أخبار عاجلةالرأي

الكاتب والمحلل السياسي الليبي إدريس احميد يكتب : الكاميرون في ظل غياب بول بيا… قراءة في المشهد وأسباب الغياب ومآلات الأوضاع

نحاول قراءة المشهد في الكاميرون في ظل غياب الرئيس بول بيا خارج البلاد للشهر الثاني، وما يثيره هذا الغياب من تساؤلات حول أسبابه، وطبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، خاصة في ظل التغييرات العسكرية الواسعة التي شهدتها المؤسسة العسكرية، وما قد تحمله هذه التطورات من انعكاسات على مستقبل الوضع السياسي والأمني.
فالكاميرون اليوم أمام مرحلة دقيقة، ليس فقط بسبب غياب الرئيس، وإنما لأن الأمر يتعلق برئيس يعد من أقدم زعماء العالم، حيث يتولى السلطة منذ عام 1982، أي لأكثر من أربعة عقود، استطاع خلالها الحفاظ على استقرار نسبي في بلد يتميز بتنوعه العرقي والثقافي والجغرافي، ويحتل موقعاً مهماً في منطقة وسط أفريقيا.
ومع استمرار غياب بول بيا عن الظهور العلني، برزت تساؤلات حول وضعه الصحي، وطبيعة إدارة شؤون الدولة خلال هذه الفترة، خاصة أن نظام الحكم في الكاميرون ارتبط طوال سنوات طويلة بشخص الرئيس ودوره في إدارة الملفات السياسية والأمنية. ورغم تأكيد السلطات أن الرئيس يواصل ممارسة مهامه وأن مؤسسات الدولة تعمل بشكل طبيعي، فإن طول فترة الغياب أعاد ملف الخلافة السياسية إلى واجهة النقاش.

بول بيا وسياسة الحفاظ على استقلال القرار

خلال فترة حكمه الطويلة، حرص بول بيا على الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، رغم العلاقة التاريخية التي تربط الكاميرون بفرنسا باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة.
ورغم استمرار التعاون بين البلدين في مجالات متعددة، فإن ياوندي حاولت الحفاظ على هامش من الاستقلالية في سياستها الخارجية، وعدم الارتهان لطرف دولي واحد، من خلال بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، بما فيها الدول الأوروبية والولايات المتحدة والصين وروسيا وغيرها.
وقد اعتمدت الكاميرون سياسة تقوم على تحقيق المصالح الوطنية، والحفاظ على التوازن في علاقاتها الخارجية، بما يمنحها مساحة للتحرك السياسي والاقتصادي بعيداً عن الاصطفافات الحادة.

الاقتصاد الكاميروني… موارد متعددة وتحديات التنمية

تعد الكاميرون من الاقتصادات المهمة في منطقة وسط أفريقيا، وتمتلك إمكانات طبيعية واقتصادية كبيرة، حيث يعتمد اقتصادها على مجموعة من القطاعات، في مقدمتها الزراعة التي تمثل أحد أهم مصادر الدخل وفرص العمل للسكان.
وتنتج البلاد العديد من المحاصيل الزراعية المهمة، مثل الكاكاو، والقهوة، والقطن، والموز، وزيت النخيل، إضافة إلى الثروة الحيوانية والموارد الغابية.
كما يشكل قطاع الطاقة والموارد الطبيعية مصدراً مهماً للاقتصاد، خاصة النفط والغاز، إلى جانب الثروات المعدنية، رغم التحديات المرتبطة بتراجع إنتاج النفط مقارنة بمراحل سابقة، والحاجة إلى تنويع مصادر الدخل.
وتتمتع الكاميرون بموقع جغرافي مميز جعلها مركزاً تجارياً مهماً في وسط أفريقيا، حيث يمثل ميناء دوالا شرياناً اقتصادياً مهماً ليس فقط للكاميرون، بل أيضاً لبعض دول الجوار التي تعتمد عليه في حركة التجارة.
ورغم هذه الإمكانات، تواجه البلاد تحديات تنموية تتمثل في الحاجة إلى تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية، وتقليل معدلات الفقر، ورفع مستوى دخل المواطن، حيث لا يزال مستوى الدخل لا يعكس حجم الموارد والإمكانات التي تمتلكها الدولة.
ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام الكاميرون لا يتمثل فقط في تحقيق النمو الاقتصادي، بل في تحويل الموارد الطبيعية إلى تنمية حقيقية يشعر بها المواطن، من خلال الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية وخلق فرص العمل.

التغييرات العسكرية ودلالاتها السياسية

تأتي التغييرات الواسعة داخل المؤسسة العسكرية في توقيت حساس، ما جعلها محل اهتمام داخلي وخارجي، خاصة أنها حدثت بالتزامن مع غياب الرئيس.
ولا يمكن النظر إلى المؤسسة العسكرية في الكاميرون باعتبارها مجرد جهاز أمني، فهي تمثل إحدى أهم ركائز الدولة، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها البلاد، ومنها تهديدات جماعة بوكو حرام في المناطق الشمالية، والأزمة الانفصالية في المناطق الناطقة بالإنجليزية، إضافة إلى التحديات الأمنية في منطقة وسط أفريقيا.
وقد تكون هذه التغييرات جزءاً من عملية إعادة ترتيب داخل الجيش، بهدف تعزيز الانضباط وضمان تماسك المؤسسة العسكرية، خاصة في مرحلة حساسة قد تشهد مستقبلاً انتقالاً سياسياً.
لكن توقيتها جعل البعض يربطها بالتحضير لمرحلة ما بعد بول بيا، باعتبار أن الجيش في العديد من الدول الأفريقية يلعب دوراً مهماً في مراحل التحول السياسي.

مستقبل الكاميرون… بين الاستقرار واحتمالات التغيير

يبقى السؤال الرئيسي: إلى أين تتجه الكاميرون في ظل استمرار غياب الرئيس بول بيا؟ , فالتحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بشخص الرئيس، وإنما بقدرة مؤسسات الدولة على إدارة المرحلة المقبلة، والحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني، وضمان انتقال منظم للسلطة إذا ما دخلت البلاد مرحلة جديدة.
وتظهر التجارب الأفريقية أن الدول التي تعتمد لفترات طويلة على شخصية واحدة تواجه اختباراً صعباً عند حدوث أي انتقال سياسي، ولذلك فإن قوة المؤسسات تصبح العامل الأساسي في حماية الدولة ومنع حدوث اضطرابات.
إن مستقبل الكاميرون سيتحدد بمدى قدرة مؤسساتها على الحفاظ على تماسكها، ومواصلة مسار التنمية، والاستمرار في سياسة خارجية متوازنة تحفظ استقلال القرار الوطني، بما يعزز مكانتها في محيطها الإقليمي والدولي.
فالمشهد الكاميروني اليوم لا يتعلق فقط بغياب رئيس، بل بمرحلة اختبار لدولة تحاول الانتقال من استقرار ارتبط بشخصية سياسية تاريخية إلى استقرار قائم على قوة المؤسسات.

 

طالع أيضا :

الكاتب والمحلل السياسي الليبي إدريس احميد يكتب : ثورة 23 يوليو.. ملحمة نضالية سطرتها مصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى