مصر تستعيد قناعًا ذهبيًا نادرًا وتكشف أسرار حصن عسكري عمره أكثر من 3 آلاف عام
القناع المصادَر يعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد واكتشافات تل الأبقعين تكشف شوارع ومخازن ودفنة حصان ولوحات ملكية لرمسيس الثاني ومرنبتاح

في تطور جديد يعكس نجاح الجهود المصرية في حماية التراث الحضاري واستعادة ما خرج منه بطرق غير مشروعة، نجحت مصر في استرداد قناع مومياء ذهبي أثري من سويسرا، بالتزامن مع إعلان كشف أثري مهم في موقع تل الأبقعين بمحافظة البحيرة، ليقدم الحدثان معًا صورة جديدة لحيوية ملف الآثار المصرية بين استعادة المفقود والكشف عن المجهول.
وشهدت العاصمة السويسرية برن مراسم تسليم القناع الأثري إلى الجانب المصري، حيث تسلمه السفير محمد نجم سفير مصر لدى سويسرا نيابة عن الحكومة المصرية، بحضور ممثلين عن وزارة السياحة والآثار والسلطات السويسرية، في إطار التعاون المشترك بين البلدين لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية وحماية التراث الإنساني.
وتكمن أهمية القطعة المستردة في أنها ليست مجرد قناع جنائزي مطلي بالذهب، بل قطعة أثرية نادرة تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، أي إلى منتصف العصر البطلمي، بما يجعل عمرها يتجاوز ألفي عام. وقد أكدت الفحوص التي أجراها خبراء المصريات في سويسرا أصالة القناع وأهميته الأثرية والعلمية.
وتكشف الوثائق القضائية السويسرية أن القناع ظهر لأول مرة لدى سلطات الجمارك في سبتمبر 2022 أثناء محاولة إدخاله إلى الأراضي السويسرية عبر معبر باردونيكس قرب جنيف، وأثار مصدره الشكوك لدى السلطات، التي قررت وقف دخوله وإخضاعه للتحقيق والفحص العلمي. وبعد سنوات من الإجراءات القانونية تمت مصادرته تمهيدًا لإعادته إلى مصر.
ورغم أن هوية صاحب القناع لا تزال غير معروفة، فإن خبراء الآثار الذين فحصوه رجحوا أنه خرج من مقبرة قديمة بمنطقة هوارة في الفيوم، وهي واحدة من أهم جبانات مصر القديمة التي تعرضت خلال العقود الماضية لعمليات نهب وتنقيب غير مشروع. كما وصف الخبراء القناع بأنه يتمتع بـ«جمال استثنائي»، وأنه لم يكن معروفًا للمجتمع العلمي من قبل، وهو ما يعزز فرضية استخراجه من حفائر غير قانونية بعيدًا عن أعمال التنقيب الرسمية.

ويأتي استرداد القناع ضمن سلسلة من النجاحات المصرية في ملف استعادة الآثار، حيث أعادت سويسرا وحدها نحو 80 قطعة أثرية مصرية منذ توقيع الاتفاقية الثنائية بين البلدين الخاصة بمنع الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية عام 2011.
وفي الوقت نفسه، أعلنت وزارة السياحة والآثار عن كشف أثري جديد بموقع تل الأبقعين بمحافظة البحيرة، وهو الكشف الذي ألقى الضوء على تفاصيل الحياة العسكرية واليومية داخل أحد الحصون المصرية التي أقيمت على الحدود الغربية للدلتا خلال عصر الدولة الحديثة لمواجهة تهديدات القبائل الليبية.
وأكدت نتائج الحفائر أن الموقع لم يكن مجرد منشأة دفاعية، بل مجتمعًا متكاملًا يضم مساكن ومخازن وورشًا ومرافق معيشية. فقد كشفت البعثة الأثرية المصرية عن مجمع سكني ضخم من الطوب اللبن تتخلله شبكة من الشوارع المنظمة، أبرزها شارع رئيسي بعرض أربعة أمتار يربط أجزاء الحصن المختلفة، بما يعكس مستوى متقدمًا من التخطيط العمراني والهندسي.
كما عثر الباحثون على صوامع لتخزين الغلال وأفران فخارية لإعداد الطعام وخبز الحبوب، إلى جانب حجرات استخدمت كمخازن احتوت على جرار ضخمة لا تزال بداخلها حبوب قمح متفحمة، وهو ما يقدم أدلة مباشرة على أساليب الإعاشة وإدارة الموارد الغذائية داخل الحصن.
ومن أبرز مفاجآت الكشف العثور على دفنة كاملة لحصان صغير السن يرجح استخدامه في الأنشطة العسكرية أو جر العربات الحربية. وتشير طريقة الدفن المنتظمة إلى أنه دُفن بصورة تكريمية، وهو ما يعكس المكانة التي كانت تحظى بها الخيول داخل المؤسسة العسكرية المصرية القديمة.
كما عثر الأثريون بالقرب من الدفنة على عناصر زخرفية يعتقد أنها كانت جزءًا من تجهيزات العربات الحربية، ما يعزز الطابع العسكري للموقع ويؤكد دوره الدفاعي في حماية الحدود الغربية للدولة المصرية القديمة.
أما الاكتشاف الأهم علميًا فتمثل في العثور لأول مرة في منطقة آثار البحيرة على جزء من لوحة حجرية تحمل نصًا بالخط الهيراطيقي للملك مرنبتاح، يتضمن إشارات تمجد قوة الملك وتشبهها بقوة المعبود سيث، إضافة إلى ذكر المعبود بتاح. ويمنح هذا الاكتشاف الباحثين مادة جديدة لدراسة التاريخ السياسي والديني خلال أواخر عصر الدولة الحديثة.
كما كشفت الحفائر عن بقايا لوحات أخرى تحمل أسماء وألقاب الملك رمسيس الثاني، فضلًا عن لوحة تصور أسيرًا ليبيًا مكبل اليدين، في إشارة إلى الصراعات التي شهدتها الحدود الغربية لمصر في تلك الفترة.
وضمت المكتشفات أيضًا مجموعة من الجعارين والتمائم الدينية المرتبطة بمعبودات مثل آمون وبتاح وسخمت وسيث، إلى جانب أوانٍ فخارية وأدوات للغزل والطحن والقياس وحفظ الزيوت والعطور، فضلًا عن حلي وأدوات زينة شخصية، لتقدم جميعها صورة متكاملة عن مجتمع عاش داخل الحصن، يجمع بين الواجب العسكري والحياة اليومية والممارسات الدينية.
وبينما يعود القناع المسترد من سويسرا إلى أكثر من ألفي عام، تعود آثار تل الأبقعين إلى ما يزيد على ثلاثة آلاف عام، إلا أن الرسالة التي يحملها الحدثان واحدة؛ وهي أن الحضارة المصرية ما زالت تكشف عن أسرار جديدة كل يوم، سواء عبر استعادة ما فقدته من كنوز أو عبر اكتشاف صفحات جديدة من تاريخها المدفون تحت الرمال.

اقرأ كذلك:-
مصر – الكشف عن مقبرة الملك تحتمس الـ 2 آخر مقبرة مفقودة لملوك الأسرة الثامنة عشر في مصر
مصر: كشف أثري جديد لرأس بطلمي من القرن الـ7 الميلادي بالإسكندرية
مصر : الكشف عن بقايا استراحة الملك تحتمس بتل حبوة بشمال سيناء
مصر .. الكشف عن أقدم حالة التهاب المفاصل الروماتويدي في مصر القديمة
كشف أثري جديد في “سقارة” ورئيس الوزراء يعلن تفاصيله قريبا في مؤتمر صحفي عالمي




