الرأي

مصر وإريتريا: شراكة استراتيجية لإعادة تشكيل توازنات البحر الأحمر والقرن الأفريقي

إعداد: عميد دكتور محمد حجاب

 

تتناول هذه الدراسة أبعاد التحركات المصرية الأخيرة تجاه دولة إريتريا في ضوء الزيارة الرسمية التي قام بها الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية المصري والفريق كامل الوزير وزير النقل إلى أسمرة، وما تعكسه من توجه استراتيجي مصري متزايد نحو تعزيز الحضور في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

كما تسلط الدراسة الضوء على طبيعة التحديات الأمنية والجيوسياسية التي تواجه المنطقة، خاصة في ظل التنافس الدولي المتصاعد على الممرات البحرية والثروات الطبيعية، إضافة إلى تحليل أبعاد التعاون المصري الإريتري في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية.

وتسعى الدراسة إلى تفسير التحول في طبيعة السياسة المصرية تجاه شرق أفريقيا، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية التي فرضت على القاهرة إعادة تقييم أولوياتها الاستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بأمن الملاحة البحرية، والتوازنات الإقليمية، وتأمين المصالح المصرية في البحر الأحمر وقناة السويس , كما تناقش الدراسة مستقبل العلاقات المصرية الإريترية في ضوء المتغيرات الجيوسياسية الراهنة، واحتمالات تطور هذه الشراكة إلى محور إقليمي مؤثر في معادلات الأمن والاستقرار داخل القرن الأفريقي.

وتخلص الدراسة إلى أن القاهرة تتحرك وفق رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى حماية الأمن القومي المصري، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتنموية مع دول القرن الأفريقي، في إطار سياسة خارجية أكثر انفتاحاً على العمق الأفريقي.

المقدمة

تُعد منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر من أكثر المناطق الجيوسياسية أهمية في العالم، نظراً لموقعها الاستراتيجي الذي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، فضلاً عن مرور جزء كبير من التجارة الدولية والطاقة عبر البحر الأحمر وقناة السويس , وتكتسب المنطقة أهمية إضافية لكونها تمثل نقطة ارتكاز رئيسية في التوازنات الدولية والإقليمية، حيث تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى والقوى الإقليمية الساعية إلى توسيع نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي.

وقد شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة، تمثلت في تصاعد الصراعات الداخلية، وتنامي التنافس على الموانئ والممرات البحرية، إضافة إلى تزايد الوجود العسكري الأجنبي في بعض دول القرن الأفريقي، الأمر الذي جعل المنطقة واحدة من أكثر بؤر التوتر حساسية في النظام الدولي المعاصر.

وفي ظل هذه التطورات، أعادت مصر صياغة رؤيتها الاستراتيجية تجاه أفريقيا والبحر الأحمر، انطلاقاً من إدراكها بأن أمن البحر الأحمر واستقرار القرن الأفريقي يرتبطان بشكل مباشر بالأمن القومي المصري, ومن هنا جاءت التحركات المصرية المتزايدة لتعزيز العلاقات مع دول المنطقة، وعلى رأسها إريتريا، التي تمثل شريكاً استراتيجياً مهماً بحكم موقعها الجغرافي المطل على البحر الأحمر.

وتأتي الزيارة المصرية الرسمية إلى أسمرة لتعكس هذا التوجه الاستراتيجي، حيث حملت أبعاداً سياسية وأمنية واقتصادية مهمة، تؤكد أن القاهرة تتحرك وفق رؤية شاملة تهدف إلى بناء شبكة شراكات إقليمية قادرة على مواجهة التحديات المشتركة وتحقيق التنمية والاستقرار.

المحتويات

1- الأهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

2- الأبعاد الاستراتيجية للتحرك المصري في أفريقيا.

3- أبعاد التقارب المصري الإريتري.

4- التعاون الاقتصادي والتنمية المشتركة.

5- أمن البحر الأحمر والتنافس الدولي.

6- التحديات الأمنية في القرن الأفريقي.

7- مستقبل الشراكة المصرية الإريترية.

8- الخاتمة.

أولاً: الأهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي

تمثل منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي أهمية استراتيجية كبرى في النظام الدولي المعاصر، حيث تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، كما تشكل ممراً حيوياً يربط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس¹.

وتشير العديد من الدراسات الاستراتيجية إلى أن البحر الأحمر أصبح أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر من خلاله نسبة معتبرة من تجارة النفط والغاز العالمية، إضافة إلى كونه ممراً رئيسياً لحركة التجارة بين الشرق والغرب².

كما تزايدت أهمية المنطقة خلال السنوات الأخيرة نتيجة تصاعد التنافس الدولي بين القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب تنامي أدوار بعض القوى الإقليمية الساعية إلى توسيع نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة³.

وتسعى القوى الدولية إلى تعزيز وجودها في القرن الأفريقي من خلال إنشاء قواعد عسكرية، أو الحصول على امتيازات لإدارة الموانئ، أو بناء تحالفات سياسية واقتصادية مع دول المنطقة، وهو ما جعل البحر الأحمر ساحة مفتوحة للتنافس الجيوسياسي الدولي⁴.

ويكتسب الموقع الجغرافي لإريتريا أهمية مضاعفة، نظراً لامتداد سواحلها على البحر الأحمر، وقربها من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، الأمر الذي يجعلها لاعباً محورياً في معادلات الأمن البحري الإقليمي⁵.

ثانياً: الأبعاد الاستراتيجية للتحرك المصري في أفريقيا

شهدت السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً تجاه القارة الأفريقية، خاصة بعد إدراك القاهرة أن استقرار محيطها الإقليمي يمثل ضرورة حيوية لحماية الأمن القومي المصري⁶.

ويأتي هذا التحرك في إطار عدة اعتبارات استراتيجية، من أبرزها:

1- حماية الأمن المائي المصري في ظل التحديات المرتبطة بملف سد النهضة.

2- تأمين الملاحة البحرية في البحر الأحمر وقناة السويس.

3- مواجهة التهديدات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

4- تعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي المصري داخل أفريقيا.

5- تحقيق شراكات اقتصادية وتنموية مع الدول الأفريقية.

كما سعت القاهرة إلى استعادة دورها التاريخي داخل القارة من خلال الانخراط في المبادرات التنموية، وتعزيز التعاون الأمني والسياسي، وتوسيع حجم الاستثمارات المصرية في أفريقيا⁷.

ويعكس التحرك المصري تجاه إريتريا إدراكاً واضحاً لأهمية بناء شراكات مستقرة مع الدول المطلة على البحر الأحمر، باعتبار أن أي اضطرابات في هذه المنطقة ستكون لها تداعيات مباشرة على الاقتصاد المصري والأمن القومي للدولة المصرية.

ثالثاً: أبعاد التقارب المصري الإريتري

تعكس الزيارة المصرية إلى أسمرة وجود توافق سياسي واستراتيجي متنامٍ بين البلدين بشأن قضايا الأمن الإقليمي، خاصة ما يتعلق بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي⁸.

ومن أبرز ملامح هذا التقارب:

1- دعم مصر الكامل لوحدة وسيادة الأراضي الإريترية.

2- التنسيق المشترك بشأن أمن البحر الأحمر.

3- رفض التدخلات الخارجية في شؤون الدول المشاطئة للبحر الأحمر.

4- تعزيز التعاون السياسي والأمني بين القاهرة وأسمرة.

5- دعم استقرار منطقة القرن الأفريقي باعتبارها جزءاً من الأمن القومي المصري.

كما يعكس التقارب المصري الإريتري وجود رؤية مشتركة تجاه ضرورة الحفاظ على استقرار المنطقة ومنع تحولها إلى ساحة للصراعات الدولية أو الإقليمية⁹.

وتنظر مصر إلى إريتريا باعتبارها شريكاً مهماً في معادلة التوازن الإقليمي داخل البحر الأحمر، خاصة في ظل التحديات الأمنية المعقدة التي تشهدها المنطقة، بما في ذلك القرصنة، والهجرة غير الشرعية، وتهريب السلاح، وتصاعد النفوذ الأجنبي.

رابعاً: التعاون الاقتصادي والتنمية المشتركة

شهدت العلاقات المصرية الإريترية تطوراً ملحوظاً في الجانب الاقتصادي، خاصة مع اصطحاب الوفد المصري لعدد من رجال الأعمال وممثلي القطاع الخاص بهدف تعزيز فرص الاستثمار والتعاون الاقتصادي¹⁰.

وتشمل مجالات التعاون الرئيسية:

1- قطاع التعدين واستخراج الثروات الطبيعية.

2- تطوير النقل البحري والموانئ.

3- الصناعات الدوائية.

4- الثروة السمكية.

5- برامج التدريب وبناء القدرات البشرية.

6- مجالات البنية التحتية والخدمات اللوجستية.

ويمثل التعاون الاقتصادي أحد أهم أدوات تعزيز النفوذ المصري داخل شرق أفريقيا، خاصة أن القاهرة تسعى إلى بناء علاقات تقوم على المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة، وليس فقط على الاعتبارات السياسية والأمنية.

كما يمثل الاتفاق على إنشاء خط ملاحي للشحن بين الموانئ المصرية والإريترية خطوة مهمة لتعزيز حركة التجارة وربط الأسواق المصرية بشرق أفريقيا، بما يفتح المجال أمام زيادة حجم التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة¹¹.

خامساً: أمن البحر الأحمر والتنافس الدولي

أصبح البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة ساحة رئيسية للتنافس الدولي، في ظل تزايد القواعد العسكرية الأجنبية ومحاولات بعض القوى الدولية فرض ترتيبات أمنية جديدة داخل المنطقة¹².

وقد أدى هذا الواقع إلى تصاعد المخاوف لدى الدول المشاطئة من احتمالات تدويل أمن البحر الأحمر أو فرض ترتيبات لا تراعي مصالحها الوطنية، وهو ما دفع مصر وإريتريا إلى التأكيد على أن أمن البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه¹³.

كما تسعى بعض القوى الدولية إلى توظيف الأزمات الإقليمية من أجل توسيع وجودها العسكري في المنطقة، خاصة مع تنامي أهمية البحر الأحمر كممر حيوي للتجارة والطاقة العالمية.

ومن هنا، فإن الموقف المصري يعكس تمسك القاهرة بمبدأ الحفاظ على التوازنات الإقليمية ومنع أي اختلال قد يؤثر على أمن الملاحة البحرية أو المصالح الاستراتيجية المصرية.

سادساً: التحديات الأمنية في القرن الأفريقي

تواجه منطقة القرن الأفريقي مجموعة معقدة من التحديات الأمنية والسياسية، تشمل النزاعات المسلحة، والإرهاب، والهجرة غير الشرعية، والجفاف، والانقسامات العرقية والسياسية¹⁴.

كما أن استمرار الصراع في السودان، وعدم الاستقرار في الصومال، وتزايد التدخلات الخارجية، كلها عوامل تجعل المنطقة معرضة لمزيد من الاضطرابات خلال السنوات المقبلة.

وتدرك مصر أن استقرار القرن الأفريقي يمثل ضرورة استراتيجية للأمن القومي المصري، خاصة في ظل الترابط بين أمن البحر الأحمر واستقرار الدول المجاورة له¹⁵.

ومن هنا، تعمل القاهرة على دعم مؤسسات الدولة الوطنية داخل المنطقة، ورفض أي محاولات لتقسيم الدول أو إضعاف جيوشها الوطنية، باعتبار أن انهيار الدول يمثل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي.

سابعاً: مستقبل الشراكة المصرية الإريترية

تشير المؤشرات الحالية إلى أن العلاقات المصرية الإريترية مرشحة لمزيد من التطور خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل وجود إرادة سياسية مشتركة لتعزيز التعاون الثنائي¹⁶.

ومن المتوقع أن تشهد المرحلة القادمة:

1- زيادة الاستثمارات المصرية داخل إريتريا.

2- تعزيز التعاون الأمني والعسكري.

3- تطوير مشروعات النقل واللوجستيات.

4- توسيع برامج التدريب والتأهيل الفني.

5- تنسيق سياسي أكبر بشأن قضايا القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

6- تنامي التعاون في مجالات الطاقة والثروات الطبيعية.

كما أن التحولات الإقليمية والدولية الحالية قد تدفع البلدين إلى تطوير مستوى التنسيق الاستراتيجي بما يحقق توازناً أكبر داخل منطقة البحر الأحمر.

الخاتمة

تكشف التحركات المصرية الأخيرة تجاه إريتريا عن تحول مهم في السياسة الخارجية المصرية تجاه منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تسعى القاهرة إلى تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي والأمني داخل واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.

كما يعكس التقارب المصري الإريتري إدراكاً مشتركاً لأهمية الحفاظ على استقرار البحر الأحمر ومواجهة التحديات الناتجة عن التنافس الدولي والتدخلات الخارجية. وتؤكد هذه الشراكة أن مصر باتت تتحرك وفق رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى حماية الأمن القومي المصري، وتعزيز دورها الإقليمي، وبناء شبكة تحالفات قائمة على المصالح المشتركة والتنمية والاستقرار.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تبدو منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي مرشحة لمزيد من الأهمية الاستراتيجية، الأمر الذي يجعل من التعاون المصري الإريتري نموذجاً مهماً للشراكات الإقليمية القادرة على تحقيق التوازن والاستقرار في المنطقة.

المصادر

1- جمال حمدان، *شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان*، القاهرة، عالم الكتب، الطبعة الرابعة، 2016، ص 214.

2- محمد السعيد إدريس، *القرن الأفريقي والصراع الدولي*، القاهرة، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الطبعة الثانية، 2021، ص 88.

3- عبد الله الأشعل، *الأمن القومي المصري والبحر الأحمر*، القاهرة، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 2020، ص 119.

4- حسن أبو طالب، *السياسة المصرية في أفريقيا*، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى، 2019، ص 73.

5- محمد عبد السلام، *الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي*، القاهرة، المركز العربي للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى، 2022، ص 145.

6- أحمد يوسف أحمد، *العلاقات المصرية الأفريقية*، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الثالثة، 2018، ص 97.

7- علي الدين هلال، *التكامل الإقليمي في أفريقيا*، القاهرة، دار المستقبل العربي، الطبعة الثانية، 2021، ص 166.

8- محمد فوزي، *التنافس الدولي في البحر الأحمر*، القاهرة، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، الطبعة الأولى، 2023، ص 51.

9- عبد المنعم المشاط، *الأمن البحري والتحولات الجيوسياسية*، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 2020، ص 132.

10- إبراهيم العيسوي، *التنمية والشراكات الإقليمية في أفريقيا*، القاهرة، دار العين للنشر، الطبعة الأولى، 2022، ص 184.

11- محمد السيد سليم، *السياسة الخارجية المصرية بعد 2013*، القاهرة، مكتبة مدبولي، الطبعة الأولى، 2021، ص 208.

12- أحمد عسكر، *الأمن البحري في البحر الأحمر*، القاهرة، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى، 2022، ص 94.

13- محمد بسيوني، *إفريقيا والتحولات الدولية الجديدة*، القاهرة، مركز الحضارة العربية، الطبعة الثانية، 2023، ص 175.

14- نبيل عبد الفتاح، *التحولات الاستراتيجية في أفريقيا*، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، الطبعة الأولى، 2020، ص 156.

15- عبد الخالق عبد الله، *الأمن الإقليمي العربي والبحر الأحمر*، أبوظبي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الطبعة الأولى، 2021، ص 110.

16- علي حافظ، *مستقبل التوازنات الجيوسياسية في القرن الأفريقي*، القاهرة، المركز القومي للبحوث الاجتماعية، الطبعة الأولى، 2024، ص 201.

 

  • عميد دكتور محمد حجاب .. خبير سياسي وعسكري مصري .

إقرأ المزيد :

مصر وإريتريا توقعان علي اتفاقية للتعاون في النقل البحري لتعزيز الربط اللوجستي والتكامل الاقتصادي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى