أخبار عاجلةالرأي

رامي زهدي يكتب : سد جوليوس نيريري حين تتحول النوايا الطيبة إلى حقائق وأفعال

الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من جيوش أو احتياطيات نقدية أو معدلات نمو اقتصادي، وإنما تقاس أيضا بقدرتها على صناعة التنمية خارج حدودها، وبحجم الثقة التي تبنيها لدى شركائها، وبما تتركه من أثر إيجابي في مستقبل الشعوب، ومن هذه الزاوية تحديدا، يمثل مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا أحد أهم النماذج العملية التي قدمتها الدولة المصرية خلال العقود الأخيرة، ليس باعتباره مشروعا هندسيا ضخما فحسب، وإنما باعتباره تجسيدا حقيقيا لفلسفة مصر الجديدة في علاقتها بالقارة الإفريقية، وخاصة مع دول حوض النيل.

افتتاح المشروع بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جانب القيادة التنزانية لا يعكس فقط نجاح شركة مصرية في تنفيذ واحد من أكبر مشروعات البنية التحتية في إفريقيا، بل يعكس نجاح الدولة المصرية بأكملها في تقديم نموذج مختلف للتعاون الإفريقي، يقوم على التنمية المشتركة، واحترام السيادة الوطنية، وعدم فرض الإرادة السياسية، والإيمان بأن المصالح المستدامة لا تصنعها الضغوط، وإنما تصنعها الشراكات المنتجة.

ولعل القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن فقط في حجمه المالي أو الهندسي، وإنما في رسالته السياسية والاستراتيجية، فبينما اعتادت بعض القوى الدولية والإقليمية توظيف الأنهار كمصدر للصراع والنفوذ، اختارت مصر أن تجعل من المياه مدخلا للتنمية، ومن الطاقة جسرا للتعاون، ومن الخبرة المصرية أداة لبناء مستقبل أكثر استقرارا للقارة بأسرها.

سد جوليوس نيريري يعد من أكبر مشروعات الطاقة الكهرومائية في شرق إفريقيا، حيث تبلغ قدرته الإنتاجية نحو 2115 ميجاوات، وهو ما يعادل عدة أضعاف القدرة الكهربائية الحالية في تنزانيا قبل المشروع، بما يسمح بمضاعفة إنتاج الكهرباء في الدولة بصورة غير مسبوقة، كما يمتد السد على نهر روفيجي، ويصل طوله إلى أكثر من ألف متر، بينما يبلغ ارتفاعه نحو 134 مترا، ويضم تسعة توربينات لتوليد الكهرباء، في مشروع تجاوزت تكلفته 2.9 مليار دولار، ونفذته شركتان مصريتان هما المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، في إنجاز يعكس المستوى الذي وصلت إليه الشركات المصرية في تنفيذ المشروعات العملاقة داخل القارة.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الأرقام باعتبارها مجرد بيانات هندسية، بل باعتبارها مؤشرات على تحول نوعي في مفهوم القوة المصرية، فحين تمتلك دولة القدرة على تصدير خبراتها الهندسية، وإدارة مشروعات بهذا الحجم، والالتزام بجداول زمنية معقدة رغم تحديات التمويل وجائحة كورونا والظروف الاقتصادية العالمية، فإنها لا تصدر خدمات مقاولات فقط، وإنما تصدر الثقة والكفاءة والاعتمادية.

وتشير تقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية إلى أن المشروع سيسهم في رفع معدلات إمدادات الكهرباء داخل تنزانيا بصورة كبيرة، ويوفر الطاقة اللازمة للتوسع الصناعي والزراعي والتعديني، ويخفض الاعتماد على مصادر الطاقة مرتفعة التكلفة، كما يفتح المجال أمام استثمارات محلية وأجنبية جديدة، ويخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ويعزز قدرة الاقتصاد التنزاني على تحقيق معدلات نمو أكثر استدامة خلال السنوات المقبلة.

ومن زاوية أخرى، فإن هذا المشروع يقدم درسا مهما في فهم طبيعة الأمن القومي المصري، فهناك من يحصر مفهوم الأمن القومي في الحدود العسكرية فقط، بينما تؤكد التجربة المصرية الحديثة أن الأمن القومي يبدأ أيضا من التنمية، ومن بناء شبكات المصالح الاقتصادية، ومن الاستثمار في الاستقرار الإقليمي، ومن ترسيخ صورة مصر باعتبارها شريكا يعتمد عليه، لا طرفا يسعى إلى الهيمنة.

أدركت القيادة السياسية المصرية خلال السنوات الأخيرة أن إفريقيا لا تحتاج إلى خطابات عاطفية بقدر ما تحتاج إلى مشروعات حقيقية، ولذلك شهدت العلاقات المصرية الإفريقية طفرة غير مسبوقة منذ عام 2014، سواء من خلال مئات البرامج التدريبية التي تنظمها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، أو عبر المنح الدراسية، أو مشروعات الصحة والتعليم، أو البنية التحتية، أو الربط الكهربائي، أو التعاون الزراعي، أو برامج بناء القدرات، وصولا إلى تنفيذ مشروعات استراتيجية عملاقة مثل سد جوليوس نيريري.

كما أن المشروع يوجه رسالة مهمة إلى دول حوض النيل، مفادها أن مصر ليست دولة تعارض التنمية، كما حاول البعض الترويج لسنوات، وإنما كانت ولا تزال من أكبر الداعمين لحق الشعوب الإفريقية في التنمية المستدامة، لكن الفارق الجوهري أن القاهرة تفرق بوضوح بين التنمية المشروعة التي تحقق المصالح المشتركة وتحترم قواعد القانون الدولي، وبين الإجراءات الأحادية التي تهدد الأمن المائي لدول أخرى وتخلق أزمات كان يمكن تجنبها بالحوار والتوافق.

ومن هنا تكتسب التجربة التنزانية أهمية استثنائية، فتنزانيا لم تنظر إلى مصر باعتبارها طرفا في خلافات مائية، وإنما باعتبارها شريكا قادرا على نقل التكنولوجيا والخبرة والكوادر البشرية، ومساندة خطط التنمية الوطنية، ومصر بدورها تعاملت مع المشروع باعتباره استثمارا في مستقبل العلاقات الثنائية وفي مستقبل القارة، وليس مجرد عقد تجاري محدود بزمن التنفيذ.

ويكشف المشروع أيضا عن تطور كبير في أدوات السياسة الخارجية المصرية، التي أصبحت تمزج بين الدبلوماسية السياسية والدبلوماسية الاقتصادية والدبلوماسية التنموية، فلم تعد السفارات وحدها هي التي تدير العلاقات، وإنما أصبحت الشركات الوطنية، والمؤسسات المالية، والخبرات الفنية، ومراكز التدريب، والجامعات، أدوات فاعلة في بناء النفوذ الإيجابي للدولة.

وتؤكد بيانات التجارة البينية أن حجم التبادل التجاري بين مصر والدول الإفريقية تجاوز 10 مليارات دولار خلال الأعوام الأخيرة، مع استمرار الاتجاه التصاعدي، بينما ارتفع عدد الشركات المصرية العاملة داخل القارة بصورة ملحوظة، كما توسعت الاستثمارات المصرية في قطاعات التشييد والطاقة والدواء والصناعات الغذائية والاتصالات والخدمات المالية، ورغم أن هذه الأرقام لا تزال أقل كثيرا من الإمكانات الحقيقية للقارة، فإنها تعكس اتجاها استراتيجيا واضحا نحو إعادة التموضع المصري داخل إفريقيا،

ومن المهم كذلك الإشارة إلى أن القارة الإفريقية تضم أكثر من 1.5 مليار نسمة، ومن المتوقع أن يتجاوز عدد سكانها 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، كما تمتلك نحو 30 في المئة من الثروات المعدنية العالمية، ونحو 60 في المئة من الأراضي الزراعية غير المستغلة في العالم، فضلا عن واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة على مستوى العالم من حيث عدد الدول المشاركة، وهو ما يجعل الاستثمار في العلاقات الإفريقية استثمارا في المستقبل وليس مجرد خيار سياسي عابر.

إن القيمة الحقيقية لسد جوليوس نيريري تكمن في أنه يقدم نموذجا مغايرا للعلاقة بين الأشقاء في إفريقيا، فهو لا يقوم على استنزاف الموارد، ولا على تصدير الأزمات، ولا على فرض الإرادات، وإنما على بناء القدرات، ونقل الخبرات، وتحقيق المنافع المتبادلة، وهذا هو النموذج الذي تحتاجه القارة إذا أرادت أن تتحول من ساحة للتنافس الدولي إلى فاعل رئيسي في الاقتصاد العالمي.

كما أن المشروع يبرهن على أن القوة الناعمة المصرية لم تعد مقتصرة على الثقافة والفنون والتعليم، وإنما أصبحت تمتد إلى الهندسة والطاقة والبنية التحتية والإدارة والتخطيط والتنفيذ. وهذه هي القوة الأكثر استدامة، لأنها ترتبط بحياة المواطنين اليومية، وتبقى آثارها لعقود طويلة.

ومن منظور استراتيجي، فإن كل مشروع تنفذه مصر في إفريقيا هو استثمار مزدوج، يحقق التنمية للدولة الشقيقة، ويعزز في الوقت ذاته مكانة مصر الإقليمية، ويزيد من رصيدها السياسي، ويفتح أسواقا جديدة لاقتصادها الوطني، ويوفر فرص عمل للكوادر المصرية، ويعمق شبكة المصالح المشتركة التي أصبحت تمثل أحد أهم أدوات الحفاظ على الأمن والاستقرار في الإقليم.

إن المستقبل لن يكون للأكثر ضجيجا، وإنما للأكثر قدرة على البناء، ولن يكون للأكثر امتلاكا للشعارات، وإنما للأكثر امتلاكا للمشروعات، وسد جوليوس نيريري يثبت أن مصر اختارت طريق الفعل لا القول، وطريق التنمية لا الاستقطاب، وطريق الشراكة لا الوصاية، ولذلك فإن هذا المشروع سيبقى علامة فارقة في سجل العلاقات المصرية الإفريقية، ودليلا على أن القاهرة حين تتحدث عن دعم التنمية في دول حوض النيل، فإنها لا تقدم وعودا سياسية، بل تقدم نماذج عملية يمكن قياسها بالأرقام، ورؤيتها على أرض الواقع، ولمس أثرها في حياة ملايين المواطنين.

 

  • رامي زهدي .. خبير في الشؤون الإفريقية .

إقرأ المزيد :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : المعلم جوليوس نيريري … ضمير إفريقيا وصانع الأمة التنزانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى