الدكتورة مروة عبد الرؤوف سلطان تكتب : المرأة الأفريقية والظهور العالمي .. من التمكين المحلي إلى التأثير الدولي
شهدت القارة الأفريقية تحولات متسارعة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، انعكست بوضوح على مكانة المرأة ودورها في مختلف مجالات الحياة العامة، فبعد أن ارتبطت صورة المرأة الأفريقية، لفترات طويلة، بقضايا الفقر والتهميش والصراعات، برزت خلال السنوات الأخيرة نماذج نسائية استطاعت أن تثبت حضورها في مجالات القيادة السياسية، والدبلوماسية، وريادة الأعمال، والعلوم، والثقافة، والرياضة، لتغدو شريكًا فاعلًا في مسيرة التنمية داخل القارة، وصوتًا مؤثرًا في المحافل الإقليمية والدولية .
وقد جاء هذا التحول نتيجة مسار تراكمي من الإصلاحات والسياسات التنموية التي استهدفت تعزيز مكانة المرأة الأفريقية، من خلال تطوير الأطر التشريعية، وتوسيع فرص التعليم والعمل، وزيادة المشاركة في مواقع صنع القرار، فضلًا عن تبني مبادرات واستراتيجيات تنموية أكدت أن تحقيق التنمية المستدامة لا يمكن أن يتم بمعزل عن المشاركة الفاعلة للمرأة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تناول مسار الحضور العالمي للمرأة الأفريقية، من خلال استعراض العلاقة بين التمكين المحلي وتعزيز حضورها على الساحة الدولية، مع إبراز أبرز مجالات تأثيرها، والتحديات التي لا تزال تواجهها، فضلًا عن استشراف آفاق توسيع دورها في دعم التنمية وترسيخ مكانة القارة الأفريقية في النظام الدولي.
أولاً: التمكين المحلي بوصفه مدخلاً للظهور العالمي
يمثل التمكين المحلي الركيزة الأساسية التي انطلقت منها المرأة الأفريقية نحو تعزيز حضورها على المستويين الإقليمي والدولي، إذ إن اكتسابها أدواراً أكثر فاعلية داخل مجتمعاتها أسهم في توسيع نطاق مشاركتها في مختلف المجالات، ومن ثم انتقال تأثيرها إلى الساحة العالمية. ولم يعد مفهوم التمكين يقتصر على تحسين أوضاع المرأة اجتماعياً أو اقتصادياً، بل أصبح يشمل تعزيز قدراتها على المشاركة في صنع القرار، وتكافؤ الفرص، وضمان الحماية القانونية، إتاحة فرص التعليم والعمل والقيادة.
وخلال العقود الأخيرة، شهدت العديد من الدول الأفريقية تطوراً ملحوظاً في السياسات العامة الداعمة لتمكين المرأة، من خلال تبني إصلاحات تشريعية هدفت إلى تعزيز المساواة بين الجنسين، وإزالة القيود التي تحد من مشاركة المرأة في الحياة العامة. كما أسهم إدراج قضايا المرأة ضمن الخطط الوطنية للتنمية، إلى جانب الاهتمام المتزايد من جانب الحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية في توفير بيئة أكثر دعماً لمشاركة المرأة في مختلف القطاعات.
ويعد التعليم أحد أهم مرتكزات هذا التمكين، إذ أدى ارتفاع معدلات التحاق الفتيات بمراحل التعليم المختلفة إلى زيادة فرص المرأة في سوق العمل، وتعزيز مشاركتها في المجالات العلمية والمهنية والإدارية. كما ساعد الاستثمار في بناء القدرات وتنمية المهارات القيادية على إعداد كوادر نسائية قادرة على تولي المناصب القيادية والمساهمة في رسم السياسات العامة.
وعلى الصعيد السياسي، شهدت القارة الأفريقية تطورًا لافتًا في مستوى مشاركة المرأة في البرلمانات والحكومات والإدارات المحلية، بل ووصلت العديد من النساء إلى مواقع قيادية رفيعة، وهو ما يعكس التحول التدريجي في النظرة إلى دور المرأة باعتبارها شريكًا أساسيًا في عملية التنمية وصنع القرار، وليس مجرد مستفيدة من سياسات التمكين.
وإلى جانب ذلك، أسهم التمكين الاقتصادي في تعزيز استقلالية المرأة الأفريقية، من خلال دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع فرص ريادة الأعمال، والاستفادة من التحول الرقمي والخدمات المالية الحديثة، الأمر الذي مكّن العديد من النساء من تأسيس مشروعات ناجحة أسهمت في تحسين أوضاعهن الاقتصادية وتعزيز مساهمتهن في الاقتصاد الوطني.
وعليه، فإن ما حققته المرأة الأفريقية من إنجازات على المستوى المحلي لم يكن غاية في حد ذاته، وإنما شكّل نقطة الانطلاق نحو بناء حضور أكثر تأثيرًا على المستويين الإقليمي والدولي، وهو ما يتضح من اتساع أدوارها في مجالات السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والعلوم والثقافة.
ثانياً: مظاهر الحضور العالمي للمرأة الأفريقية
لم يعد حضور المرأة الأفريقية مقتصرًا على نطاقها الوطني أو الإقليمي، بل امتد ليشمل مختلف المحافل الدولية، في ظل التحولات التي شهدتها القارة خلال العقود الأخيرة، وما صاحبها من تزايد الاهتمام بتمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مختلف مجالات الحياة العامة. وقد انعكس ذلك في بروز العديد من النماذج النسائية التي استطاعت أن تفرض حضورها على الساحة العالمية، مؤكدة أن المرأة الأفريقية أصبحت شريكًا أساسيًا في صناعة القرار ودفع عجلة التنمية.
وفي المجال السياسي، حققت المرأة الأفريقية إنجازات بارزة من خلال توليها مناصب قيادية رفيعة، سواء على مستوى رئاسة الدول أو الحكومات أو البرلمانات، فضلًا عن تزايد تمثيلها في المؤسسات الإقليمية والدولية. وأسهم هذا الحضور في تعزيز دور القارة الأفريقية في القضايا الدولية، وإبراز قدرة القيادات النسائية على إدارة الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية بكفاءة، بما يعكس تطور البيئة السياسية في العديد من الدول الأفريقية. ويبرز في هذا السياق عدد من النماذج القيادية، من بينها إلين جونسون سيرليف، أول امرأة تُنتخب رئيسة لدولة أفريقية، إلى جانب سامية حسن، رئيسة تنزانيا، اللتين قدمتا نموذجًا يعكس تنامي حضور المرأة في قيادة مؤسسات الدولة والمشاركة في صنع القرار.
كما برزت المرأة الأفريقية في المجال الدبلوماسي، حيث شاركت بفاعلية في أعمال المنظمات الإقليمية والدولية، وأسهمت في جهود الوساطة وتسوية النزاعات، إلى جانب مشاركتها في صياغة المبادرات المتعلقة بقضايا السلم والأمن والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان. وقد عزز هذا الدور من مكانة المرأة الأفريقية باعتبارها فاعلًا مؤثرًا في القضايا الإقليمية والدولية، وليس مجرد طرف مستفيد من برامج التنمية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، استطاعت المرأة الأفريقية أن تثبت قدرتها على قيادة المشروعات وريادة الأعمال، مستفيدة من التوسع في استخدام التكنولوجيا الرقمية والخدمات المالية الحديثة، الأمر الذي أتاح لها فرصًا أكبر للوصول إلى الأسواق المحلية والدولية. كما ساهمت العديد من رائدات الأعمال في دعم الاقتصاد الوطني، وخلق فرص عمل، وتعزيز الابتكار، بما انعكس إيجابًا على معدلات النمو والتنمية في عدد من الدول الأفريقية. كما يمثل وصول نجوزي أوكونجو إيويالا إلى منصب المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نموذجًا بارزًا لقدرة المرأة الأفريقية على الوصول إلى مواقع القيادة في المؤسسات الاقتصادية الدولية، بما يعكس تنامي حضورها وتأثيرها في قضايا الاقتصاد العالمي.
وامتد الحضور العالمي للمرأة الأفريقية إلى مجالات العلوم والتكنولوجيا والثقافة والرياضة، حيث حققت العديد من الباحثات والمبدعات والرياضيات إنجازات دولية عززت الصورة الإيجابية للقارة، وأسهمت في تغيير العديد من الصور النمطية التي ارتبطت بالمرأة الأفريقية لعقود طويلة. كما أصبح للمرأة الأفريقية حضور متزايد في المؤتمرات الدولية، والمنتديات الاقتصادية، والهيئات الأممية، بما يعكس اتساع نطاق تأثيرها على المستوى العالمي.
وفي المجال الثقافي، أسهمت الكاتبة النيجيرية تشيماماندا نغوزي أديتشي في نقل قضايا المرأة والمجتمعات الأفريقية إلى جمهور عالمي من خلال أعمالها الأدبية، بما جعلها إحدى أبرز الأصوات الثقافية الأفريقية على الساحة الدولية.
ويمكن القول إن هذا الحضور لم يكن نتيجة إنجازات فردية فحسب، وإنما جاء ثمرةً لجهود متواصلة في مجال تمكين المرأة، وتطوير السياسات العامة، والاستثمار في التعليم وبناء القدرات، وهو ما أسهم في انتقال المرأة الأفريقية من مرحلة المطالبة بالمشاركة إلى مرحلة التأثير الفعلي في صناعة السياسات والإسهام في مواجهة التحديات العالمية، الأمر الذي يجعل من استمرار دعم هذا المسار ضرورة لتعزيز مكانة المرأة الأفريقية ودورها في المستقبل.
ثالثاً: التحديات أمام تعزيز الحضور العالمي
على الرغم من الإنجازات التي حققتها المرأة الأفريقية على المستويين المحلي والدولي، فإن مسيرة تعزيز حضورها العالمي لا تزال تواجه مجموعة من التحديات الهيكلية والمؤسسية التي تؤثر بدرجات متفاوتة في فرص مشاركتها واستمرار تأثيرها. وتختلف طبيعة هذه التحديات من دولة إلى أخرى، إلا أنها تشترك في كونها تحد من الاستفادة الكاملة من القدرات والإمكانات التي تمتلكها المرأة الأفريقية.
ويأتي في مقدمة هذه التحديات استمرار التفاوت في فرص التعليم والتدريب والعمل بين المناطق الحضرية والريفية في عدد من الدول الأفريقية، فضلًا عن محدودية الوصول إلى الموارد المالية والتكنولوجية، وهو ما يؤثر في قدرة العديد من النساء على تطوير مشروعاتهن أو الاندماج في الاقتصاد الرقمي والاستفادة من الفرص التي يتيحها.
كما لا تزال بعض الأنماط الثقافية والاجتماعية التقليدية تمثل عائقًا أمام وصول المرأة إلى مواقع صنع القرار في بعض المجتمعات، إلى جانب استمرار الفجوة في التمثيل القيادي داخل بعض القطاعات السياسية والاقتصادية، رغم ما شهدته القارة من تقدم ملحوظ في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة.
ومن ناحية أخرى، ما زالت النزاعات المسلحة، والأزمات الإنسانية، وتداعيات التغيرات المناخية، تشكل تحديات إضافية تؤثر بصورة مباشرة في أوضاع النساء والفتيات في عدد من الدول الأفريقية، بما ينعكس على فرص التعليم والعمل والاستقرار الاجتماعي، ويحد من قدرتهن على المشاركة الفاعلة في جهود التنمية.
ورغم هذه التحديات، فإن المؤشرات الراهنة تعكس وجود فرص واعدة لتعزيز الحضور العالمي للمرأة الأفريقية، خاصة في ظل التوسع في التحول الرقمي، والاهتمام المتزايد بريادة الأعمال، وتنامي المبادرات الإقليمية والدولية الداعمة لتمكين المرأة، فضلًا عن اتساع مشاركة النساء في مجالات الابتكار والبحث العلمي والدبلوماسية وصنع السياسات العامة.
وفي ضوء ذلك، فإن تعزيز الظهور العالمي للمرأة الأفريقية يتطلب مواصلة تطوير السياسات الداعمة للمساواة وتكافؤ الفرص، والاستثمار في التعليم وبناء القدرات، وتوسيع فرص المشاركة في مواقع القيادة، بما يسهم في ترسيخ دور المرأة باعتبارها شريكًا رئيسيًا في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز المكانة الدولية للقارة الأفريقية.
ختامًا، يتضح أن الظهور العالمي للمرأة الأفريقية لم يكن نتاجًا لتحولات عابرة، بل جاء نتيجة مسار متدرج من التمكين المحلي، ارتكز على تطوير التشريعات، وتوسيع فرص التعليم والعمل، وتعزيز المشاركة في الحياة العامة وصنع القرار. وقد أسهم هذا المسار في بروز المرأة الأفريقية بوصفها فاعلًا مؤثرًا في مجالات السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والثقافة والعلوم، بما يعكس التحولات التي تشهدها القارة الأفريقية على مختلف المستويات.
ومع استمرار الجهود الرامية إلى معالجة التحديات القائمة، وتعزيز السياسات الداعمة للمساواة وتكافؤ الفرص، تبدو آفاق توسيع التأثير الدولي للمرأة الأفريقية أكثر اتساعًا، بما يعزز دورها في تحقيق التنمية المستدامة، ويؤكد أن الاستثمار في قدرات المرأة ليس خيارًا تنمويًا فحسب، بل يمثل ركيزة أساسية لتعزيز المكانة الإقليمية والدولية للقارة الأفريقية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.
* الدكتورة مروة عبد الرؤوف سلطان .. ماجيستير الدراسات الإفريقية- جامعة القاهرة
طالع أيضاً




