الدكتور حسين عبد البصير بكتب : المتحف المصري الكبير… حين تصنع مصر معجزة جديدة
ليست كل الأمم قادرة على أن تعيش على مجد الماضي، والأمم العظيمة وحدها هي التي تستطيع أن تحول ماضيها إلى مستقبل , ومصر واحدة من هذه الأمم, فعندما يتجه العالم اليوم للتصويت لاختيار “عجائب الدنيا المعاصرة”، فإن المتحف المصري الكبير لا يدخل المنافسة بوصفه مبنىً شاهقًا أو مشروعًا هندسيًا عملاقًا فحسب، بل بوصفه فكرة حضارية متكاملة، ورسالة ثقافية عالمية، وإعلانًا بأن الحضارة المصرية لا تزال قادرة على إنتاج الدهشة.
لقد اعتاد العالم أن ينظر إلى مصر من خلال الأهرامات، باعتبارها آخر عجائب الدنيا القديمة الباقية, غير أن الزمن لا يتوقف، والحضارات الحية لا تكتفي بالاحتفاء بإنجازاتها السابقة، وإنما تواصل صناعة الإنجازات. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للمتحف المصري الكبير؛ فهو ليس مجرد بيت للآثار، بل هو جسر يربط بين الإنسان الذي بنى الأهرامات قبل آلاف السنين، والإنسان المصري الذي يمتلك اليوم الإرادة والعلم ليقدم تراثه إلى العالم بأحدث ما وصلت إليه علوم المتاحف والتكنولوجيا.
إن عظمة المتحف لا تكمن في مساحته الهائلة أو في عدد القطع الأثرية التي يحتضنها، على الرغم من أن ذلك كله استثنائي، وإنما تكمن في الفلسفة التي قام عليها , فقد خرجت المتاحف الحديثة من مفهوم المخزن الذي تحفظ فيه الآثار، إلى مفهوم المؤسسة الثقافية التي تصنع المعرفة، وتبني الوعي، وتخاطب الإنسانية بلغاتها المختلفة. والمتحف المصري الكبير يجسد هذه الفلسفة بأفضل صورة ممكنة.
كل قطعة أثرية داخله ليست مجرد شاهد على الماضي، بل هي إنسان عاش، وحلم، وأحب، وعمل، وترك أثرًا. وكل قاعة هي فصل من كتاب طويل اسمه مصر , وكل زيارة ليست جولة سياحية، بل رحلة في تاريخ الإنسان نفسه، لأن الحضارة المصرية لم تكن حضارة المصريين وحدهم، وإنما كانت إحدى اللبنات الأساسية في بناء الحضارة الإنسانية.
إن إدراج المتحف المصري الكبير ضمن عجائب الدنيا المعاصرة سيكون أكثر من مجرد تكريم لمشروع معماري ناجح؛ سيكون اعترافًا عالميًا بأن الثقافة أصبحت إحدى أهم أدوات التنمية، وأن الحفاظ على التراث ليس ترفًا، بل استثمار في المستقبل , كما سيكون رسالة بأن القوة الناعمة لمصر لا تزال تنبع من حضارتها، وأن هذا التراث قادر على مخاطبة العالم بلغة يفهمها الجميع، هي لغة الإبداع والجمال والمعرفة.
ومن منظور أثري، يمثل المتحف نقطة تحول في تاريخ علم المصريات. فالمجموعات الأثرية التي ظلت لعقود موزعة بين المخازن والمتاحف المختلفة أصبحت الآن تُقرأ في سياق علمي واحد، يسمح بفهم أكثر عمقًا لتطور الحضارة المصرية عبر آلاف السنين , كما أن عرض المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون لأول مرة يمنح الباحثين والجمهور فرصة نادرة لرؤية قصة ملك كامل، لا مجرد مجموعة من الكنوز الذهبية.
ولا ينبغي أن يُنظر إلى المتحف بوصفه مشروعًا مصريًا فقط، بل بوصفه مشروعًا إنسانيًا , فالتراث المصري جزء من ذاكرة البشرية، وحمايته وعرضه مسؤولية أخلاقية وثقافية تتجاوز الحدود الجغرافية , ولهذا فإن كل زائر للمتحف، مهما كانت جنسيته أو ثقافته، يجد نفسه أمام سؤال واحد: كيف استطاع هذا الشعب أن يترك كل هذا الجمال، وكل هذه المعرفة، وكل هذه القدرة على تحدي الزمن؟
إن التصويت للمتحف المصري الكبير ليس تصويتًا لمصر وحدها، بل هو تصويت لفكرة أن الحضارة لا تموت، وأن الماضي يمكن أن يكون مصدرًا للمستقبل، وأن الثقافة قادرة على أن تجمع الشعوب أكثر مما تفرقها السياسة والاقتصاد.
لقد بنت مصر القديمة أعظم عجائب العالم القديم، وها هي مصر الحديثة تقدم للعالم صرحًا يليق بذلك التاريخ. وإذا كانت الأهرامات قد انتصرت على الزمن بالحجر، فإن المتحف المصري الكبير ينتصر عليه بالمعرفة , وإذا كانت الأولى قد أدهشت العالم بقوة البناء، فإن الثاني يدهشه بقوة الفكرة.
وهكذا، فإن المتحف المصري الكبير ليس مجرد متحف ينتظر أصوات العالم، بل هو شاهد جديد على أن مصر لا تزال تكتب فصلًا جديدًا في قصة الحضارة الإنسانية، وأنها ما زالت، كما كانت دائمًا، وطن الدهشة الأولى، وربما الدهشة القادمة أيضًا.


إقرأ المزيد :
الدكتور حسين عبد البصير يكتب : معبد طافا .. رحلة معبد مصري من ضفاف النيل إلى قلب أوروبا




