أخبار عاجلةالرأي
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : موزمبيق… من التحرير إلى السلام .. موندلاني وماشيل وتشيسانو… ثلاثة رجال صنعوا أمة ” 20 “
في تاريخ النضال الإفريقي، هناك دول ارتبط استقلالها باسم قائد واحد، وهناك دول أخرى كان استقلالها ثمرة مسيرة طويلة تعاقبت عليها أجيال من المناضلين, وتعد موزمبيق واحدة من أبرز هذه النماذج، حيث شارك ثلاثة من كبار أبنائها في صناعة تاريخها الحديث: إدواردو موندلاني، وسامورا ماشيل، وجواكيم تشيسانو , وقد جسد كل واحد منهم مرحلة من مراحل بناء الأمة؛ من ميلاد الحركة الوطنية، إلى انتصار الكفاح المسلح، وصولًا إلى تحقيق المصالحة والسلام.
خضعت موزمبيق لأكثر من أربعة قرون من الاستعمار البرتغالي، الذي تمسك بمستعمراته الإفريقية حتى وقت متأخر مقارنة ببقية القوى الأوروبية , وخلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين بدأت تتشكل حركة وطنية جديدة متأثرة بموجة التحرر التي اجتاحت القارة الإفريقية، وبرز في مقدمة هذه الحركة الأكاديمي والمفكر الوطني إدواردو موندلاني.
آمن موندلاني بأن شعب موزمبيق يمتلك الحق الكامل في تقرير مصيره، وسعى إلى توحيد الحركات الوطنية المختلفة تحت راية واحدة , وفي عام 1962 نجح في تأسيس جبهة تحرير موزمبيق “فريليمو”، التي أصبحت الإطار الجامع للكفاح الوطني ضد الاستعمار البرتغالي , وقد حظيت الحركة منذ نشأتها بدعم سياسي وإعلامي واسع من الدول الإفريقية المستقلة، وفي مقدمتها مصر بقيادة جمال عبد الناصر التي كانت تجعل من القاهرة عاصمة للنضال الإفريقي ومنبرًا لقضايا التحرر الوطني.
ومن القاهرة إلى دار السلام وأكرا والجزائر، وجدت القضية الموزمبيقية من يدافع عنها في المحافل الدولية , وأصبحت إذاعة القاهرة وصحفها ومنابرها السياسية نافذة مهمة لنقل صوت المناضلين الأفارقة إلى العالم.
لكن موندلاني لم يعش ليرى حلم الاستقلال يتحقق. ففي عام 1969 اغتيل في عملية نسبت إلى أجهزة مرتبطة بالاستعمار البرتغالي، ليتحول إلى رمز وطني وشهيد من شهداء التحرر الإفريقي , غير أن المشروع الذي أطلقه لم يتوقف برحيله، بل وجد من يحمله إلى ساحة المعركة.
وهنا برز اسم سامورا ماشيل، القائد العسكري الكاريزمي الذي تولى قيادة فريليمو وقاد حرب التحرير ضد القوات البرتغالية , وتميز ماشيل بشخصيته القوية وقدرته على تعبئة الجماهير، كما ارتبط بعلاقات وثيقة مع قادة التحرر الإفريقي وفي مقدمتهم جوليوس نيريري وكينيث كاوندا وأغوستينو نيتو.
وخلال سنوات الكفاح المسلح أصبحت موزمبيق جزءًا من جبهة التحرير الكبرى في الجنوب الإفريقي، إلى جانب أنغولا وناميبيا وزيمبابوي , وكانت القاهرة تتابع هذه التطورات باهتمام بالغ، وتواصل دعمها السياسي لقضايا التحرر الوطني في مختلف أنحاء القارة.
وجاءت اللحظة التاريخية في الخامس والعشرين من يونيو 1975 عندما أعلن استقلال موزمبيق ورفع علمها الوطني لأول مرة بعد قرون من السيطرة الاستعمارية , وأصبح سامورا ماشيل أول رئيس للجمهورية المستقلة، في مشهد جسد انتصار إرادة الشعوب على الاستعمار.
لكن الاستقلال لم يكن نهاية الطريق , فقد وجدت الدولة الجديدة نفسها في قلب صراعات إقليمية ودولية معقدة، ودخلت في حرب أهلية طويلة استنزفت مقدرات البلاد وأرهقت شعبها , وفي خضم هذه الظروف الصعبة توفي سامورا ماشيل عام 1986 في حادث طائرة ما زالت ملابساته موضع نقاش حتى اليوم.
وبعد رحيله انتقلت المسؤولية إلى جواكيم تشيسانو، أحد رجال جيل التحرير وأحد مؤسسي الدولة الموزمبيقية الحديثة , وقد أدرك تشيسانو أن أكبر انتصار يمكن تحقيقه لموزمبيق لم يعد عسكريًا بل سياسيًا وإنسانيًا، يتمثل في إنهاء الحرب وإعادة بناء الوطن.
لذلك اختار طريق الحوار والمصالحة الوطنية. وبعد سنوات من الجهود الدبلوماسية والسياسية نجح في التوصل إلى اتفاق السلام التاريخي عام 1992، الذي أنهى الحرب الأهلية وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية, وأصبحت موزمبيق مثالًا على قدرة الشعوب الإفريقية على تجاوز الصراعات وبناء مستقبل مشترك.
وهكذا تجسدت قصة موزمبيق في ثلاثة رجال وثلاث مراحل متكاملة. فإدواردو موندلاني جسد حلم الحرية، وسامورا ماشيل جسد معركة التحرير، وجواكيم تشيسانو جسد بناء السلام, وبين هؤلاء الثلاثة تمتد قصة أمة انتقلت من الاستعمار إلى الاستقلال، ومن الحرب إلى المصالحة.
كما تكشف هذه التجربة عن الدور التاريخي الذي لعبته القاهرة في دعم حركات التحرر الإفريقية , فالقاهرة لم تكن مجرد عاصمة عربية أو إفريقية كبرى، بل كانت بيتًا مفتوحًا للمناضلين الأفارقة ومنبرًا لقضاياهم، وشريكًا في معركة طويلة انتهت بتحرير معظم أنحاء القارة.
إن قصة موزمبيق ليست قصة ثلاثة قادة فحسب، بل قصة شعب آمن بحقه في الحرية وتمسك بحلمه رغم التضحيات, وهي تذكرنا بأن الأمم العظيمة لا يصنعها فرد واحد، بل تصنعها أجيال متعاقبة تتسلم الراية جيلاً بعد جيل حتى يتحقق الحلم الوطني.



إقرأ المزيد :




