إثيوبيا على صفيح ساخن.. اشتباكات جديدة في تيجراي ومخاوف من عودة الحرب

شهدت إثيوبيا خلال الساعات القليلة الماضية تطورًا ملحوظًا، عقب اتهامات وجهتها سلطات إقليم تيجراي إلى الحكومة الفيدرالية الإثيوبية بشن هجوم عسكري جديد في غرب تيجراي، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من احتمال اندلاع الحرب مجددًا في شمال إثيوبيا.
وتأتي هذه التطورات في ظل تعقيدات متزايدة يشهدها إقليم أمهرة، حيث تتواصل المواجهات وحالة الكر والفر بين الجيش الفيدرالي الإثيوبي وميليشيا فانو، وهما طرفان سبق أن تحالفا خلال الحرب التي اندلعت في إقليم تيجراي عام 2020.
حرب تيجراي.. أرقام ضخمة للضحايا وصعوبة في توثيق الخسائر
ووفقًا لكثير من التقديرات، تراوح عدد ضحايا حرب تيجراي بين 100 ألف و600 ألف قتيل، في ظل صعوبة توثيق أعداد الضحايا بدقة بسبب انقطاع الخدمات وفرض الحصار على الإقليم خلال النزاع الذي استمر بين عامي 2020 و2022.
وتثير التطورات الأخيرة مخاوف من إمكانية عودة المواجهات المسلحة في شمال إثيوبيا، لاسيما في ظل استمرار الخلافات السياسية والعسكرية بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا وسلطات إقليم تيجراي، وعدم حسم عدد من الملفات المرتبطة باتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية.
سلطات تيجراي تعلن اندلاع اشتباكات في غرب الإقليم
ونقلت تقارير إعلامية محلية إثيوبية عن سلطات إقليم تيجراي تأكيدها أن اشتباكات اندلعت في الساعات الأولى من صباح السبت 1 أغسطس، في اتجاه منطقة شيريرينا الواقعة في الجزء الغربي من الإقليم.
وقالت الإدارة الإقليمية التي تقودها جبهة تحرير شعب تيجراي (TPLF)، في بيان أصدرته اليوم، إن الحكومة الفيدرالية “أعلنت حربًا مفتوحة” في منطقة غرب تيجراي، متهمة إياها بتصعيد ما وصفه البيان بأنه مواجهة ممتدة مع الإقليم.
وأضاف البيان أن الحكومة الفيدرالية، بالتزامن مع ما وصفته سلطات تيجراي بـ”تصعيد الحصار الشامل والخنق” المفروض على سكان الإقليم، إلى جانب الهجمات التي تنفذها الطائرات المسيّرة والقوات المسلحة بالوكالة، قد “شنّت حربًا مفتوحة”.
وربطت سلطات تيجراي التطورات التي تم الإبلاغ عنها بأشهر من التوترات السياسية والعسكرية المتصاعدة بين الحكومة الفيدرالية والإدارة الإقليمية في تيجراي.
واتهم البيان الحكومة الفيدرالية بأنها، منذ توقيع اتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية عام 2022، انخرطت فيما وصفه بـ”مؤامرات وحصارات وخنق واستعدادات عسكرية مختلفة”، دون أن يقدم البيان أدلة محددة على هذه الاتهامات.
وقالت سلطات تيجراي إن الحكومة الفيدرالية، حتى بعد توقيع اتفاق بريتوريا، واصلت ما وصفته بـ”مختلف المؤامرات والحصارات وعمليات الخنق والاستعدادات العسكرية”.
وتعكس هذه الاتهامات عمق الخلافات المستمرة بين الجانبين بشأن تنفيذ اتفاق بريتوريا، الذي كان يُنظر إليه باعتباره إطارًا رئيسيًا لإنهاء الحرب في تيجراي وتهيئة الظروف أمام تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في الإقليم وفي إثيوبيا بصورة عامة.
دعوات في تيجراي للاستعداد لتجدد الصراع
ودعت سلطات تيجراي سكان الإقليم وقوات الأمن ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية إلى الاستعداد لما وصفته بتجدد الصراع، وحثتهم على الانضمام إلى ما أسمته “النضال من أجل البقاء الوطني”.
وأكد البيان أن سلطات الإقليم “لن تستسلم أبدًا للتدمير الوطني”، داعيًا قوات تيجراي وأنصارها إلى الاستعداد، وفق تعبير البيان، “لصنع تاريخ معجز اليوم كما حدث بالأمس”.
كما وجهت سلطات تيجراي نداءً إلى المجتمع الدولي للتدخل، محذرة من التداعيات التي قد تترتب على ما وصفته بالحرب التي بدأت بها الحكومة الفيدرالية في الإقليم.
وقال البيان إن “على المجتمع الدولي أن يدرك العواقب التي قد تترتب على الحرب التي أشعلت في هذه المنطقة”، داعيًا المجتمع الدولي إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة.
تصاعد التوتر بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي
وتأتي هذه الاتهامات في ظل تدهور أوسع في العلاقات بين الحكومة المركزية في أديس أبابا وسلطات إقليم تيجراي، وسط مؤشرات على اتساع فجوة الخلافات بشأن القضايا السياسية والأمنية المرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب.
وفي 7 يوليو، اتهم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد السودان وجبهة تحرير شعب تيجراي وإريتريا بالتعاون ضد إثيوبيا، مشبهًا ذلك بالتحالف الذي ساهم في إسقاط نظام الدرج، كما ألمح إلى وجود أطراف خارجية لم يسمها تشارك في هذه التحركات.
وفي المقابل، أعلن مسؤولون في تيجراي أن اتفاق بريتوريا لعام 2022 قد “انهار”، متهمين الحكومة الفيدرالية بعدم تنفيذ بنود رئيسية من الاتفاق والاستعداد لاستئناف الأعمال العدائية.
كما زعمت جبهة تحرير شعب تيجراي أن القوات الفيدرالية الإثيوبية تقوم بحشد قوات عسكرية ونقل أفراد من غرب تيجراي باتجاه شرق الإقليم، استعدادًا لمواجهة محتملة.
وفي ظل تصاعد التوترات مجددًا، أعربت جهات دولية عن قلقها إزاء التطورات الأخيرة، حيث حث الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كلًا من الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وسلطات تيجراي على تجنب التصعيد وإعادة الالتزام بتنفيذ اتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية.
وتأتي هذه الدعوات في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار التوتر بين الحكومة الإثيوبية وسلطات تيجراي، بالتزامن مع الصراع المستمر في إقليم أمهرة، إلى خلق بيئة أمنية أكثر تعقيدًا، قد تهدد الاستقرار في شمال إثيوبيا وتمتد تداعياتها إلى محيطها الإقليمي.
خبير في الشؤون الأفريقية: الاتهامات المتبادلة تعكس عمق الخلاف حول اتفاق بريتوريا

ويقول الدكتور محمد تورشين، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ”أفرو نيوز 24″: “إن الاتهامات المتكررة بين الجيش الفيدرالي الإثيوبي وجبهة تحرير تيجراي هي اتهامات متبادلة وحاضرة، وتعكس بشكل مستمر حجم الخلاف والتباين في وجهات النظر بين الحكومة المركزية وجبهة تحرير تيجراي فيما يتعلق باتفاقية بريتوريا”.
وأضاف تورشين أن اتفاق بريتوريا كان “يُراهن عليه كثيرًا من المجتمع الإقليمي والدولي في أنه يكون مدخلًا لتحقيق الأمن والاستقرار في إثيوبيا”، لكنه أشار إلى أن “وجهات النظر ما زالت متباعدة، على الأقل بين الفصيل الأبرز وصاحب النفوذ الأكبر في جبهة تحرير تيجراي وبين الحكومة الفيدرالية”.
وأوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أن استمرار هذه الأوضاع، إلى جانب تورط ميليشيات فانو التي جرى دعمها وتقويتها لمواجهة تيجراي، “ربما يدخل في مواجهات أيضًا بالوكالة كما كانت في الماضي”، معتبرًا أن ذلك يخضع للترتيبات والتعقيدات السياسية.
وأكد أن استمرار هذه التطورات “بلا شك سيجعل من منطقة أمهرة وكذلك تيجراي ساحات للاحتراب والمواجهات المسلحة”، مشيرًا إلى أن ذلك “سينعكس بشكل مباشر على أمن واستقرار أفريقيا”.
هل تعود الحرب إلى شمال إثيوبيا؟
وتعيد التطورات الأخيرة في غرب تيجراي إلى الواجهة التساؤلات بشأن مستقبل اتفاق بريتوريا ومدى قدرة الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وسلطات الإقليم على احتواء الخلافات السياسية والعسكرية المتصاعدة.
كما أن تزامن التوتر في تيجراي مع استمرار المواجهات بين الجيش الإثيوبي وميليشيا فانو في إقليم أمهرة يزيد من تعقيد المشهد الأمني في شمال البلاد، خصوصًا في ظل التاريخ المشترك للصراع والتحالفات العسكرية التي تشكلت خلال حرب تيجراي.
وبينما تتبادل الحكومة الفيدرالية وسلطات تيجراي الاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد والاستعداد العسكري، تظل المخاوف قائمة من أن يؤدي استمرار التوتر إلى انهيار ما تبقى من التفاهمات التي أرساها اتفاق بريتوريا، وفتح الباب أمام جولة جديدة من المواجهات المسلحة، بما قد يهدد الأمن والاستقرار في إثيوبيا ومنطقة القرن الأفريقي على نطاق أوسع.
طالع أيضا :
الكاتب والمحلل السياسي السوداني عمار العركي يكتب : إثيوبيا تشتعل .. واللهيب يهدد السودان




