإقليم, إنه لا يطلب من الزائر أن يختار بين البحر والتاريخ، بل يدعوه إلى الجمع بينهما, يمكن لصباح هادئ على الشاطئ أن يتحول بسهولة إلى رحلة بعد الظهر داخل مدينة عمرها أكثر من ألفي عام , وبهذا يتحول الساحل الشمالي من مجرد مكان للترفيه إلى فضاء للمعنى والحكاية.

هذا التحول يفتح أيضًا الباب أمام سياحة تمتد على مدار العام, فالساحل الشمالي اليوم يعتمد على موسم الصيف بشكل أساسي، بينما يخلو في بقية العام من الحركة تقريبًا , لكن السياحة الأثرية لا ترتبط بالمواسم, مع التخطيط الجيد، والإضاءة المناسبة، والتفسير العلمي، وخدمات الزوار، يمكن تشغيل المواقع الأثرية طوال فصول السنة , وهكذا يمكن للخريف والشتاء والربيع أن تتحول إلى مواسم لاكتشاف التاريخ، وليس فقط الصيف , هذا يحقق استقرارًا في حركة السياحة، ويقلل من موسمية النشاط، ويجذب الزوار بشكل متكرر على مدار العام، مما يعيد رسم خريطة الساحل الشمالي كوجهة ثقافية دائمة وليست صيفية فقط.

أما تجربة الزيارة المستقبلية، فستكون مختلفة تمامًا عما نعرفه اليوم ,سيبدأ الزائر رحلته في مركز حديث للزوار، يتعرف فيه على قصة المدينة القديمة من خلال معارض، ونماذج، وإعادة بناء رقمية للمشهد التاريخي , ثم تنتقل الرحلة عبر مركبات كهربائية صديقة للبيئة إلى قلب الموقع الأثري , هناك، يصحب المرشدون السياح في جولات داخل الشوارع والمباني والمقابر، موضحين تفاصيل الحياة اليومية في العصرين اليوناني والروماني , ولن تكون الزيارة مجرد مشاهدة، بل تجربة تفاعلية قد تشمل تقنيات الواقع المعزز التي تعيد بناء المدينة كما كانت في الماضي, إنها تجربة تجمع بين المعرفة والمتعة، وتناسب العائلات والطلاب والزوار من مختلف دول العالم.

ويمتد أثر هذا المشروع إلى الجانب الاقتصادي والاجتماعي بشكل واضح , فتحويل مارينا العلمين إلى وجهة تراثية كبرى سيوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة ,تشمل الوظائف المباشرة علماء الآثار، وأخصائيي الترميم، والمرشدين السياحيين، وأفراد الأمن، وسائقي النقل، والعاملين في مركز الزوار,  كما سينعكس ذلك بشكل غير مباشر على نمو الفنادق والمطاعم وخدمات النقل والمشروعات الصغيرة في المنطقة المحيطة , والأهم من ذلك أن المجتمع المحلي لن يكون مجرد متلقٍ لهذا التطور، بل شريكًا فاعلًا فيه , وهذا يخلق نموذجًا للتنمية المستدامة المرتبطة بالهوية، وليس فقط بالموسمية الاقتصادية.

كما أن تدريب الحرفيين المحليين يمثل جزءًا أساسيًا من هذه الرؤية , فهناك توجه واضح لإطلاق برامج تدريب تساعد الحرفيين على إنتاج نسخ عالية الجودة مستوحاة من الاكتشافات الأثرية، مثل الرموز المصرية القديمة كعين حورس وغيرها من العناصر الزخرفية , الهدف ليس إنتاج هدايا سياحية تقليدية، بل تقديم منتجات ثقافية أصيلة تحترم التراث وتعكس قيمته , ومن خلال ورش التدريب، يمكن نقل المعرفة وتحسين جودة الإنتاج، مما يتيح للشباب والنساء في المجتمع المحلي فرصًا حقيقية للمشاركة في الاقتصاد السياحي، وفي الوقت نفسه دعم الحفاظ على التراث.

وهكذا، لا يمثل مشروع مارينا العلمين مجرد اكتشاف أثري جديد، بل بداية لتحول أوسع في مفهوم الساحل الشمالي نفسه , من مساحة موسمية للترفيه إلى مشهد حضاري حيّ، تتجاور فيه طبقات التاريخ مع الحاضر، ليصبح الماضي جزءًا من مستقبل مصر الثقافي والسياحي. 

 

إقرأ المزيد :

الدكتور حسين عبد البصير يكتب: مصر تبني المستقبل.. والرئيس السيسي يكتب فصلاً جديداً في قوة الدولة الحديثة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى