الكاتب والمحلل السياسي السوداني عمار العركي يكتب : ٦ + ٤ + ٥ = ١٥ أبريل

في 17 فبراير 2023، كتبت مقالا بعنوان ( مبعوثـون ستة ومصالحهم شتـى ) بمناسبة زيارة ستة مبعوثين دوليين إلى الخرطوم، تزامنت مع زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وقتها كان الرقم ٦ يُلخص مشهدا سياسيا تتعدد فيه المداخل الدولية إلى السودان، وتتقاطع المصالح والأجندات، بينما بدا السودان ساحة مفتوحة لتنافس المبادرات والوسطاء.
بعدها ظهر الرقم ٤ في صورة الرباعية، في محاولة للانتقال من تعدد المبعوثين إلى قدر أكبر من التنسيق وتقليل الخلافات بين المبادرات و المسارات الخارجية، واليوم يأتي الرقم ٥ مع الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي وإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وتصل إلى الخرطوم على مستوى السفراء.
الموضوع أكبر من مجرد أرقام : ٦ + ٤ + ٥ = ١٥، والـ١٥ هو 15 أبريل. ليست لعبة حسابية، لكنها رمزية تختصر مسارا سياسيا كاملا. السداسية، ثم الرباعية، ثم الخماسية؛ ثلاث صيغ مختلفة للحضور الخارجي حول السودان، ثم جاء 15 أبريل ليقطع السياق القديم ويجبر الجميع على إعادة حساباته.
فما قبل 15 أبريل ليس كما بعده، قبل الحرب كانت الأزمة تدار إلى حد كبير عبر المبادرات والوساطات والضغوط السياسية، أما بعد 15 أبريل فأصبحت الوقائع العسكرية، وموقع الدولة، وموازين القوة، والتدخلات الإقليمية، أمورا لا يمكن لأي مقاربة سياسية جادة تجاهلها.
ومن هنا تصل اليوم الخماسبة إلى الخرطوم في واقع مختلف عن واقع الصيغ السابقة، فالخرطوم استعادت موقعها كمركز للقرار و المؤسسات عادت إلى العاصمة، والخريطة الميدانية تغيرت، وموازين القوة أعيد ترتيبها، بينما بدأت خطوات استعادة ملكية الحوار السياسي.
الخماسية ستبدأ مهمتها بلقاء رئيس مجلس السيادة للاستماع إلى رؤيته حول الحوار السياسي الشامل، ثم تتشاور مع مختلف القوى السياسية والمدنية، بالتوازي مع لقاء وكالات ومنظمات الأمم المتحدة للوقوف على الوضع الإنساني، وهذا الترتيب يجعل الزيارة أقرب إلى إعادة قراءة للمشهد واختبار للمواقف.
الاختبار الحقيقي للخماسية هو قدرتها على قراءة واقع السودان بعد 15 أبريل، وفهم أن التسوية السياسية لا يمكن أن تتجاهل الواقع العسكري، أو تساوي آليا بين الدولة والتمرد، أو تتجاوز العامل الخارجي الذي أسهم في إطالة الحرب. وأي مسار يتجاهل هذه الحقائق سيكون أقرب إلى إعادة تدوير للمسارات السابقة.
في المقابل، يبرز مسار تهيئة الحوار السوداني–السوداني، بفكرة أن يتولى السودانيون صياغة مسارهم السياسي، وأن يكون الخارج مساعدا وضامنا. وهنا تتاح للخماسية فرصة دعم هذا المسار، بدلا من إضافة مسار جديد إلى قائمة المسارات.
قد تكون إحدى نتائج الزيارة عودة الخماسية إلى عواصمها بفهم مختلف عن الذي جاءت به، وليس ضروريا أن تنتج الأيام الثلاثة اتفاقا أو اختراقا سياسيا، بل يكفي أن تعيد الجهات الخمس ترتيب أولوياتها، وتقترب من قراءة أكثر واقعية، وتدرك أن أي مسار قادم يحتاج إلى مخاطبة الدولة ومؤسساتها، والاستماع إلى القوى السودانية، ومعالجة المسار الإنساني، من دون فصل ذلك عن حقيقة الحرب ومآلاتها.
الخماسية تضم أطرافا ذات مصالح ورؤى مختلفة، وإذا استطاعت الخروج من الخرطوم بحد أدنى من التوافق حول طبيعة الأزمة ومسار الحوار، فستكون قد حققت نتيجة مهمة، حتى من دون إعلان سياسي كبير.
لا أتوقع أن تنتهي زيارة الأيام الثلاثة باتفاق سلام أو اختراق نهائي، لكني أتوقع انتقالا من إدارة الأزمة إلى إعادة تعريف مسارها السياسي، فإذا فهمت الخماسية أن ما قبل 15 أبريل لا يمكن استعادته، وأن الحوار القادم ينبغي أن يستند إلى الواقع السوداني الجديد، فقد تكون الزيارة بداية لمسار أكثر واقعية.
وهنا تعود المعادلة إلى نقطة البداية: ٦ + ٤ + ٥ = ١٥ أبريل، ستة مبعوثين، ثم أربعة، ثم خمسة؛ أرقام تلخص مراحل متعاقبة من الحضور الخارجي، لكن الرقم ١٥ هو الذي غيّر قواعد اللعبة، وأجبر الجميع على إعادة حساباتهم.
خـلاصـة القـول ومنتهـاه :
في 2023 كان السؤال: ماذا يريد المبعوثون الستة من السودان؟ أما اليوم، بعد 15 أبريل، فالسؤال الأهم: ماذا يريد السودان من الخماسية؟ الفرق بين السؤالين هو المسافة التي قطعتها البلاد، فإذا نجحت الخرطوم في تحويل الزيارة من منصة للاستماع إلى فرصة لإعادة تعريف المسار السياسي، ونجحت الخماسية في دعم مسار يصوغه السودانيون، فإنها تكون قد بدأت التعامل مع معادلة السودان الجديدة… معادلة تبدأ من 15 أبريل، ولا يمكن العودة بها إلى ما قبله.
طالع أيضاً
خبير سوداني يرد على وزير المياه الإثيوبي: «السيطرة على مياه النيل» تكشف الهدف الحقيقي لسد النهضة



