تحركات مصر في القرن الأفريقي.. لماذا تكثف القاهرة جهودها لتعزيز الأمن الإقليمي وحماية البحر الأحمر ودعم وحدة الصومال؟

الدكتور رمضان قرني: القاهرة تقود تحركًا دبلوماسيًا متعدد الأبعاد لترسيخ الاستقرار في القرن الأفريقي وحماية أمن البحر الأحمر ودعم سيادة الصومال
شهدت العاصمة المصرية القاهرة، اليوم الأحد، سلسلة من الاجتماعات الدبلوماسية المكثفة، عقدها الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، مع كل من عثمان صالح وزير خارجية إريتريا، وعبد السلام عبدي علي وزير خارجية جمهورية الصومال الفيدرالية، إضافة إلى اجتماعه مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية ,وتأتي هذه اللقاءات في إطار التحركات المصرية المتواصلة لتعزيز السلم والأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وتكثيف التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين بشأن القضايا الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها أمن البحر الأحمر، والأوضاع في الصومال والسودان.
خبير: القرن الأفريقي يحتل مكانة متقدمة في السياسة الخارجية المصرية
أكد الدكتور رمضان قرني، الخبير في الشؤون الأفريقية، في تصريحات خاصة لـ”أفرو نيوز 24″، أن منطقة القرن الأفريقي باتت خلال السنوات الأخيرة تحتل مكانة متقدمة على أجندة السياسة الخارجية المصرية، انطلاقًا من مجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية والجيوسياسية , موضحا أن هذه الأهمية تنبع من كون القرن الأفريقي يمثل امتدادًا طبيعيًا للأمن القومي المصري، نظرًا لارتباطه المباشر بأمن الممرات المائية الدولية، والمدخل الجنوبي لقناة السويس، فضلًا عن العلاقات الاستراتيجية التي تربط مصر بعدد من الدول المطلة على المنطقة.
وأشار إلى أن هذا التوجه تجسد في رفع مستوى العلاقات المصرية مع كل من إريتريا والصومال إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، إلى جانب تعميق التعاون مع جيبوتي باعتبارها إحدى الدول المحورية في القرن الأفريقي، مع تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية معها.
قمة أسمرة 2024 أسست لنظام إقليمي جديد في القرن الأفريقي
وأوضح الدكتور رمضان قرني الخبير في الشؤون الأفريقية أن الاهتمام المصري بمنطقة القرن الأفريقي يتسم بتعدد أبعاده، مشيرًا إلى أن قمة أسمرة عام 2024 مثلت محطة مفصلية في هذا المسار، حيث جمعت الرئيس عبد الفتاح السيسي، والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود , مشيرا إلي أن هذه القمة أرست أسس نظام إقليمي جديد للأمن في القرن الأفريقي، يقوم على مجموعة من المبادئ الرئيسية، أبرزها , احترام قواعد القانون الدولي , واحترام سيادة الدول , والحفاظ على الدولة الوطنية , وتقديم الدعم السياسي والأمني والعسكري للصومال للحفاظ على وحدة أراضيه وسلامتها.
وأكد الخبير في الشؤون الأفريقية أن قمة أسمرة، بجهود مصرية وإريترية وصومالية مشتركة، شكلت نقطة انطلاق نحو بناء منظومة إقليمية قادرة على التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه المنطقة.
التعاون الاقتصادي ركيزة أساسية في التحرك المصري
وأشار الدكتور رمضان قرني إلى أن البعد الاقتصادي يمثل أحد أهم محاور التحرك المصري تجاه القرن الأفريقي، موضحًا أن القاهرة عملت على توسيع التعاون الاقتصادي مع الصومال وجيبوتي وإريتريا من خلال العديد من الاتفاقيات والمشروعات المشتركة.
وأضاف أن الزيارات المتبادلة بين قادة هذه الدول، ومن بينها الزيارة التاريخية للرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جيبوتي، أسفرت عن توقيع اتفاقيات مهمة شملت:
- التعاون في تطوير الموانئ.
- إنشاء المناطق اللوجستية.
- فتح خطوط طيران مباشرة.
- التوسع في افتتاح فروع للبنوك المصرية.
- تعزيز التعاون التجاري والاستثماري.
وأكد أن هذه الخطوات تعكس رؤية مصر لبناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد مع دول القرن الأفريقي، بما يسهم في تحقيق التنمية والاستقرار.
مشاركة مصر في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن في الصومال
وأوضح الدكتور رمضان قرني أن من أبرز التحركات المصرية في ملف أمن القرن الأفريقي مشاركة القاهرة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي (AUSSOM)، التي تستهدف دعم الدولة الصومالية وتعزيز الأمن والاستقرار ومساندة مؤسساتها الوطنية , مؤكدا أن هذه المشاركة تعكس التزام مصر بدعم استقرار الصومال، باعتباره أحد الركائز الأساسية لاستقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها.
وأشار الدكتور رمضان قرني إلى أن مصر تعتمد أيضًا على أدوات التنمية في دعم علاقاتها مع دول المنطقة، موضحًا أن الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية تنفذ برامج تعاون تشمل نحو أربعة عشر قطاعًا تنمويًا.
وقال ” أن هذه البرامج تستهدف بناء القدرات الوطنية في مختلف المجالات، بما يسهم في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تعزيز الاستقرار السياسي والأمني داخل دول القرن الأفريقي.
وأكد أن التنمية أصبحت إحدى الأدوات الرئيسية التي ترتكز عليها السياسة الخارجية المصرية في تعاملها مع القارة الأفريقية.
مصر تتحرك لرفض الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي
وتطرق الدكتور رمضان قرني الخبير في الشؤون الأفريقية إلى التحركات المصرية الأخيرة بشأن إقليم أرض الصومال الانفصالي، موضحًا أنه عقب الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم، وما تلاه من فتح سفارات متبادلة بين الجانبين، بادرت الدبلوماسية المصرية منذ ديسمبر الماضي إلى إجراء اتصالات مكثفة مع الصومال وإريتريا وجيبوتي وتركيا، إضافة إلى الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية.
وأوضح الدكتور رمضان قرني أن الهدف الرئيسي لهذه التحركات يتمثل في احتواء تداعيات هذا الاعتراف، وترسيخ مبدأ الحفاظ على الدولة الوطنية ووحدة الأراضي في أفريقيا , مؤكدا أن هذا المبدأ يمثل أحد الثوابت الأساسية في السياسة المصرية تجاه القارة الأفريقية، محذرًا من أن الاعتراف بأي كيان انفصالي قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من الانفصال في عدد من الدول الأفريقية.
وأستطرد قائلا ” أن القاهرة ترى أن الحفاظ على وحدة الصومال وسيادته يمثلان جزءًا أساسيًا من جهودها الرامية إلى حماية استقرار القارة الأفريقية.
أمن البحر الأحمر أولوية في التحركات المصرية
وأكد الدكتور رمضان قرني أن ملف أمن البحر الأحمر وحوكمته يمثل أحد أهم الملفات التي تتحرك فيها الدبلوماسية المصرية خلال المرحلة الحالية, موضحا أن التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها التوسع الإسرائيلي، إلى جانب سعي بعض الأطراف غير المطلة على البحر الأحمر للحصول على موطئ قدم في المنطقة، خاصة بعد الاتفاق العسكري بين إقليم أرض الصومال الانفصالي وإثيوبيا، وما ترتب عليه من منح أديس أبابا موضعًا عسكريًا على ساحل البحر الأحمر، دفعت القاهرة إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية.
وأشار إلى أن مصر تعمل على ترسيخ مبدأ واضح، مفاده أن أمن البحر الأحمر وإدارته يمثلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، وهو موقف لا يقتصر على التنسيق مع الصومال أو إريتريا أو جيبوتي فقط، وإنما يمتد أيضًا إلى التشاور المستمر مع الشركاء العرب المطلين على البحر الأحمر، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية واليمن والأردن.
وأكد أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لحماية الأمن القومي العربي والأفريقي، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المنطقة.
السودان حاضرا بقوة في التحركات المصرية تجاه القرن الأفريقي
وفي ختام تصريحاته، اعتبر الدكتور رمضان قرني أن جزءًا كبيرًا من التحركات المصرية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر يرتبط بشكل مباشر بتطورات الأزمة السودانية، في ظل الامتداد الجغرافي بين السودان ودول المنطقة، واستمرار الحرب لأكثر من ثلاث سنوات، وما ترتب عليها من تدهور إنساني واسع.
وأوضح أن القاهرة تكثف تنسيقها مع الشركاء الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، باعتبارها أحد الأطراف الرئيسية في الآلية الرباعية التي تضم مصر، والولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، بهدف الحفاظ على وحدة الدولة السودانية وسيادتها، ورفض أي محاولات لإنشاء كيانات موازية.
وأكد أن مصر ترى أن الحفاظ على وحدة السودان يمثل ضرورة استراتيجية، ليس فقط للأمن القومي المصري، وإنما أيضًا لاستقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مشيرا إلي مصر تؤكد علي الحفاظ على السيادة السودانية ورفض أي كيانات موازية .
وقال: “أعتقد أن هذا يمثل محورًا أساسيًا إذا أردنا الحفاظ على وحدة السودان ومنع أي محاولات لتقسيمه، في ظل ما تسعى إليه قوات الدعم السريع، مستفيدة من الدعم اللوجستي والعسكري والإمدادات التي تتلقاها من بعض دول الجوار الجغرافي للسودان.”
إقرأ المزيد :
وزير الخارجية المصري لـ ” كبير مستشاري الرئيس الأمريكي ” : الأمن المائي قضية وجودية بالنسبة لمصر




