أخبار عاجلةالرأي

رامي زهدي يكتب: مصر و إفريقيا في عصر الاستثمارات الصينية.. إعادة تشكيل موازين النفوذ وبناء شراكات المستقبل

لم تعد قارة إفريقيا في القرن الحادي والعشرين مجرد ساحة للتنافس الدولي على الموارد الطبيعية أو سوقا استهلاكية واعدة تبحث عن التمويل الخارجي، بل أصبحت أحد أهم ميادين إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، حيث تتقاطع فيها المصالح الجيوسياسية مع التحولات الاقتصادية الكبرى، وتلتقي فيها احتياجات التنمية الإفريقية مع طموحات القوى الدولية الباحثة عن موطئ قدم في قارة تمتلك مقومات المستقبل.

وفي قلب هذا التحول تبرز الصين باعتبارها أحد أكثر الفاعلين الدوليين حضورا وتأثيرا في إفريقيا خلال العقود الأخيرة، ليس فقط من خلال حجم الاستثمارات والتجارة، ولكن عبر نموذج متكامل يقوم على البنية التحتية والطاقة والنقل والمناطق الصناعية والتكنولوجيا والتمويل، وهو ما جعل الحضور الصيني في إفريقيا يتجاوز مفهوم الشراكة الاقتصادية التقليدية إلى بناء شبكة مصالح استراتيجية طويلة الأمد.

ومن هنا تأتي أهمية قراءة العلاقة المصرية الإفريقية في عصر الاستثمارات الصينية، ليس باعتبارها منافسة بين طرفين، وإنما باعتبارها فرصة لإعادة صياغة دور مصر داخل القارة، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وثقلها السياسي، وخبراتها الاقتصادية، وقدرتها على أن تكون حلقة وصل بين إفريقيا والعالم، وبين الشرق والغرب، وبين الأسواق الإفريقية الواعدة ومراكز الإنتاج العالمية، حيث شهد الحضور الصيني في إفريقيا تصاعدا كبيرا منذ إطلاق منتدى التعاون الصيني الإفريقي عام 2000، حيث تحولت بكين خلال سنوات قليلة إلى أكبر شريك تجاري للقارة الإفريقية، إذ تجاوز حجم التجارة الصينية الإفريقية حاجز 280 مليار دولار سنويا في السنوات الأخيرة، مقارنة بأقل من 10 مليارات دولار قبل بداية الألفية، كما أصبحت الشركات الصينية حاضرة في آلاف المشروعات داخل القارة، من خطوط السكك الحديدية والموانئ إلى محطات الكهرباء والاتصالات والمناطق الاقتصادية الخاصة.

وتشير التقديرات إلى أن الصين نفذت أو شاركت في بناء نسبة كبيرة من مشروعات البنية التحتية الإفريقية خلال العقدين الماضيين، حيث لعبت الشركات الصينية دورا رئيسيا في مشروعات الطرق والكهرباء والمطارات والموانئ، وهو ما يعكس طبيعة النموذج الصيني القائم على ربط التمويل بالتنفيذ وبناء القدرات الإنتاجية.

لكن قراءة المشهد الإفريقي لا ينبغي أن تتوقف عند حجم الأرقام فقط، فالقضية الأهم ليست من يستثمر أكثر، وإنما من يستطيع تحويل الاستثمار إلى قيمة مضافة مستدامة تعزز استقلال القرار الاقتصادي للدول الإفريقية، وتدعم التصنيع المحلي، وتخلق فرص العمل، وتنقل التكنولوجيا والخبرات.

وهنا تظهر أهمية الدور المصري، فمصر لا تنظر إلى إفريقيا باعتبارها مجالا للاستثمار الخارجي فقط، بل باعتبارها امتدادا استراتيجيا وأمنيا واقتصاديا، وتدرك أن مستقبل القارة لن يتحدد فقط بحجم التمويلات القادمة إليها، وإنما بقدرتها على بناء اقتصاد منتج ومترابط قادر على تحقيق التنمية الحقيقية، والتحول الصيني في إفريقيا يفتح أمام مصر مجموعة من الفرص المهمة، خاصة في ظل امتلاك مصر خبرات كبيرة في قطاعات يمكن أن تتكامل مع الاحتياجات الإفريقية، مثل الطاقة، والإنشاءات، والنقل، والصناعات الغذائية، والدواء، والبنية الأساسية، والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات تمثل العمود الفقري لأي استراتيجية تنموية في القارة.

كما أن وجود الاستثمارات الصينية في إفريقيا يمكن أن يمثل فرصة لتعزيز التعاون الثلاثي بين مصر والصين والدول الإفريقية، بحيث تتحول مصر إلى منصة إقليمية للإنتاج والتصنيع والتصدير، مستفيدة من موقعها في قلب طرق التجارة العالمية، ومن امتلاكها قناة السويس، والمناطق الاقتصادية المرتبطة بها، والقدرات الصناعية التي يمكن تطويرها لخدمة الأسواق الإفريقية، فالاقتصاد العالمي يتجه بشكل متزايد نحو بناء سلاسل إمداد إقليمية، ولم تعد ميزة الدول فقط في امتلاك الموارد، وإنما في القدرة على ربط الموارد بالتصنيع والأسواق، وهنا تمتلك مصر فرصة تاريخية لتكون أحد المراكز التي تربط الاستثمار الصيني بالاحتياجات الإفريقية، خاصة مع دخول اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية حيز التنفيذ، والتي تستهدف إنشاء أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة، حيث تضم 55 دولة ويصل حجم سوقها إلى أكثر من 1.4 مليار نسمة.

لكن الاستفادة من عصر الاستثمارات الصينية في إفريقيا تحتاج إلى رؤية استراتيجية تتجاوز منطق استقبال الاستثمارات إلى إدارة الشراكات، فالمطلوب ليس فقط جذب رؤوس الأموال، وإنما ضمان توطين التكنولوجيا، وزيادة المكون المحلي، وربط المشروعات الاستثمارية بخطط التنمية الوطنية والقارية.

وهنا تأتي أهمية الدبلوماسية الاقتصادية المصرية التي يجب أن تعمل على تحويل العلاقات السياسية المتميزة مع الصين إلى شراكات إنتاجية أكثر عمقا، فالعالم اليوم لا يبني النفوذ فقط عبر التحالفات السياسية، وإنما عبر شبكات المصالح الاقتصادية والتجارية، والصين نفسها لا تنظر إلى إفريقيا من منظور اقتصادي ضيق فقط، بل تدرك القيمة الجيوسياسية للقارة، خاصة في ظل امتلاكها موارد استراتيجية، وموقعا جغرافيا مهما، وسواحل ممتدة على المحيطين الأطلسي والهندي والبحر الأحمر، إضافة إلى كونها أحد أكبر مخازن الثروات المعدنية والطاقة المتجددة في العالم.

وتزداد أهمية هذا الأمر مع تصاعد التنافس الدولي على المعادن الحيوية اللازمة للتحول الرقمي والطاقة النظيفة، مثل الكوبالت والليثيوم والنحاس والعناصر الأرضية النادرة، وهي موارد تجعل إفريقيا جزءا أساسيا من معادلة الاقتصاد العالمي الجديد.

ومن هنا فإن مصر مطالبة بتعظيم دورها كدولة إفريقية محورية قادرة على الجمع بين الخبرة العربية والإفريقية والموقع الاستراتيجي والقدرات الاقتصادية، وأن تعمل على بناء نموذج شراكة يركز على التنمية المشتركة وليس فقط التبادل التجاري.

كما أن القطاع الخاص المصري يجب أن يكون لاعبا رئيسيا في هذه المرحلة، فالحضور الاقتصادي في إفريقيا لا يمكن أن يعتمد فقط على الحكومات، بل يحتاج إلى شركات قادرة على المنافسة، وإلى أدوات تمويل وتأمين واستثمار تساعدها على دخول الأسواق الإفريقية بثقة واستدامة.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن النفوذ الاقتصادي هو أحد أهم مصادر القوة في النظام العالمي الجديد، وأن الدول التي تصنع شبكاتها التجارية والاستثمارية هي الأكثر قدرة على حماية مصالحها وتعزيز مكانتها، ولذلك فإن معركة المستقبل في إفريقيا لن تكون فقط حول امتلاك الموارد، وإنما حول امتلاك القدرة على تحويل الموارد إلى تنمية وتأثير.

وفي هذا السياق، فإن العلاقة المصرية الصينية في إفريقيا يمكن أن تمثل نموذجا مهما إذا ما تم تطويرها من شراكة اقتصادية تقليدية إلى شراكة استراتيجية تقوم على التكامل، بحيث تستفيد الصين من الموقع والقدرات المصرية، وتستفيد مصر من الخبرات والتمويلات الصينية، وتستفيد إفريقيا من مشروعات تنموية تحقق قيمة حقيقية لشعوبها.

إن إفريقيا ليست قارة الفرص المؤجلة كما كان ينظر إليها البعض في الماضي، بل أصبحت قارة التحولات الكبرى، ومسرحا لصناعة مستقبل الاقتصاد العالمي، ومن يمتلك رؤية واضحة للتعامل معها اليوم سيكون أكثر قدرة على التأثير غدا.

ومصر بحكم تاريخها الإفريقي، وموقعها الجغرافي، وثقلها السياسي، وقدرتها الاقتصادية، تمتلك كل المقومات لتكون أحد أهم محاور الربط بين إفريقيا والصين، وبين الجنوب العالمي ومراكز الاقتصاد الدولي، شريطة أن تتحول الفرص المتاحة إلى سياسات عملية، وأن يصبح الاستثمار في إفريقيا جزءا من مشروع استراتيجي طويل المدى يعزز مكانة مصر ودورها القاري.

فالمرحلة المقبلة لن تكون لمن يملك الموارد فقط، بل لمن يملك القدرة على بناء الشراكات الذكية وإدارة المصالح المتشابكة وصناعة النفوذ من خلال الاقتصاد والمعرفة والتنمية.

 

* رامي زهدي .. خبير مصري في الشؤون الأفريقية.

 

طالع أيضاً 

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : فتحي الديب… مهندس العلاقات المصرية مع حركات التحرر الإفريقية .. ورجل المهام الإستراتيجية في عهد عبد الناصر 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى