أخبار عاجلةالرأي

الدكتور محمود أحمد فراج يكتب : العلاقات المصرية الأوغندية (2014-2026): مسارات الدبلوماسية التنموية وانعكاساتها على مواطني وادي النيل

تُمثل العلاقات المصرية الأوغندية منذ عام 2014 نموذجاً تطبيقياً لـ “دبلوماسية التنمية” التي تنتهجها الدولة المصرية لإعادة صياغة دورها الريادي في القارة الأفريقية، مستندةً إلى ثوابت تاريخية وجغرافية مشتركة في حوض النيل , وقد اتسمت هذه الحقبة بتحول استراتيجي من مجرد التوافق السياسي إلى شراكة اقتصادية وتنموية شاملة تهدف إلى تحقيق المنفعة المتبادلة والاندماج الإقليم، وتأتي زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مدينة “عنتبي” الأوغندية اليوم، الأربعاء 13 مايو 2026، لتُتوج هذا العقد من التعاون الاستراتيجي؛ حيث وصل الرئيس في مستهل زيارة رسمية لإجراء مباحثات مع الرئيس “يوري موسيفيني” حول قضايا الأمن الإقليمي، وتنسيق المواقف بشأن ملف مياه النيل، وتعزيز الشراكات الاقتصادية المستدامة
وفي هذا السياق، يتناول المقال التالي: “العلاقات المصرية الأوغندية (2014-2026): مسارات الدبلوماسية التنموية وانعكاساتها على مواطني وادي النيل”، مسلطاً الضوء على أبعاد هذه الشراكة وتحولاتها العميقة.

أولاً: الإطار السياسي والأمني الاستراتيجي

شهد المسار السياسي زخماً كبيراً منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث كانت أوغندا من أوائل الدول التي انتقدت تجميد أنشطة مصر في الاتحاد الأفريقي عقب ثورة 30 يونيو، معتبرةً أن القيادة المصرية أنقذت هوية البلاد وقد تعزز هذا التوافق عبر الزيارات الرئاسية والوزارية المتبادلة، وتفعيل آلية المشاورات (2+2) التي عقدت جولتها الثالثة في أبريل 2026 لبحث أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي .

ثانياً: المؤشرات الاقتصادية والتبادل التجاري

انعكس الاستقرار السياسي على نمو مطرد في التبادل التجاري، الذي سجل 154.4 مليون دولار عام 2025 مقابل 146.9 مليون دولار في 2024.
• هيكل الصادرات المصرية: تصدرت منتجات الحديد والصلب (31 مليون دولار)، والمحضرات الغذائية (14.8 مليون دولار)، واللدائن (13.2 مليون دولار) قائمة الصادرات.
• الواردات من أوغندا: سجلت 37.8 مليون دولار في 2025، شملت البن والشاي والبهارات (19.2 مليون دولار) ومنتجات الألبان (10.1 مليون دولار)
• الاستثمارات والعمل المصرفي: بلغت الاستثمارات المصرية في أوغندا 5 ملايين دولار في العام المالي 2024/2025. كما قام بنك القاهرة بالاستحواذ على 60% من فرعه في أوغندا ليصبح “بنك القاهرة الدولي”، ليكون نقطة انطلاق لتمويل عمليات التصدير والاستثمار المصري.

ثالثاً: البنية التحتية والشراكة في قطاع الطاقة

لعبت الشركات المصرية دوراً محورياً في دعم البنية الأساسية الأوغندية:
1. شركة المقاولون العرب: نفذت مشروعات طرق كبرى في مدينتي “باليسا” و”كومي” بتكلفة 40 مليون دولار لخدمة 650 ألف نسمة، ليصل حجم أعمالها الإجمالي في أوغندا إلى 240 مليون دولار عبر 5 مشروعات كبرى، مما منحها جائزة أفضل شركة مقاولات هناك لسنوات متتالية.
2. قطاع الطاقة: تم تدشين محطة “بوسيا” للطاقة الشمسية بقدرة 4 ميجاوات وربطها بالشبكة الوطنية الأوغندية في 2022 بتكلفة 6 ملايين دولاركما يستمر التعاون في إدارة خزان “أوين” التاريخي لضمان توليد الطاقة دون الإضرار بالمصالح المائية.
3. استثمارات القطاع الخاص: قامت شركة “السويدي إليكتريك” بإنشاء مصانع للمحولات والعدادات، وساهمت شركة “القلعة القابضة” في استثمارات سكك حديد ريفت ڤالي (RVR) لربط كمبالا بميناء مومباسا ..

رابعاً: الإدارة المستدامة للموارد المائية

تتبنى مصر استراتيجية تقوم على “الاستخدام المنصف والمشاركة في الفوائد” في حوض النيل:
• مشروعات المياه: تم حفر 75 بئراً جوفياً في المناطق النائية وتزويدها بمضخات تعمل بالطاقة الشمسية، بالإضافة إلى إنشاء 5 سدود لحصاد مياه الأمطار (خزانات الأدوية) بمنحة مصرية قدرها 9 ملايين دولار
• مكافحة المخاطر: ساهم مشروع “مكافحة الحشائش المائية” (المرحلة السادسة بدأت في 2023) في تطهير البحيرات وتنمية الثروة السمكية والملاحة بتكلفة إجمالية تجاوزت 18 مليون دولار . كما نجحت مصر في تنفيذ مشروعات درء مخاطر الفيضانات في مقاطعة “كاسيسي” التي عانت من فيضانات عنيفة منذ عام 2014.

خامساً: القوة الناعمة والانعكاسات على المواطنين

أثمر التعاون عن فوائد ملموسة مست حياة المواطن في البلدين:
1. التعليم والمنح: تخصص مصر مئات المنح سنوياً للطلاب الأوغنديين عبر برامج (EGYAID) ومنح الأزهر والجامعة اليابانية (E-JUST)، حيث استقبلت الأخيرة باحثين أوغنديين في تخصصات الهندسة البيئية
2. الصحة: قدمت مصر وحدات غسيل كلى ومعدات طبية لمستشفى “مولاجو” بكامبالا، مع تدريب الكوادر الطبية الأوغندية
3. فرص العمل والعمالة: يتواجد في أوغندا نحو 1800 مصري يعملون في مشاريع الاستثمار والتنمية حتى نهاية 2024، وبلغت تحويلاتهم المالية 4.5 مليون دولار في العام المالي 2024/2025، مما يدعم الاقتصاد القومي المصري
لذا إن العلاقات المصرية الأوغندية منذ عام 2014 تجاوزت الأطر الدبلوماسية التقليدية لتتحول إلى تكامل وظيفي يخدم أهداف “رؤية مصر 2030” و”أجندة أفريقيا 2063″، موفرةً للمواطن الأوغندي بنية تحتية وخدمات أساسية، وللمواطن المصري آفاقاً اقتصادية واستثمارية رحبة في قلب القارة .

 

  • الدكتور محمود أحمد فراج متخصص فى الشئون الافريقية كلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة .

إقرأ المزيد :

الرئيس السيسي وموسيفيني يؤكدان على ضرورة تكثيف التنسيق والتعاون فيما يتعلق بموضوعات المياه ونهر النيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى