الدكتور حمدي عبد الرحمن يكتب : يسألونك عن فانو… هل أصبحت إثيوبيا نمراً من ورق؟

لم تكن الحبشة، في وجدان المصريين، مجرد دولة بعيدة عند منابع النيل، بل كانت جاراً قديماً، وشريكاً في صفحات من التاريخ، ومعبراً بين النيل والمسيحية الأفريقية، عرفت مصر أباطرتها، كما عرفت إثيوبيا بطاركة الكنيسة القبطية الذين ظلوا، لقرون طويلة، يرسلون مطران الحبشة، حتى غدت العلاقة الروحية جسراً سبق السياسة بقرون ، ولعل صديقنا جوزيف رامز Joseph Ameen خير معين في ذلك حيث كتب رسالة مهمة عن دور الكنيسة القبطية في إفريقيا.
ولذلك لم يكن غريباً أن يحظى الإمبراطور هيلا سيلاسي بمكانة خاصة في مصر، وأن تجمعه بالرئيس جمال عبد الناصر علاقة تجاوزت المجاملات الدبلوماسية إلى حوار جاد حول مستقبل أفريقيا وحركات التحرر الوطنية.
وتحكي الروايات الشعبية أن الإمبراطور شأنه شأن غيره من جيل الكبار من الزعماء الافارقة كان معجباً بمصر إلى حد التفكير في الارتباط بمصرية ، وقد فعلها نكروما حينما تزوج من السيدة فتحية رزق وانجب منها ثلاثة منهم صديقنا جمال أمد الله في عمره، لكن جميلة أندراوس وهي من أسرة قبطية وفدية عريقة على عكس فتحية رفضت العرض الإمبراطوري ، ربما خشية العيش في بلاد مهجورة بعيدة، وأيا كانت صحة الروايات فإنها تعكس حجم الحضور المصري في المخيال الإثيوبي والأفريقي آنذاك.
كتب لي، بعد سنوات طوال، أن أزور أديس أبابا، كنت أريد أن أرى المدينة التي صنعت كثيراً من تاريخ القرن الأفريقي، وأن أتعرف على أهلها بعيداً عن حساسيات السياسة.
وفي الطريق إلى جبل انطوطو الذي اكتشف من خلاله منليك الثاني وزوجته العاصمة التي تعني الزهرة الجديدة، دار بيني وبين سائق السيارة حديث طويل، وحين عرف أنني مصري، ابتسم ابتسامة عريضة وقال بلهجة يغلب عليها الامتنان: “أنا تعلمت معنى المسيحية من البابا شنودة ،” لم يكن الرجل قد التقى قداسة البابا شنودة الثالث ، لكنه كان يتحدث عن عظاته وكتبه التي وصلت إلى إثيوبيا، وعن محبة الناس له، وكأن الرجل كان سفيراً لمصر دون أن يحمل حقيبة دبلوماسية.
خرجت يومها بانطباع بسيط: قد تختلف الحكومات، وقد تتبدل المصالح، لكن الشعوب تحتفظ دائماً بجسور لا تراها الخرائط.
لهذا يؤلمني أن أرى العلاقة التاريخية بين مصر وإثيوبيا وقد تحولت، في السنوات الأخيرة، إلى ساحة للتوتر والشكوك. والأشد إيلاماً أن القيادة الإثيوبية اختارت، بدلاً من ترميم بيتها الداخلي، أن ترفع سقف المواجهة مع جيرانها؛ مرة باسم سد النهضة، ومرة باسم “الحق التاريخي” في منفذ بحري، وكأن أزمات الداخل يمكن أن تُحل بتصدير الأزمات إلى الخارج.
نأتي إلى موضوعنا الذي يحاول أن يفسر بعض ملامح الصورة : يسألونك عن فانو، فأقول: ليست الحكاية حكاية بندقية في جبال الأمهرا، وإنما حكاية دولةٍ ظنت أن سحر البيلن يغني عن تماسك البيت من الداخل، وأن رفع الصوت في وجه الجيران يعوض حالة الغليان التي تعتمل في صدور قاطنيه.
رئيس الوزراء آبي أحمد ارتدي عند وصوله إلى السلطة عام 2018 ثياب الواعظينا ومشى في الأرض يخطب ويسب الماكرينا ، لكنه أمضى السنوات الأخيرة يتحدث بلغة القوة: سد النهضة مشروع القرن، وإثيوبيا قوة إقليمية صاعدة، والوصول إلى البحر ضرورة لا تقبل التأجيل، وكأن خرائط القرن الأفريقي يمكن إعادة رسمها بالتمني، أو أن حقوق الدول المجاورة مجرد تفاصيل قابلة للتفاوض تحت ضغط الشعارات الرنانة.
لكن السياسة يا من تحلم بعرش منليك، على قسوتها، لا تعترف بالخطب، إنها تعترف بميزان القوة الحقيقي، الذي يبدأ من الداخل.
هناك، في إقليم الأمهرا، تقف حركة فانو شاهداً على المفارقة ، المقاتلون الذين كانوا بالأمس حلفاء للحكومة في حرب تيغراي، أصبحوا اليوم يقاتلون الجيش الفيدرالي نفسه ، والسلطة التي كانت تتباهى بانتصاراتها العسكرية، تجد نفسها في حرب استنزاف طويلة مع جماعة عرقية لا تملك جيشاً نظامياً، لكنها تملك الحاضنة المحلية، واللامركزية، والقدرة على إنهاك الدولة.
وهنا تسقط كل عنتريات السياسة.
كيف تطالب بمنفذ إلى البحر، بينما تعجز عن تأمين الطرق بين مدنك الرئيسية؟
كيف تتحدث عن فرض وقائع جديدة في الإقليم، بينما أجزاء من دولتك تعيش نزاعاً مفتوحاً يستهلك قدرات الجيش والاقتصاد وهيبة الدولة؟
وكيف تلوّح بالقوة في وجه الجيران، بينما القوة نفسها مستنزفة في الداخل؟
ليست المشكلة في حلم إثيوبيا بالتنمية والرخاء، ولا في حقها في البحث عن مصالحها، وإنما في تحويل السياسة الخارجية إلى منصة للهروب من أزمات الداخل، حركات بهلوانية يجيد صاحبها دوما القفز إلى الخارج ، فالدولة الواثقة لا تحتاج إلى صناعة خصومات مع محيطها لتثبت وجودها، ولا تجعل من البحر قضية تعبئة دائمة، ولا تستخدم سد النهضة بوصفه رمزاً للتفوق السياسي أكثر منه مشروعاً للتنمية.
لقد كشفت أزمة فانو حقيقة يصعب تجاهلها: أن أخطر تهديد يواجه إثيوبيا اليوم ليس نابعا من حدودها، بل من تصدعاتها الداخلية ، إنها حقا على صفيح ساخن ، ولعل ذلك يثبت أن الدولة التي تواجه تمرداً ممتداً، واستقطاباً إثنياً، وأزمات اقتصادية، لا تستطيع أن تقنع العالم بأنها تقود مشروعاً إقليمياً مستقراً.
التاريخ مليء بقادة ظنوا أن علو الصوت يعوض ضعف الموقف، وما إن دقت ساعة الاختبار حتى اكتشفوا أن سحر الخطب الرنانة التي تلهب مشاعر الحشود ليست بديلاً عن الدولة، وأن الشعارات لا تقهر الأزمات.
قد ينجح الإعلام الموجه في صناعة صورة القوة، لكن الحقيقة أكثر قدرة على الاقناع ، والحقيقة تقول إن إثيوبيا، وهي تخوض صراعاً مع فانو، وتتعامل مع ملفات داخلية معقدة، مطالبة أولاً بإعادة بناء بيتها من الداخل قبل أن تطلب تغيير خرائط الجوار، وكما يقول اهلنا الطيبين: “اللي بيته من زجاج لا يقذف الناس بالطوب”
فالدول لا تُقاس بعدد الخطب، ولا بعلو النبرة، ولا بكمية الاستعراض السياسي ، وإنما تُقاس بقدرتها على فرض الاستقرار داخل حدودها، وكسب ثقة مواطنيها، وإدارة خلافاتها دون أن تتحول إلى حرب.
أما من يفتح كل الجبهات دفعة واحدة، ثم يطلب من العالم أن يصدّق أنه الأقوى في الإقليم، فإنه يخاطر بأن يكتشف، متأخراً، أن الصورة التي صنعها لنفسه لم تكن سوى… نمر من ورق..
طالع أيضاً



