أخبار عاجلةالرأي

 العميد دكتور محمد حجاب يكتب : إثيوبيا على خط النار السوداني .. مخاطر شبكة الإمداد العابرة للحدود وانعكاساتها على الأمن القومي المصري

تدخل الحرب السودانية عامها الرابع وهي تتحول بصورة متزايدة من مواجهة داخلية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى صراع تتشابك فيه الجغرافيا العسكرية مع شبكات الإمداد والتمويل والدعم الإقليمي، بحيث أصبحت مسارات الحرب الخارجية جزءًا لا يتجزأ من قدرتها على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها زمنًا بعد زمن, ويركز هذا التقدير على متغير محدد يتمثل في احتمال تحول أجزاء من أراضي إثيوبيا، ولا سيما في الغرب منها، إلى عقد لوجستية مرتبطة بمسرح العمليات في النيل الأزرق، وما قد يترتب على ذلك من إعادة تشكيل جزئية لهندسة الحرب السودانية وتداعياتها الإقليمية على نحو يتجاوز حدود الجغرافيا العسكرية الضيقة.

ولا يقوم هذا التقدير على افتراض مسبق بأن الحكومة الإثيوبية اتخذت قرارًا رسميًا بتسليح قوات الدعم السريع، كما لا يعتبر النشاط المرصود داخل الأراضي الإثيوبية دليلًا تلقائيًا على مسؤولية الدولة الإثيوبية عن كل عمليات الدعم أو النقل, وإنما ينطلق من فرضية أكثر تحفظًا وقابلية للاختبار، مفادها أن تكرار مؤشرات الحركة الجوية واللوجستية، بالتزامن مع التغيرات التي طرأت على بعض المنشآت العسكرية والجوية، وتصاعد العمليات في النيل الأزرق، قد يشير إلى تشكل قدرة لوجستية عابرة للحدود يمكن أن تؤثر في استدامة العمليات العسكرية داخل السودان.

وتتمثل الفرضية المركزية لهذا التقدير في أن استمرار استخدام عقد لوجستية إثيوبية، إذا تأكد واستمر بالوتيرة التي تشير إليها الأدلة المتاحة، لن تكمن أهميته في كمية الأسلحة أو المعدات التي يمكن نقلها في رحلة منفردة، وإنما في قدرته على توفير تدفق متكرر للإمدادات، بما يعزز قدرة أحد أطراف الحرب على التعويض والاستمرار، ويزيد الضغط على جبهة النيل الأزرق، ويعمّق تدريجيًا تداخل الأمن العسكري السوداني مع الأمن الحدودي الإثيوبي والأمن المائي المصري, وهذه الفرضية المركزية هي التي يُختبر صمودها على امتداد صفحات هذا التقدير، من خلال تقاطع الأدلة لا من خلال دليل منفرد.

وتكتسب المسألة أهميتها من تقاطع أربع مسارات رئيسية: مؤشرات نشاط لوجستي وجوي في منشآت إثيوبية؛ وأدلة مفتوحة المصدر تتضمن صورًا فضائية وتحليلًا لحركة الطيران؛ وتصاعد العمليات في النيل الأزرق؛ والارتباط الاستراتيجي بين النيل الأزرق والأمن المائي المصري, وقد خلص مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل إلى أن النشاط المرصود في قاعدة أسوسا يتسق بدرجة ثقة عالية مع تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وهو استنتاج تكرر في تحديثات متتالية للمختبر خلال إبريل ومايو ويونيو وأغسطس 2026‎([1]‎)، بينما توفر بيانات ACLED مؤشرًا مستقلًا على انتقال النيل الأزرق إلى مرحلة أكثر عنفًا خلال 2026‎([2]‎).

ولا تقف الشواهد عند هذا الحد؛ فقد أضافت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، في تقريرها المقدَّم إلى مجلس حقوق الإنسان في أول سبتمبر/أيلول 2026 تحت عنوان «تغذية الصراع في السودان: الأسلحة والمقاتلون وشبكات الدعم الخارجي»، شهادات ميدانية تفيد بوجود مقاتلين يحملون الجنسية الإثيوبية ضمن صفوف قوات الدعم السريع‎([3]‎)، فيما كان تحقيق وكالة رويترز الذي نُشر في 10 فبراير/شباط 2026 قد قدّم أول دليل مباشر على معسكر تدريب في منطقة مينجي ببنيشنغول-قوميز يضم ما يقارب 4300 من عناصر الدعم السريع، وفق الوثائق التي استند إليها التحقيق‎([4]‎). ومع ذلك، تبقى مسؤولية الدولة الإثيوبية المباشرة عن كل نشاط مرصود مسألة تحتاج إلى مزيد من الأدلة القاطعة، وهو تحفظ منهجي يحرص هذا التقدير على عدم تجاوزه.

ويتعامل هذا التقدير مع الأدلة المتاحة وفق ثلاث درجات تحليلية: حقائق موثقة، وقرائن ومؤشرات متقاطعة، واستنتاجات تقديرية. وتستند درجة الثقة في الحكم النهائي إلى تقاطع أكثر من نوع من الأدلة، لا إلى دليل منفرد, ومن ثم فإن وجود منشأة عسكرية أو تغيّر إنشائي داخل مطار لا يمثل في ذاته إثباتًا على استخدامها لدعم أحد أطراف الحرب، كما أن الرحلات الجوية المصنَّفة باعتبارها مشبوهة لا تثبت طبيعة الحمولة بمفردها. لكن تراكم هذه العناصر، حين يتزامن زمنيًا وجغرافيًا مع تصاعد العمليات العسكرية، يرفع من قيمة الفرضية ويجعلها جديرة بالمتابعة والتحقق المستقل.

ويقدّر هذا التقرير، بدرجة ثقة متوسطة إلى مرتفعة في الاتجاه العام، ومتوسطة في تفاصيل المسؤولية والحمولة والوظيفة الدقيقة لكل عقدة لوجستية، وأن الخطر الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور ليس نشوب حرب مصرية–إثيوبية مباشرة، ولا حتى بالضرورة اندلاع حرب سودانية–إثيوبية شاملة، وإنما ترسّخ مسار إمداد إقليمي يجعل النيل الأزرق جبهة أكثر استدامة، ويرفع احتمالات الاحتكاك السوداني–الإثيوبي، ويزيد تداخل الأمن العسكري مع الأمن المائي.

وتنبع أهمية هذا التمييز من أن السيناريو الأكثر احتمالًا ليس بالضرورة هو السيناريو الأعلى أثرًا؛ فالسيناريو الأرجح هو استمرار شبكة الدعم الخارجية بدرجات متفاوتة، بينما يتمثل السيناريو الأخطر في انتقال الحرب إلى مواجهة سودانية–إثيوبية مباشرة أو تحول الاضطراب في النيل الأزرق إلى مسار يرتبط بصورة مباشرة بملف المياه, ولذلك ينبغي أن تُبنى السياسة المصرية على مسارين متوازيين: التعامل مع الاحتمال الأكثر ترجيحًا، والاستعداد في الوقت ذاته للسيناريو الأعلى تأثيرًا.

وبناءً عليه، تتمثل الاستجابة الأنسب لمصر في استراتيجية «الاحتواء النشط»، تقوم على رفع قدرات الرصد والإنذار المبكر، ودمج بيانات الأقمار الصناعية وحركة الطيران والمعلومات الميدانية، وتعميق التنسيق مع السودان، والتحرك الدبلوماسي عبر الاتحاد الأفريقي وإيغاد، ودعم آليات الشفافية والتحقق، واستخدام الأدوات القانونية والمالية الموجهة ضد شبكات النقل والتمويل التي يثبت تورطها، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إثيوبيا.

كما يوصي التقدير بالحفاظ على فصل سياسي وإعلامي واضح بين رصد نشاط لوجستي داخل الأراضي الإثيوبية وبين اتهام الدولة الإثيوبية رسميًا بالانخراط في الحرب السودانية، ما لم تظهر أدلة حاسمة؛ فهذا الفصل لا يضعف الموقف المصري، بل يعزز مصداقيته ويمنح القاهرة هامشًا أوسع للتحرك الدبلوماسي، ويحد من فرص تحول التقدير الأمني إلى أزمة سياسية يصعب احتواؤها.

أولًا: موضوع تقدير الموقف ومشكلته

إن المسألة التي يتعين على صانع القرار تقديرها ليست مجرد صحة الاتهام السوداني لإثيوبيا، ولا تحديد مسؤولية سياسية نهائية عن كل رحلة أو منشأة، وإنما معرفة ما إذا كان نمط متكرر من الحركة الجوية والتجهيزات والمنشآت قد أوجد قدرة لوجستية عابرة للحدود تؤثر في العمليات داخل السودان، وما إذا كانت هذه القدرة قابلة للاستمرار والتوسع، وما حجم تأثيرها المحتمل في ميزان العمليات, ومن هنا ينتقل مركز الثقل في التقدير من سؤال «من يدعم من؟» إلى سؤال أكثر قابلية للقياس: هل توجد شبكة إمداد قابلة للاستمرار، وما قدرتها على تغيير ميزان العمليات، وما التداعيات التي يمكن أن تترتب عليها بالنسبة إلى مصر؟

ويفترض هذا التقدير أن قيمة أي شبكة لوجستية لا تُقاس بمجرد وجودها، وإنما بثلاثة متغيرات مترابطة هي استمرارية التدفق، والقدرة على التعويض، والقدرة على ربط العقد اللوجستية بمسرح العمليات, فإذا توافرت هذه العناصر بدرجة كافية، فإن أثر الشبكة يمكن أن يتجاوز وظيفتها النقلية المباشرة إلى التأثير في قدرة أحد أطراف الصراع على الاستمرار، وتوزيع قواته وموارده، وإعادة فتح أو تنشيط جبهات جديدة.

ومن هذه الزاوية، فإن التقدير لا يفترض مسبقًا أن كل نشاط جوي أو إنشائي داخل إثيوبيا مرتبط بالحرب السودانية، وإنما يبحث في التغيّر الزمني والوظيفي في استخدام المنشآت، ذلك أن المنشأة العسكرية القائمة لا تمثل في ذاتها دليلًا على الدعم، كما أن الرحلة الجوية لا تثبت بمفردها طبيعة الحمولة؛ لكن حين تتقاطع تغيرات المنشآت مع نشاط جوي متكرر، ومع قرب جغرافي من الجبهة، ومع تغيرات في نمط العمليات العسكرية، تصبح القرائن أكثر أهمية ويصعب تجاهلها.

وتشير المعطيات الإنسانية إلى أن هامش الخطأ في التعامل مع هذا التطور ضيق للغاية؛ فالحرب أجبرت ملايين السودانيين على النزوح، وقدّرت المنظمة الدولية للهجرة في مايو 2026 حجم النزوح المرتبط بالحرب بنحو 14 مليون شخص فرّوا من منازلهم منذ اندلاعها‎([5]‎)، بينما واصلت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وصف السودان بأنه أحد أكبر أزمات النزوح في العالم‎([6]‎). وفي يوليو 2026 سجّلت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة نحو 8.62 مليون نازح داخليًا، إلى جانب نحو 4.93 مليون عائد إلى مناطقهم الأصلية‎([7]‎), ولا تمثل هذه الأرقام مجرد خلفية إنسانية للتقدير، وإنما تدخل في صلب الحساب الاستراتيجي؛ ذلك أن أي تحول في مسارات الإمداد يمكن أن يؤثر في مدة الحرب، ومن ثم في حجم النزوح واستمرار الضغط على المجتمعات الحدودية.

وفي تقديري أن اتساع الأزمة الإنسانية يجعل أي تحول في مسارات الإمداد ذا أثر يتجاوز الحساب العسكري الضيق؛ لأن نقل الحرب إلى جبهة جديدة يعني احتمال إنتاج موجات نزوح إضافية، وتعطيل طرق التجارة، وتوسيع مساحة النشاط المسلح على الحدود، وهو ما يفرض على صانع القرار النظر إلى اللوجستيات باعتبارها متغيرًا أمنيًا وإنسانيًا في آن واحد، لا باعتبارها مسألة تقنية معزولة عن سياقها البشري.

ثانيًا: الموقف الراهن والبيئة الإقليمية

تُظهر تطورات عام 2026 أن الحرب السودانية أصبحت أكثر ارتباطًا بالبيئة الأمنية للقرن الأفريقي, وقد رصدت دراسات كل من Chatham House وCSIS تشابك نزاعات السودان وإثيوبيا وجنوب السودان مع صراعات النفوذ والحدود وممرات التجارة، بما يجعل انتقال التأثيرات عبر الحدود سمة بنيوية في الإقليم وليست حادثًا استثنائيًا عابرًا‎([8][9]‎). وتزداد أهمية هذا التطور في ضوء طبيعة الدولة السودانية بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب؛ إذ لم يعد الصراع محصورًا في مراكز حضرية أو جبهات محددة، بل أصبح شبكة من المسارح المتداخلة، تتأثر بدرجة متزايدة بقدرة الأطراف على الوصول إلى الموارد والمقاتلين والأسلحة والمعدات.

وفي هذا السياق تصاعدت الاتهامات السودانية لإثيوبيا خلال عام 2026، بما في ذلك اتهام الخرطوم باستخدام مطار بحر دار في هجمات بطائرات مسيّرة، بينما نفت أديس أبابا هذه الاتهامات ووصفتها بأنها لا تستند إلى أساس, وتبقى هذه الروايات السياسية غير كافية وحدها لإثبات المسؤولية، لكنها اكتسبت وزنًا أكبر لأنها تزامنت مع تقارير مفتوحة المصدر عن تغيرات في بعض المنشآت الجوية الإثيوبية، ومع نشاط لوجستي جوي، ومع تصاعد القتال في النيل الأزرق.

وقد أضاف تحقيق وكالة رويترز الصادر في 10 فبراير/شباط 2026 بعدًا أكثر تحديدًا لهذه الروايات، إذ استند إلى ثمانية مصادر ووثائق أمنية إثيوبية داخلية لكشف وجود معسكر تدريب في منطقة مينجي ببنيشنغول-قوميز ويستوعب آلاف عناصر قوات الدعم السريع‎([10]‎)، وأشار إلى أن اللواء غيتاتشو غودينا، رئيس الاستخبارات العسكرية الإثيوبية، هو الضابط المسؤول رسميًا عن إدارة هذا الموقع ‎([11]‎).

وهنا ينبغي التمييز بدقة بين الرواية السياسية والدليل العملياتي؛ فالاتهام الصادر عن طرف منخرط في الحرب يمثل معلومة عن موقفه السياسي وإدراكه للتهديد، لكنه لا يمثل وحده دليلًا على وقوع الفعل، أما صور الأقمار الصناعية وحركة الطيران والأنشطة الإنشائية فهي لا تثبت وحدها هوية الجهة المستفيدة، لكنها تقدّم مؤشرات مستقلة يمكن استخدامها لاختبار الروايات السياسية, ومن هنا نستطيع أن نقول إن قيمة الدليل لا تنبع من مصدره السياسي، وإنما من مدى تقاطعه مع مصادر أخرى مستقلة عنه.

ويظهر هنا عامل مهم؛ فإذا كان الدعم الخارجي للحرب السودانية قد ارتبط في مراحل سابقة بممرات في غرب السودان وتشاد وليبيا، فإن انتقال جزء من النشاط نحو إثيوبيا، إذا تأكد واستمر، يعني تغيرًا في هندسة الحرب نفسها , وهذا لا يعني بالضرورة اختفاء المسارات السابقة، بل يعني احتمال نشوء شبكة متعددة المراكز قادرة على تعويض نفسها وتوزيع المخاطر، وهو ما يزيد صعوبة قطع الإمدادات ويعزز قدرة الحرب على الاستمرار.

ويتمثل المتغير الحاسم هنا فيما إذا كانت إثيوبيا تمثل مسار عبور مؤقتًا أم عقدة لوجستية قابلة للاستمرار؛ فالفرق بين الحالتين كبير، ففي الحالة الأولى يكون التأثير محدودًا زمنيًا، بينما تعني الحالة الثانية تحولًا بنيويًا في قدرة أحد أطراف الحرب على الوصول إلى الموارد, ونستنتج مما سبق أن مسار التطور بين هاتين الحالتين هو ما ينبغي أن تتابعه أجهزة الرصد المصرية بأولوية قصوى في المرحلة المقبلة.

ثالثًا: الأدلة التي يقوم عليها التقدير ودرجات الثقة

تعتمد قوة هذا التقدير على تقاطع الأدلة لا على دليل منفرد, وتأتي في مقدمة هذه الأدلة صور الأقمار الصناعية المتسلسلة التي تسمح بمقارنة حالة المنشآت قبل تصاعد النشاط وبعده, ففي بحر دار رُصدت أعمال بناء وحفر وتوسعة لمنشآت وأرصفة خلال الفترة الممتدة من أواخر 2025 إلى 2026، بينما أظهرت صور قاعدة هرار ميدا أعمالًا على المدرج ورصيفًا إضافيًا ومنشأة يُحتمل ارتباطها بالمسيّرات, أما أسوسا، فقد ظهرت فيها منذ التقرير الأول الصادر في 8 أبريل/نيسان 2026 عن الفترة الممتدة من 29 ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى 29 مارس/آذار 2026 حاويات شحن وخزانات وقود وخيام ومركبات وأنشطة لوجستية داخل قاعدة تابعة لقوات الدفاع الإثيوبية، شملت إنشاء مواقع قتالية دفاعية وتوسعة مرافق المطار بما فيها حظيرة طائرات جديدة ومنصة خرسانية‎([12]‎).

والدلالة الأساسية لهذه الصور ليست أن إثيوبيا تمتلك قواعد عسكرية، فهذا أمر معروف أصلًا، وإنما أن نمط الاستخدام قد يكون قد تغيّر خلال الفترة نفسها التي شهدت تصاعد العمليات في النيل الأزرق, وهذا فرق منهجي مهم؛ إذ إن المنشأة العسكرية القائمة لا تمثل في ذاتها دليلًا على الدعم، بينما يمكن أن تصبح التغيرات الزمنية المتزامنة مع حركة الطيران والنشاط الميداني قرينة أقوى, وقد وثّق تحقيق موسّع صدر في 10 يونيو/حزيران 2026 عن مختبر ييل، وشمل أكثر من عشر منشآت عسكرية إثيوبية خلال الفترة من 29 مارس إلى 9 يونيو 2026، استمرار تعديل مركبات تجارية خفيفة وإعادة طلائها بألوان داكنة مطابقة لتلك التي تستخدمها قوات الدعم السريع في ساحات القتال، دون أن يعثر الباحثون على نمط مماثل في أي من المنشآت الأخرى التي شملها المسح، وهو ما رجّح كون أسوسا نقطة تحويل مخصَّصة لا موقعًا عرضيًا ضمن شبكة أوسع‎([13]‎).

ولم يتوقف هذا النمط عند منتصف العام؛ فقد رصد تحديث لاحق للمختبر، نُشر في 28 أغسطس/آب 2026، زيادة قدرها ستون حاوية شحن جديدة داخل قاعدة أسوسا خلال الفترة من 29 يونيو إلى 23 أغسطس 2026، إضافة إلى خمس عشرة حاوية شحن جديدة وثماني شاحنات نقل بضائع على الأقل خلال الأسبوع الأخير من هذه الفترة وحدها، كما وثّق اكتمال سقف منشأة تبلغ مساحتها سبعين مترًا في سبعة عشر مترًا بحلول 23 أغسطس، يُرجَّح أنها حظيرة لتخزين المركبات.

وفي غضون خمسة أيام فقط، بين 23 و28 أغسطس، رصدت الصور الفضائية نحو مئة مركبة قتالية خفيفة جديدة إلى جانب نحو خمس عشرة مركبة اعتُبرت متسقة مع ناقلات جنود مدرعة، فضلًا عن وصول ناقلات مركبات ومقطورات ومعدات لوجستية إضافية، في مؤشر على تسارع لافت في وتيرة النشاط يتزامن زمنيًا مع الهجمات الواسعة التي شنتها قوات الدعم السريع في أغسطس على الكرمك وقيسان، وسيطرتها لاحقًا على قاعدة بكوري الواقعة على بعد نحو 170 كيلومترًا من الدمازين‎([14]‎).

أما الأدلة الجوية فتشير البيانات المتاحة في التحقيقات المفتوحة إلى نحو 170 رحلة شحن وُصفت بأنها مشبوهة بين مارس و18 يوليو 2026، اتجهت نحو 153 رحلة منها إلى إثيوبيا، أي نحو 90 في المئة من إجمالي الرحلات المرصودة، مقابل 14 رحلة إلى تشاد، مع ذروة بلغت 47 رحلة في يونيو‎([15]‎). وهذه الأرقام لا تثبت طبيعة الحمولة، لكنها تشير إلى تمركز لافت في مسار إثيوبيا يستحق التحقق المستقل , ولا ينبغي التعامل مع نسبة التسعين في المئة باعتبارها دليلًا مباشرًا على شحن الأسلحة، وإنما باعتبارها مؤشرًا على تركّز النشاط المرصود؛ ويزداد وزن هذا المؤشر عندما تتم مقارنته بهوية المشغل، ونوع الطائرة، ومكان الهبوط، وتكرار الرحلات، وتوقيت الرحلة، وإغلاق إشارات التتبع أحيانًا، والتغيرات المادية في المنشآت, ومن الخطأ منهجيًا تحويل أي عنصر منفرد إلى إثبات، لكن من الخطأ أيضًا تجاهل تراكم القرائن عندما تتحرك جميعها في الاتجاه نفسه.

وقد اكتسبت هذه القرائن مفتوحة المصدر سندًا مؤسسيًا إضافيًا حين خلصت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، في تقريرها المقدَّم إلى مجلس حقوق الإنسان في أول سبتمبر/أيلول 2026 تحت عنوان «تغذية الصراع في السودان: الأسلحة والمقاتلون وشبكات الدعم الخارجي»، إلى أن شهودًا أفادوا بوجود مقاتلين من إثيوبيا وجنوب السودان وتشاد يخدمون بصورة رئيسية في أدوار قتالية أمامية ضمن صفوف قوات الدعم السريع، جرى التعرف على بعضهم من خلال اللغة واللكنة وأحيانًا الزي، بمن فيهم مقاتلات رُصدن في الفاشر ومواقع أخرى‎([16]‎). وأشارت البعثة إلى أنها وجّهت في 11 يونيو/حزيران 2026 طلبًا رسميًا للحصول على معلومات من الحكومة الإثيوبية للتعاون مع تحقيقها في الأنشطة غير المشروعة المرتبطة بالصراع السوداني، دون أن تتلقَّ ردًا حتى إعداد التقرير، وهو ما يضيف وزنًا مؤسسيًا لمنظومة الأدلة المفتوحة المصدر، وإن ظل التقرير نفسه يصف مسؤولية الدولة الإثيوبية بأنها مسألة تستحق مزيدًا من التقصي لا حكمًا نهائيًا مقطوعًا به‎([17]‎).

وبناءً على ما تقدَّم يمكن تصنيف الأدلة المتاحة إلى ثلاث درجات تحليلية متمايزة ,فأما الدرجة الأولى فهي الوقائع الموثقة، وتشمل البيانات المنشورة من مؤسسات دولية أو بحثية بشأن النزوح، وتصاعد العمليات في النيل الأزرق، والتغيرات الاقتصادية، وبعض نتائج تحليل صور الأقمار الصناعية , وأما الدرجة الثانية فهي القرائن المتقاطعة، وتشمل تزامن النشاط الجوي مع التغيرات الإنشائية، وقرب بعض المنشآت من الحدود، وتكرار الرحلات، وربط النشاط المرصود بمسرح العمليات.

وأما الدرجة الثالثة فهي الاستنتاجات التقديرية، وتشمل احتمال أن تكون هذه العناصر جزءًا من شبكة إمداد مستدامة، واحتمال تأثيرها في قدرة قوات الدعم السريع على الاستمرار، واحتمال انتقال مركز الثقل العملياتي نحو النيل الأزرق. وبهذه المنهجية، فإن الثقة في وجود مؤشرات على نشاط لوجستي عابر للحدود تُعد أعلى من الثقة في تحديد طبيعة كل شحنة أو الجهة السياسية التي تقف خلفها، كما أن الثقة في احتمال تأثير هذا النشاط في استدامة الحرب تظل مرتبطة باستمرار التدفق وحجمه، لا بمجرد إثبات وجوده.

رابعًا: العقد اللوجستية المحتملة ووظائفها

تمثل العقد اللوجستية المحتملة عنصرًا أساسيًا في فهم الفرضية المركزية لهذا التقدير؛ ذلك أن القيمة الاستراتيجية لا تنشأ من منشأة منفردة، وإنما من تكامل الوظائف بين عدة مواقع متباعدة جغرافيًا لكنها متكاملة وظيفيًا, وتمثل بحر دار في هذا السياق عقدة ذات استخدام مزدوج، إذ تجمع بين البنية المدنية والقدرة العسكرية والقرب النسبي من السودان، وتزداد أهميتها في التقدير بسبب ما أظهرته الصور من تغيرات إنشائية، وبسبب اتهامات الخرطوم المتعلقة باستخدام المطار في عمليات مسيّرة؛ غير أن هذه العناصر وحدها لا تسمح بإثبات أن كل نشاط داخل المطار كان مرتبطًا بالحرب السودانية، ولذلك ينبغي أن يظل تقدير وظيفة بحر دار في نطاق العقدة ذات الاستخدام المزدوج إلى أن تتوافر أدلة أكثر حسمًا.

أما مطار أديس أبابا بولي، فتبرز أهميته من كونه البوابة الجوية الرئيسية لإثيوبيا؛ ويمكن لمطار مدني كبير أن يؤدي وظيفة لوجستية غير مباشرة عبر استقبال شحنات أو أفراد ثم إعادة توزيعهم إلى منشآت عسكرية أو عقد أخرى, ومن هنا نستطيع أن نقول إن القيمة الاستراتيجية للعقد المدنية لا تكمن في طابعها العسكري الظاهر، بل في قدرتها على دمج النقل المدني بالحركة اللوجستية، وهو ما يجعلها جزءًا محتملًا من سلسلة الإمداد حتى في حالة عدم استخدامها مباشرة في العمليات العسكرية.

وتبدو أسوسا العقدة الأكثر حساسية في هذا التقدير بسبب قربها من الحدود ومن جبهة النيل الأزرق، وبسبب تراكم الأدلة المستقلة التي جمعها مختبر ييل عبر أربع تحديثات متعاقبة بين إبريل وأغسطس 2026 حول نشاط يتسق مع تقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع داخل قاعدة تابعة لقوات الدفاع الإثيوبية, وتمنح الجغرافيا هذه القاعدة ميزة زمنية؛ فالقرب من الكرمك ومناطق القتال يقلل المسافة بين التجهيز ومسرح العمليات، إذا كانت المواد المنقولة مخصصة فعلًا للجبهة. وتكتسب أسوسا بذلك أهمية أكبر من مجرد كونها منشأة قريبة من الحدود؛ إذ يمكن أن تمثل، إذا تأكدت وظيفتها، الحلقة الأكثر مباشرة بين البنية اللوجستية الإثيوبية ومسرح العمليات في النيل الأزرق، لا سيما في ضوء اتهام مسؤول محلي سوداني في مطلع سبتمبر/أيلول 2026 لقوات الدعم السريع بإدارة أربع معسكرات تدريب داخل الأراضي الإثيوبية ، تُستخدم أيضًا لتوجيه عمليات المسيّرات وتمرير الدعم اللوجستي‎([18]‎).

أما هرار ميدا فتبدو في هذا التقدير عقدة مساندة مرتبطة بالطيران والمسيّرات، ولا ينبغي تحميل الأدلة الخاصة بها أكثر مما تحتمل؛ فقيمة الموقع لا تأتي من حادثة واحدة، وإنما من احتمال تكامله مع العقد الأخرى ضمن شبكة تؤدي وظائف الاستقبال والعبور والتخزين والتجهيز والتشغيل, ومن ثم فإن الصورة الأكثر اتساقًا مع الفرضية المركزية ليست وجود «قاعدة واحدة» تقدم الدعم، وإنما احتمال وجود منظومة متعددة العقد تختلف فيها الوظائف بين الاستقبال والتخزين والتجهيز والنقل والتشغيل، على نحو يذكّر بما وثّقته دراسة أكاديمية سابقة عن الدعم الإثيوبي لحركات التمرد في جنوب السودان بين عامي 1962 و1983، حين اعتمد هذا الدعم بدوره على شبكة من الروابط المحلية والإقليمية والدولية المتشابكة لا على قناة واحدة‎([19]‎).

خامسًا: ماذا يعني ذلك عسكريًا؟

إذا صحّ وجود مسار إمداد مستمر عبر إثيوبيا، فإن أهم أثر عسكري له ليس مجرد إضافة أسلحة إلى أحد طرفي الحرب، بل تحسين القدرة على استدامة العمليات؛ ذلك أن اللوجستيات في الحروب الممتدة تُقاس بانتظام التدفق، وسرعة التعويض، والقدرة على إعادة توزيع الأفراد والمعدات، لا فقط بحجم الشحنة الواحدة. ومن هنا فإن السؤال العسكري الأساسي ليس كم سلاحًا يمكن أن يصل عبر هذا المسار، وإنما هل يستطيع هذا المسار أن يحافظ على تدفق منتظم من الموارد بما يمنع استنزاف أحد أطراف الحرب.

وتكتسب المسيّرات أهمية خاصة في هذا السياق؛ فقد سجّلت ACLED 515 ضربة مسيّرة في السودان خلال 2025، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 2670 شخصًا، مع زيادة كبيرة مقارنة بالعام السابق، مؤكدة أن أرقام الوفيات لديها تمثل حدودًا دنيا محافظة وليست تقديرًا شاملًا للوفيات المباشرة وغير المباشرة‎([20]‎).

وقد أضافت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق رقمًا مقاربًا يعزز الاتجاه ذاته، إذ أشارت إلى مقتل أكثر من ألف شخص في هجمات بالمسيّرات خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 وحدها، مع اتهام الطرفين بضربات طالت مناطق مأهولة بالمدنيين‎([21]‎). ولذلك فإن انتقال مزيد من قدرات المسيّرات أو مكوناتها إلى النيل الأزرق يمكن أن يحوّل طبيعة القتال، لا أن يرفع حجمه فقط، وتتعلق أهمية هذه المسيّرات هنا بثلاث وظائف محتملة هي الاستطلاع، وتحديد الأهداف، وتنفيذ الضربات، بحيث يمكن لإدخال هذه القدرات إلى جبهة جديدة أن يرفع كفاءة العمليات حتى في حالة عدم زيادة حجم القوات بصورة كبيرة,كما أن الربط بين النيل الأزرق ودارفور عبر جنوب السودان يرفع القيمة العملياتية لأي شبكة متعددة العقد؛ إذ يسمح بإعادة توزيع الأفراد والموارد بين جبهات متباعدة، ويجبر القوات المسلحة السودانية على توزيع قدراتها على مساحة أوسع. ونستنتج مما سبق أن الميزة المحتملة ليست في جبهة منفردة، وإنما في القدرة على جعل عدة جبهات تعمل ضمن منظومة واحدة، بما يفرض على الطرف الآخر توزيع موارده الدفاعية ويزيد كلفة السيطرة على المساحات الواسعة. وقد بدا هذا المنطق حاضرًا في وقائع أغسطس 2026 حين وسّعت قوات الدعم السريع نطاق هجماتها من الكرمك وقيسان إلى الاستيلاء على بكوري، على بعد 170 كيلومترًا من الدمازين، في تسلسل عملياتي يصعب فصله زمنيًا عن التسارع الموازي في النشاط اللوجستي داخل أسوسا خلال الفترة نفسها‎([22]‎).

ومع ذلك، يجب عدم المبالغة في تقدير الأثر العسكري قبل معرفة حجم الإمدادات وطبيعتها وانتظامها؛ فالشبكة اللوجستية لا تصبح عاملًا حاسمًا إلا إذا تجاوزت عتبة معينة من الاستمرارية والقدرة الاستيعابية. ولذلك يظل حجم التدفق واستمراريته أحد أهم المتغيرات التي ينبغي مراقبتها في المرحلة المقبلة، وهو ما يقودنا بالضرورة إلى مسألة تقدير مستوى التهديد المترتب على هذا التطور.

سادسًا: تقدير مستوى التهديد

يمكن تقسيم الخطر المترتب على هذا التطور إلى ثلاثة مستويات مترابطة يغذي كل منها المستوى الذي يليه. فأما المستوى الأول فيتمثل في خطر استمرار الدعم اللوجستي الخارجي، وأثره المباشر هو إطالة أمد الحرب وتقليل فرص الحسم السياسي، من خلال توفير قدرة إضافية لأحد الأطراف على التعويض وإعادة بناء قدرته القتالية؛ ويُقدَّر احتمال هذا المستوى بأنه مرتفع نسبيًا إذا استمرت الحرب دون تسوية سياسية جادة، بينما يظل أثره متوسطًا إلى مرتفع بحسب حجم التدفقات الخارجية.

وأما المستوى الثاني فيتمثل في انتقال مركز الثقل العملياتي نحو النيل الأزرق، عبر زيادة النشاط العسكري قرب الحدود الإثيوبية، بما يرفع الضغط على المنطقة الحدودية ويزيد احتمالات النزوح والاشتباكات؛ ويُقدَّر احتمال هذا المستوى بأنه متوسط إلى مرتفع، بينما يتمثل أثره في كونه مرتفعًا بالنسبة إلى السودان وإثيوبيا، ومتناميًا بالنسبة إلى مصر.

وأما المستوى الثالث، وهو الأوسع استراتيجيًا، فيتمثل في تداخل الحرب السودانية مع التنافس المصري–الإثيوبي وملف سد النهضة؛ وهذا لا يعني بالضرورة وجود تهديد عسكري مباشر للسد، وإنما احتمال تآكل الفصل بين الأمن العسكري والأمن المائي، وهو سيناريو أقل احتمالًا في صورته المباشرة، لكنه عالي الأثر إذا تحقق.

وفي تقديري أن الخطر الأكثر ترجيحًا في المدى القصير يتمثل في استمرار النشاط اللوجستي الخارجي وتزايد أهمية النيل الأزرق، بينما تظل الحرب المباشرة بين السودان وإثيوبيا أقل احتمالًا, وقد رصدت ACLED تدهور العلاقات الثنائية وارتفاع مخاطر الاشتباكات الحدودية، مع بقاء الحرب المباشرة بين الدولتين أقل احتمالًا نسبيًا‎([23]‎). ومن هنا نستطيع أن نقول إن الخطر الرئيسي بالنسبة إلى مصر ليس «قاعدة إثيوبية» بعينها، وإنما تحوّل الحدود الشرقية للسودان إلى مساحة صراع مستدامة يمكن أن تربط الأمن العسكري بالأمن المائي، وتزيد من عدم اليقين حول مستقبل السودان والقرن الأفريقي.

جدول (1): مصفوفة تقدير الخطر

مستوى الخطورة التأثير الاحتمال التقديري الخطر
مرتفع استراتيجيًا شديد جدًا منخفض ارتباط مباشر بين الحرب وملف سد النهضة
مرتفع استراتيجيًا مرتفع جدًا منخفض–متوسط مواجهة سودانية–إثيوبية مباشرة
مرتفع مرتفع متوسط توسع النشاط الحدودي السوداني–الإثيوبي
مرتفع مرتفع متوسط–مرتفع توسع العمليات في النيل الأزرق
مرتفع متوسط–مرتفع مرتفع استمرار مسارات الإمداد الخارجية

وتوضح هذه المصفوفة أن الخطر الأكثر احتمالًا، وهو استمرار مسارات الإمداد الخارجية، ليس بالضرورة الأشد أثرًا في ذاته، لكنه العتبة التي تُبنى عليها بقية المستويات؛ ذلك أن استمراره هو الشرط الذي يرفع احتمال توسع العمليات في النيل الأزرق، وهو بدوره ما يرفع احتمال الاحتكاك الحدودي، وصولًا إلى السيناريوهين الأعلى خطورة والأقل احتمالًا في آن واحد.

سابعًا: البعد الاقتصادي والقدرة على الاستمرار

لا ينبغي فصل القدرة اللوجستية عن البيئة الاقتصادية المحيطة بها؛ فقد قدّر صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الحقيقي لإثيوبيا بنحو 9.3 في المئة في السنة المالية 2025/2026، مع توقع 8.6 في المئة في 2026/2027، بينما تراجع التضخم المتوقع من 11.9 إلى 9.3 في المئة، مع بقاء سعر السياسة النقدية عند 15 في المئة‎([24]‎). كما تضع بيانات الأونكتاد الناتج المحلي الإثيوبي في عام 2024 عند نحو 139.6 مليار دولار، مع صادرات سلعية تقارب 4.5 مليارات دولار وواردات نحو 21.5 مليار دولار‎([25]‎). وتوضح هذه الأرقام أن إثيوبيا تمتلك اقتصادًا كبيرًا نسبيًا في الإقليم وقادرًا على دعم بنية تحتية ونقل عسكري متطور، لكنها في الوقت نفسه تواجه اختلالًا تجاريًا خارجيًا واضحًا.

ولذلك فإن استمرار أي شبكة إمداد عابرة للحدود يظل مرتبطًا بمصادر تمويل وشركاء خارجيين وقدرة على توفير الوقود والطيران والنقل، وهي متغيرات يمكن استهدافها دبلوماسيًا ورقابيًا دون اللجوء إلى التصعيد العسكري‎([26]‎). وقد أضافت الوثائق التي استند إليها تحقيق رويترز بُعدًا محددًا لهذه الملاحظة، إذ أشارت إلى إنشاء معسكر مينجي وتطوير مرافق أسوسا المرتبطة بالمسيّرات على حد سواء، بما يعني أن سلسلة التمويل لا تقتصر على الطرف الإثيوبي وحده، وإنما تشمل شبكة أوسع من الأطراف الإقليمية الممولة‎([27]‎). وهنا تبرز أهمية النظر إلى اللوجستيات باعتبارها سلسلة مترابطة؛ فحتى إذا توافرت الطائرات والمنشآت، فإن استمرار النشاط يحتاج إلى الوقود والصيانة والتمويل والقدرة على تأمين عمليات النقل وإعادة التوزيع.

أما السودان فقد أضعفته الحرب اقتصاديًا وإنسانيًا إلى درجة تجعل استمرار تدفق الدعم الخارجي أكثر تأثيرًا في ميزان القوة؛ وتُظهر بيانات الأونكتاد عمق التدهور في التجارة والنشاط الاقتصادي، بما يعزز فكرة أن الحرب لا تجري داخل سوق أو اقتصاد قادر على امتصاص الصدمة، وإنما داخل دولة تتعرض بنيتها الاقتصادية والإنسانية للاستنزاف‎([28]‎).

ومن ثم فإن أي شبكة إمداد خارجية تعمل في بيئة اقتصادية منهكة يمكن أن تملك تأثيرًا نسبيًا أكبر من تأثير شبكة مماثلة في دولة ذات قدرة اقتصادية مستقرة؛ لأن الطرف الذي يتلقى الإمداد يكون أكثر اعتمادًا على الموارد الخارجية، وأقل قدرة على تعويضها من مصادره الذاتية.

ثامنًا: التداعيات على مصر وحوض النيل

تنبع حساسية هذا التطور بالنسبة إلى مصر من الموقع الجغرافي للنيل الأزرق، لا من حجم التجارة المصرية–الإثيوبية؛ فقد بلغت الصادرات المصرية إلى إثيوبيا نحو 79.45 مليون دولار في عام 2025، بينما بلغت الواردات المصرية من إثيوبيا نحو 27.97 مليون دولار، بإجمالي تجارة سلعية يقارب 107.4 ملايين دولار‎([29]‎). ومن هنا نستطيع أن نقول إن أهمية العلاقة لا تُقاس بحجم التجارة وحده، بل بالمياه والحدود والأمن الإقليمي؛ إذ تشير الدراسات المحكَّمة إلى أن النيل الأزرق يسهم بنحو 55 إلى 57 في المئة من متوسط تدفق النيل عند اتجاهه شمالًا، بينما تنبع النسبة الأكبر من مياه النيل من المرتفعات الإثيوبية، وهو ما يجعل أي عسكرة ممتدة في منطقة النيل الأزرق ذات قيمة استراتيجية بالنسبة إلى القاهرة، حتى من دون وجود تهديد مباشر لسد النهضة‎([30]‎).

والخطر الأكثر واقعية ليس أن يقود القتال تلقائيًا إلى استهداف سد النهضة، وإنما أن يؤدي إلى تآكل الفصل بين الأمن المائي والأمن العسكري؛ فإذا أصبحت الحدود السودانية–الإثيوبية وجبهة النيل الأزرق مجالًا دائمًا للنشاط المسلح والإمداد الخارجي، فإن كل أزمة جديدة ستُقرأ في القاهرة والخرطوم أيضًا من زاوية المياه والسد والحدود. وهنا تتشكل سلسلة سببية ينبغي لصانع القرار المصري التعامل معها بوعي تراكمي: فاستمرار الإمداد الخارجي يفضي إلى إطالة الحرب، وإطالة الحرب تفضي إلى زيادة عسكرة النيل الأزرق، وزيادة العسكرة تفضي إلى ارتفاع النشاط الحدودي، وارتفاع النشاط الحدودي يفضي إلى زيادة الاحتكاك السوداني–الإثيوبي، وهذا بدوره يفضي إلى ارتفاع الحساسية المصرية تجاه ملف المياه، لتنتهي هذه السلسلة إلى تضييق هامش الحركة الاستراتيجية المصرية. ولا يعني هذا المسار أن كل مرحلة ستؤدي حتميًا إلى المرحلة التالية، وإنما يعني أن تراكمها يمكن أن يخفض هامش المناورة ويزيد درجة عدم اليقين.

وفي تقديري أن هذا هو المتغير الذي يستحق أعلى درجات الاهتمام الاستراتيجي؛ لأن السودان يمثل نقطة تقاطع بين الأمن المصري، والأمن الإثيوبي، وأمن جنوب السودان، والبحر الأحمر، وشبكات التجارة والطاقة في شرق أفريقيا, وبذلك لا ينبغي لمصر أن تتعامل مع النيل الأزرق بوصفه مجرد جبهة سودانية داخلية، وإنما باعتباره مساحة تفاعل بين ثلاثة ملفات أمنية مترابطة هي استقرار السودان، وأمن الحدود، والأمن المائي.

تاسعًا: المصالح والخيارات أمام مصر

تتمثل المصلحة المصرية الأساسية في منع تحول السودان إلى مساحة صراع إقليمي مفتوحة، ومنع استقرار أي بنية دعم خارجية قادرة على إطالة الحرب أو نقلها إلى النيل الأزرق، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات التعامل مع إثيوبيا وتجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة. ولا يعني ذلك أن الخيار المصري يجب أن يكون سلبيًا أو قائمًا على الانتظار؛ بل على العكس، فإن طبيعة الخطر تفرض احتواءً نشطًا يجمع بين أدوات المعلومات والدبلوماسية والضغط الإقليمي.

ويتمثل الخيار الأول في الاحتواء الدبلوماسي، عبر العمل مع الاتحاد الأفريقي وإيغاد والأطراف المؤثرة للضغط من أجل آلية تحقق ومراقبة لمسارات السلاح والطيران؛ وتتمثل ميزة هذا الخيار في خفض التصعيد والحفاظ على الشرعية الإقليمية، بينما تكمن مخاطره في بطء المؤسسات الإقليمية وصعوبة فرض الالتزامات‎([31][32]‎).

أما الخيار الثاني فيتمثل في تعزيز الرصد والإنذار المبكر، عبر دمج صور الأقمار الصناعية وبيانات الطيران والمعلومات الميدانية في آلية متابعة واحدة؛ ويمتاز هذا الخيار بأنه دفاعي وقابل للتنفيذ ولا يتطلب إعلان مواجهة، لكنه يحتاج إلى استثمارات تقنية ومؤسسية مستمرة، وتتمثل الأولوية هنا في الانتقال من رصد الحوادث المنفردة إلى رصد الأنماط المتكررة، أي متابعة التغير في عدد الرحلات، وأنواع الطائرات، وأوقات الحركة، والمنشآت التي تستقبلها، ومدى اقترانها بتطورات الجبهة.

ويتمثل الخيار الثالث في تعميق التنسيق المصري–السوداني، عبر حماية الحدود والمنشآت المدنية وتبادل المعلومات؛ وتكمن قوة هذا الخيار في معالجة الخطر من مصدره القريب، بينما ينبغي تجنب أن يتحول إلى اصطفاف عسكري معلن يزيد من حساسية العلاقة المصرية–الإثيوبية.

أما الخيار الرابع، وهو الاستراتيجية المركبة، فيتمثل في الجمع بين الخيارات الثلاثة السابقة، مع استخدام أدوات قانونية ومالية موجهة ضد شبكات النقل والتمويل التي يثبت تورطها في نقل السلاح‎([33]‎). وفي تقديري أن هذا الخيار الرابع هو الأكثر اتزانًا لأنه يحقق الردع والشفافية دون تحويل الأزمة إلى صراع بين الدول.

عاشرًا: السيناريوهات المحتملة والمسارات المستقبلية

لا ينبغي التعامل مع السيناريوهات التالية باعتبارها توقعات جامدة، وإنما باعتبارها مسارات مشروطة يمكن أن تنتقل من أحدها إلى الآخر وفقًا للمحفزات والمؤشرات المصاحبة لها.

السيناريو الأول: الاحتواء التدريجي

يقوم هذا السيناريو على تراجع الأنشطة اللوجستية أو تحولها إلى أنماط أكثر تشتتًا نتيجة الضغط الدبلوماسي والرقابة الدولية، بالتزامن مع تقدم نسبي في مسارات التفاوض السودانية. وتتمثل محفزاته في تحسّن فرص التسوية السياسية، وزيادة الرقابة على حركة الطيران، وإنشاء آلية تحقق إقليمية، وتصاعد الضغط الدولي على شبكات التمويل والنقل، وهو ما بدأت ملامحه تظهر جزئيًا مع مبادرة الحوار السوداني–السوداني التي رحّب بها الاتحاد الأفريقي في 31 أغسطس/آب 2026‎([34]‎).

ويمكن استشفاف تحقق هذا المسار من انخفاض عدد الرحلات المشبوهة، وتراجع النشاط في العقد اللوجستية، وتوقف أو تباطؤ أعمال التوسعة، وانخفاض النشاط العسكري في النيل الأزرق. وأقدّر احتمال هذا السيناريو بأنه متوسط، ويرتفع إذا توافرت آلية تحقق حقيقية وتقدمت مسارات التفاوض بالفعل، على أن تحققه سيؤدي إلى تقليل قدرة الأطراف على إعادة إنتاج الحرب، وخفض مخاطر انتقالها إلى الحدود الإثيوبية، وإبقاء النيل الأزرق ضمن نطاق الصراع السوداني بدل تحوله إلى مسرح إقليمي.

السيناريو الثاني: استمرار شبكة الإمداد وتوسعها

يقوم هذا السيناريو على استمرار شبكة الإمداد وتحول إثيوبيا إلى إحدى عقد الدعم الخارجية المستقرة، مع استمرار المسارات الأخرى جنبًا إلى جنب معها, وتتمثل محفزاته في استمرار الحرب دون تسوية سياسية، واستمرار تدفق التمويل الخارجي من أطراف إقليمية كما أشار إليه تحقيق رويترز، وضعف آليات الرقابة، وقدرة الأطراف على استخدام أكثر من مسار لوجستي في آن واحد‎([35]‎), ويمكن استشفاف تحقق هذا المسار من استمرار الرحلات الجوية أو زيادتها، وتوسعة المنشآت، وارتفاع النشاط في أسوسا وبحر دار وغيرهما كما تُظهره تحديثات مختبر ييل المتعاقبة، وظهور عقد لوجستية جديدة، واستمرار العمليات في النيل الأزرق.

وفي تقديري أن هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا إذا استمرت الحرب من دون تسوية سياسية جادة؛ لأنه لا يتطلب تغييرًا جذريًا في سلوك الأطراف، وإنما استمرار الاتجاهات القائمة فعلًا، وهو ما تؤكده وتيرة النشاط المرصودة في أغسطس 2026 وحدها, وسيؤدي تحقق هذا السيناريو إلى إطالة الحرب، وتقليل فرص الحسم السياسي، وزيادة قدرة الأطراف على إعادة توزيع الموارد بين الجبهات، ورفع مستوى الضغط على النيل الأزرق.

السيناريو الثالث: تحول النيل الأزرق إلى جبهة رئيسية

يقوم هذا السيناريو على تحول منطقة النيل الأزرق إلى جبهة رئيسية في الحرب، مع زيادة استخدام المسيّرات والمعدات المنقولة عبر الحدود وتوسع الاشتباكات حول الكرمك وقيسان ومناطق أخرى، على النحو الذي بدا جليًا في سيطرة قوات الدعم السريع على بكوري في أغسطس 2026‎([36]‎).

وتتمثل محفزاته في استمرار تدفق الإمدادات، وزيادة القدرات الجوية والمسيّرات، وتوسع العمليات حول المناطق الحدودية، وضعف قدرة القوات السودانية على احتواء الجبهة. ويمكن استشفاف تحقق هذا المسار من ارتفاع كثافة الضربات المسيّرة، وزيادة النشاط العسكري قرب الحدود، وتوسع القتال حول المراكز الحدودية، وارتفاع حركة النزوح، وزيادة النشاط اللوجستي في غرب إثيوبيا. وهذا السيناريو أقل احتمالًا من السيناريو الثاني، لكنه الأعلى أثرًا على السودان وإثيوبيا وجنوب السودان ومصر معًا؛ إذ سيزيد الضغط على الحدود الإثيوبية، ويرفع احتمال الاحتكاك بين القوات السودانية والإثيوبية، ويجعل النيل الأزرق نقطة تقاطع مباشرة بين الحرب السودانية والأمن الإقليمي والأمن المائي.

السيناريو الرابع: انتقال الأزمة إلى مواجهة سودانية–إثيوبية مباشرة

يقوم هذا السيناريو على تطور الاتهامات والنشاطات الحدودية إلى عمليات عسكرية معلنة بين الدولتين. وتتمثل محفزاته في استهداف منشآت داخل إثيوبيا أو داخل السودان، وسقوط ضحايا عسكريين أو مدنيين على نطاق واسع نتيجة عمليات عابرة للحدود، وانهيار قنوات الاتصال، وتحول الدعم غير المباشر إلى مشاركة أكثر وضوحًا.

ويمكن استشفاف تحقق هذا المسار من عمليات عسكرية عبر الحدود، وحشد قوات كبيرة، وإغلاق أو تعطيل المعابر، وضرب منشآت داخل أراضي الطرف الآخر، وتحول الخطاب السياسي نحو التعبئة المباشرة. ويظل هذا السيناريو الأقل احتمالًا في المدى القصير، لكنه يمثل سيناريو منخفض الاحتمال عالي التأثير؛ إذ سيعيد رسم البيئة الأمنية للقرن الأفريقي، وقد يفتح جبهة جديدة في الحرب السودانية، ويزيد موجات النزوح، ويؤثر في طرق التجارة، ويرفع حساسية ملف المياه بالنسبة إلى مصر.

الحادي عشر: السيناريو الأرجح وتقدير الموقف النهائي

في تقديري أن السيناريو الأرجح هو استمرار شبكة الدعم الخارجية بدرجات متفاوتة، مع بقاء النيل الأزرق جبهة متقدمة في الحرب، من دون انتقال فوري إلى حرب مباشرة بين السودان وإثيوبيا. ويستند هذا التقدير إلى استمرار الحرب، وتعدد مصادر الدعم الخارجي كما يشير إليه تحقيق رويترز , إلى جانب الأدلة على الدور الإثيوبي المباشر، والقيمة الجغرافية للنيل الأزرق، وتوافر مؤشرات على بنية لوجستية متنامية في غرب إثيوبيا بلغت ذروتها في التسارع الذي وثّقه مختبر ييل خلال أغسطس 2026، مع بقاء القيود السياسية على نشوب مواجهة دولية مباشرة.

وتبلغ درجة الثقة في هذا التقدير متوسطة إلى مرتفعة بالنسبة إلى الاتجاه العام، ومتوسطة بالنسبة إلى حجم الشبكة وطبيعة الحمولة والمسؤولية الرسمية الإثيوبية المباشرة. وتتمثل نقطة التحول الأساسية التي يمكن أن تدفع السيناريو الثاني نحو الثالث في زيادة معدل التدفق اللوجستي بالتزامن مع ارتفاع كثافة العمليات في النيل الأزرق، وهو ما بدأت تظهر بوادره فعليًا مع سقوط بكوري. أما الانتقال من السيناريو الثالث إلى الرابع فيتطلب مؤشرات مختلفة نوعيًا، أبرزها وقوع عمليات عسكرية مباشرة داخل أراضي الدولتين أو انهيار آليات ضبط الحدود.

لكنني أرى أن السيناريو الأخطر ليس بالضرورة السيناريو الأكثر احتمالًا؛ فانتقال الحرب إلى مواجهة حدودية أو ارتباطها مباشرة بملف المياه قد يرفع تكلفة الأزمة بصورة تفوق كثيرًا حجم الخطر الحالي. ولذلك فإن السياسة المصرية يجب أن تُبنى على الجمع بين التعامل مع الاحتمال الأكثر ترجيحًا والاستعداد للسيناريو الأعلى تأثيرًا في آن واحد. ويعني ذلك أن مصر لا تحتاج إلى اتخاذ موقف تصعيدي مسبق، وإنما تحتاج إلى بناء قدرة مستمرة على الانتقال السريع بين مستويات الاستجابة وفقًا للمؤشرات المتاحة لحظة بلحظة.

الثاني عشر: مؤشرات الإنذار المبكر التي ينبغي متابعتها

لتجنب تحول هذا التقدير إلى وثيقة ثابتة، ينبغي بناء منظومة إنذار مبكر تراجع بصورة دورية جملة من المؤشرات المتكاملة. فمن الناحية الجوية واللوجستية، ينبغي متابعة عدد الرحلات المرتبطة بالعقد اللوجستية المحتملة ونوع الطائرات المستخدمة وقدرتها الاستيعابية، ومدى انتظام هذه الرحلات وتغيّر معدلها الشهري، إلى جانب التغيرات الإنشائية في المطارات والقواعد ذات الصلة، ووجود خزانات وقود وحاويات ومركبات في مواقع جديدة أو توسّع المواقع القائمة على النحو الذي رصدته تحديثات أسوسا المتعاقبة. ومن الناحية الميدانية، تبرز أهمية متابعة زيادة نشاط المسيّرات في النيل الأزرق، وتغيّر خطوط التماس حول الكرمك وقيسان والمناطق الحدودية، وارتفاع معدلات النزوح من مناطق النيل الأزرق.

ومن الناحية السياسية والدبلوماسية، ينبغي رصد أي تحول في الخطاب السياسي السوداني أو الإثيوبي من الاتهام إلى التهديد المباشر، وأي حشد للقوات على جانبي الحدود، أو إغلاق للمعابر أو تعطيل لحركة التجارة. ومن ناحية الأدلة والشبكات، تبقى الأولوية لظهور أدلة مستقلة إضافية على طبيعة الحمولة المنقولة، وتوسع الشبكة إلى عقد لوجستية إضافية غير التي جرى رصدها حتى الآن، وظهور مسارات تمويل أو نقل جديدة تضاف إلى ما كشفه تحقيق رويترز ، فضلًا عن تراجع أو زيادة النشاط تبعًا لتطورات المفاوضات السياسية القائمة. وتكمن أهمية هذه المؤشرات مجتمعة في أنها تسمح بالانتقال من تقدير مبني على الحوادث المنفردة إلى تقدير ديناميكي قائم على الاتجاهات المتراكمة عبر الزمن.

الثالث عشر: التوصية الاستراتيجية

أوصي باعتماد استراتيجية «الاحتواء النشط» بدلًا من سياسة الانتظار أو التصعيد. ويعني ذلك إنشاء آلية رصد مستمرة للنشاط الجوي واللوجستي على المحاور المرتبطة بالسودان، وتبادل المعلومات مع السودان والشركاء الإقليميين، واستخدام القنوات الأفريقية والدولية للمطالبة بالتحقق من شبكات الإمداد، مع دعم مسار تفاوضي يربط وقف إطلاق النار بوقف تدفق السلاح إلى جميع أطراف الحرب.

وفي المدى العاجل، أي خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ينبغي التركيز على رفع مستوى الرصد الجوي واللوجستي ودمج صور الأقمار الصناعية مع بيانات الطيران في قاعدة بيانات متحركة تغطي العقد اللوجستية المحتملة، مع متابعة مستمرة للنشاط في أسوسا وبحر دار وهرار ميدا وبولي، وتعزيز تبادل المعلومات مع السودان، ودعم آليات التحقيق والتحقق الدولية القائمة، بما فيها متابعة توصيات بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق التي طالبت أديس أبابا بالتعاون معها.

وفي المدى المتوسط، أي خلال ستة إلى اثني عشر شهرًا، ينبغي تطوير آلية مصرية–سودانية للإنذار المبكر، وتعميق التنسيق مع الاتحاد الأفريقي وإيغاد، ودعم آليات مراقبة حركة السلاح والطيران، وتطوير أدوات قانونية ومالية تستهدف شبكات النقل والتمويل المثبت تورطها بما فيها الأطراف الإقليمية الممولة، وربط التقييم العسكري بالتقييم الإنساني والاقتصادي بصورة منهجية لا عرضية.

أما على المدى الأبعد فينبغي بناء تصور متكامل لأمن النيل الأزرق، وإدماج السودان في التخطيط المصري للأمن الإقليمي لحوض النيل، مع الحفاظ على قنوات اتصال مع إثيوبيا حتى في حالات التوتر، ومنع تحول الأزمة السودانية إلى اصطفاف إقليمي دائم، وبناء قدرة وطنية مستقلة على تحليل صور الأقمار الصناعية وحركة الطيران والأنماط اللوجستية بدل الاعتماد الكلي على مصادر خارجية.

كما أوصي بالفصل السياسي والإعلامي بين رصد نشاط لوجستي داخل الأراضي الإثيوبية واتهام الدولة الإثيوبية رسميًا بالانخراط في الحرب، ما لم تظهر أدلة حاسمة؛ فهذا الفصل لا يضعف الموقف المصري، بل يمنحه مصداقية أكبر ويقلل فرص الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة. ويجب كذلك التعامل مع النيل الأزرق باعتباره مساحة أمنية مشتركة بين ثلاث ملفات مترابطة هي استقرار السودان، وأمن الحدود، والأمن المائي، بحيث يستلزم أي تطور عسكري كبير في المنطقة تقييمًا متزامنًا لتداعياته العسكرية والإنسانية والمائية.

الخاتمة

ونستنتج مما سبق أن جوهر المشكلة لا يكمن في مطار بعينه ولا في رحلة بعينها، وإنما في احتمال تشكّل شبكة لوجستية متعددة العقد قادرة على إطالة الحرب السودانية وإعادة توزيعها جغرافيًا. وتوفر صور الأقمار الصناعية وبيانات الرحلات والتحليل الميداني، إلى جانب تقارير مختبر ييل المتعاقبة، وتحقيق رويترز، وتقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، وبيانات ACLED، أساسًا كافيًا لاعتبار هذه الفرضية جدية وتستحق المتابعة، لكنها لا تكفي وحدها للجزم بمسؤولية رسمية شاملة للدولة الإثيوبية.

وتكمن القيمة الحقيقية لهذا التقدير في أن الخطر لا ينبغي أن يُقاس بمجرد وجود نشاط لوجستي، وإنما بمدى قدرته على التحول إلى قدرة مستدامة على إعادة الإمداد؛ فإذا بقي النشاط متقطعًا ومحدودًا، فإن أثره العسكري سيظل نسبيًا، أما إذا أصبح منتظمًا وقابلًا للتوسع ومرتبطًا بمسرح العمليات في النيل الأزرق، على النحو الذي بدأت تؤكده وتيرة التسارع في أغسطس 2026، فإنه يمكن أن يتحول إلى عامل مؤثر في استدامة الحرب. ومن هنا نستطيع أن نقول إن التحدي أمام مصر ليس البحث عن مواجهة جديدة، وإنما منع تشكل بيئة أمنية تجعل السودان والنيل الأزرق والحدود الإثيوبية مسرحًا دائمًا للحرب بالوكالة.

وفي تقديري أن أفضل استجابة هي بناء قدرة وطنية وإقليمية على الكشف المبكر، وتحويل الأدلة المفتوحة إلى معلومات قابلة للتحقق، واستخدام الدبلوماسية والعقوبات الموجهة والضغط الإقليمي بدلًا من التهديد العسكري المباشر. ولذلك فإنه من المؤكد أن مستقبل هذه الأزمة لن تحدده الجبهات وحدها؛ بل ستحدده أيضًا المطارات، ومسارات النقل، والتمويل، والقدرة على إعادة الإمداد، ومدى نجاح الأطراف الإقليمية في منع انتقال الحرب من السودان إلى النظام الأمني الأوسع في حوض النيل. وهكذا، فإذا لم تُحتوَ هذه المسارات، فإن الخطر الأكبر سيكون تآكل الحدود الفاصلة بين الحرب السودانية والأمن الإقليمي والمائي، وهو تطور ينبغي لمصر أن تستعد له من الآن.

والهدف الاستراتيجي في النهاية ليس إثبات اتهام سياسي ضد طرف بعينه، وإنما منع تحول شبكة الإمداد إلى بنية مستدامة للحرب، والحفاظ على النيل الأزرق خارج دائرة التصعيد الإقليمي، وحماية المصالح المصرية دون الانجرار إلى صراع مباشر.

 

 

قائمة المراجع

أولًا: التقارير المؤسسية والدولية

  1. African Union Commission. “African Union Commission Welcomes Sudanese-Sudanese Dialogue Initiative.” Addis Ababa: AU Commission, August 31, 2026. https://au.int/.
  2. “IGAD Convenes Third Forum of Special Envoys to Harmonise Mediation Efforts for Sudan.” Djibouti: IGAD, July 28, 2026. https://igad.int/peace-security/.
  3. International Monetary Fund, African Department. “Ethiopia: Selected Economic Indicators, 2022/23–2029/30.” IMF Country Report. Washington, DC: IMF, 2026. https://www.imf.org/en/Countries/ETH
  4. International Monetary Fund, African Department. “The Federal Democratic Republic of Ethiopia: Fifth Review Under the Extended Credit Facility Arrangement.” IMF Staff Country Report No. 2026/174. Washington, DC: IMF, July 13, 2026. https://www.imf.org/en/Countries/ETH
  5. International Organization for Migration, Displacement Tracking Matrix. “Blue Nile State: Focused Flash Alert, Update 003.” IOM, June 2026. https://dtm.iom.int/sudan
  6. International Organization for Migration, Displacement Tracking Matrix. “Sudan: Three Years of Conflict and Displacement.” IOM, May 12, 2026. https://dtm.iom.int/sudan
  7. International Trade Centre/UN Comtrade data, as reported by Trading Economics. “Egypt Exports to Ethiopia and Imports from Ethiopia.” 2025. https://comtradeplus.un.org/TradeFlow/.
  8. “Sudan Situation Appeal 2026.” Geneva: UNHCR, February 2026. https://data.unhcr.org/en/situations/sudansituation.
  9. United Nations Conference on Trade and Development. “General Profile: Ethiopia.” UNCTAD Data Hub, 2024 data, published 2025. https://unctadstat.unctad.org/CountryProfile/GeneralProfile/en-GB/231/index.html
  10. United Nations Conference on Trade and Development. “General Profile: Sudan.” UNCTAD Data Hub, 2024 data, published 2025. https://unctadstat.unctad.org/CountryProfile/GeneralProfile/en-GB/729/index.html
  11. United Nations Human Rights Council, Independent International Fact-Finding Mission for Sudan. “Fuelling Sudan’s Conflict: Weapons, Fighters and External Support Networks.” Geneva: UN Human Rights Council, September 1, 2026. https://www.ohchr.org/en/hr-bodies/hrc/ffm-sudan

ثانيًا: مراكز البحث ووسائل الإعلام

  1. “How to Interpret ACLED’s Fatality Records in Sudan.” Methodology Note. 2026. https://acleddata.com/country/sudan.
  2. Jalale Getachew Birru. “Blue Nile: From Peripheral Front to Central Battleground in the Sudan Conflict.” 2026. https://acleddata.com/country/sudan.
  3. Jalale Getachew Birru. “Q&A: How Do Escalating Tensions in the Middle East Affect the Sudan Conflict?” April 10, 2026. https://acleddata.com/country/sudan.
  4. Africa Defense Forum. “Report: Cargo Flights Arm Sudanese Paramilitary Group.” March 2026. https://adf-magazine.com/
  5. Chatham House. “Africa in 2026: Global Uncertainty Demands Regional Leadership.” London: Chatham House, January 2026. https://www.chathamhouse.org/2026/01/africa-2026-global-uncertainty-demands-regional-leadership
  6. Clash Report. “Ethiopia Has Aligned Itself With UAE-Backed RSF Terror Group.” 2026.
  7. Dizolele, Mvemba Phezo, Mwachofi Singo, and Hallelujah Wondimu. “Vying for Regional Leadership in the Horn of Africa: Kenya and Ethiopia, Competitors or Partners?” Washington, DC: Center for Strategic and International Studies, February 24, 2025. https://www.csis.org/analysis/vying-regional-leadership-horn-africa-kenya-and-ethiopia-competitors-or-partners
  8. Noon Post. “Civilian Vehicles Converted into Combat Vehicles: How Asosa Became a Supply Line for the RSF.” June 14, 2026. https://www.noonpost.com/
  9. Reuters, as reported by DNE Africa. “Ethiopia Secretly Training RSF Fighters for Sudan War.” February 10, 2026. https://www.reuters.com/investigations/ethiopia-builds-secret-camp-train-sudan-rsf-fighters-sources-say-2026-02-10/
  10. Sudan Tribune. “Sudanese Official Says RSF Running UAE-Backed Camps Inside Ethiopia.” September 3, 2026. https://sudantribune.com/.
  11. Yale School of Public Health, Humanitarian Research Lab. “Military Assistance to RSF Occurring at ENDF Base in Asosa, Ethiopia.” Special Report. New Haven, CT: Yale School of Public Health, April 8, 2026. https://medicine.yale.edu/.
  12. Yale School of Public Health, Humanitarian Research Lab. “Situation Report No. 76.” New Haven, CT: Yale School of Public Health, 2026. https://medicine.yale.edu/.
  13. Yale School of Public Health, Humanitarian Research Lab. Update of August 28, 2026, as reported by Sudan Tribune. “U.S. Report Reveals Military Build-up at Ethiopian Base Supporting the RSF.” https://sudantribune.net/.

ثالثًا: الدراسات الأكاديمية المحكمة

  1. Aalen, Lovise. “Ethiopian State Support to Insurgency in Southern Sudan from 1962 to 1983: Local, Regional and Global Connections.” Journal of Eastern African Studies 8, no. 4 (2014): 626–641. https://doi.org/10.1080/17531055.2014.949401
  2. Anand, Rashmi Rani. “Geopolitics and Regional Security: Analysing the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD) on the Blue Nile Basin.” African Renaissance 23, no. 2 (2026). https://doi.org/10.31920/2516-5305/2026/23n2a4
  3. Nature Communications. “Collaborative Management of the Grand Ethiopian Renaissance Dam Increases Economic Benefits and Resilience.” 2021.
  4. Nature Communications. “Understanding and Managing New Risks on the Nile with the Grand Ethiopian Renaissance Dam.” 2020.

رابعًا: الروابط الإلكترونية

  1. ACLED Sudan data and analysis: https://acleddata.com/country/sudan
  2. African Union: https://au.int/
  3. IGAD Peace and Security: https://igad.int/peace-security/
  4. Sudan Tribune: https://sudantribune.com/
  5. Sudan Tribune (Arabic): https://sudantribune.net/
  6. UN Comtrade Plus: https://comtradeplus.un.org/TradeFlow/
  7. UNHCR Sudan Situation Data Portal: https://data.unhcr.org/en/situations/sudansituation
  8. Yale Humanitarian Research Lab: https://medicine.yale.edu/

‎([1]‎) Yale School of Public Health, Humanitarian Research Lab, “Military Assistance to RSF Occurring at ENDF Base in Asosa, Ethiopia,” Special Report (New Haven, CT: Yale School of Public Health, April 8, 2026), https://ysph.yale.edu/download-file/c2c7e6a6-e87c-4fac-b3f4-347bbcb83559/.

‎([2]‎) ACLED, Jalale Getachew Birru, “Blue Nile: From Peripheral Front to Central Battleground in the Sudan Conflict” (ACLED, 2026), https://acleddata.com/report/blue-nile-peripheral-front-central-battleground-sudan-conflict.

‎([3]‎) United Nations Human Rights Council, Independent International Fact-Finding Mission for Sudan, “Fuelling Sudan’s Conflict: Weapons, Fighters and External Support Networks” (Geneva: UN Human Rights Council, September 1, 2026). https://www.ohchr.org/en/press-releases/2026/09/sudan-external-support-networks-are-fuelling-conflict-and-civilian-harm-un

‎([4]‎) Reuters, as reported by DNE Africa, “Ethiopia Secretly Training RSF Fighters for Sudan War,” February 10, 2026. https://www.reuters.com/investigations/ethiopia-builds-secret-camp-train-sudan-rsf-fighters-sources-say-2026-02-10/

‎([5]‎) International Organization for Migration, Displacement Tracking Matrix, “Sudan: Three Years of Conflict and Displacement” (IOM, May 12, 2026). https://dtm.iom.int/sudan

‎([6]‎) UNHCR, “Sudan Situation Appeal 2026” (Geneva: UNHCR, February 2026), https://data.unhcr.org/en/situations/sudansituation.

‎([7]‎) International Organization for Migration, Displacement Tracking Matrix, “Blue Nile State: Focused Flash Alert, Update 003” (IOM, June 2026); figures for July 2026 as summarized in subsequent DTM rounds, no page numbers available in the original web publication. https://dtm.iom.int/sudan

‎([8]‎) Chatham House, “Africa in 2026: Global Uncertainty Demands Regional Leadership” (London: Chatham House, January 2026). https://www.chathamhouse.org/2026/01/africa-2026-global-uncertainty-demands-regional-leadership

‎([9]‎) Mvemba Phezo Dizolele, Mwachofi Singo, and Hallelujah Wondimu, “Vying for Regional Leadership in the Horn of Africa: Kenya and Ethiopia, Competitors or Partners?” (Washington, DC: Center for Strategic and International Studies, February 24, 2025). https://csis-website-prod.s3.amazonaws.com/s3fs-public/2025-02/250224_Dizolele_Horn_Africa_0.pdf

‎([10]‎) Reuters, as reported by DNE Africa, “Ethiopia Secretly Training RSF Fighters for Sudan War,” February 10, 2026 (citing eight internal Ethiopian security documents referenced in the investigation). https://www.reuters.com/investigations/ethiopia-builds-secret-camp-train-sudan-rsf-fighters-sources-say-2026-02-10/

‎([11]‎) Reuters/DNE Africa, “Ethiopia Secretly Training RSF Fighters for Sudan War,” February 10, 2026 (regarding Maj. Gen. Getachew Gudina and the UAE-based Gorica Group). https://www.reuters.com/investigations/ethiopia-builds-secret-camp-train-sudan-rsf-fighters-sources-say-2026-02-10/

‎([13]‎) Yale School of Public Health, Humanitarian Research Lab, “Situation Report No. 76” (New Haven, CT: Yale School of Public Health, 2026), summarizing findings from the investigation of June 10, 2026, https://ysph.yale.edu/download-file/b23f037b-5084-4a8b-9594-62c781e4eaf4/.

‎([14]‎) Yale Humanitarian Research Lab, update of August 28, 2026, as reported in Sudan Tribune, “U.S. Report Reveals Military Build-up at Ethiopian Base Supporting the RSF,” https://sudantribune.net/article/318033.

‎([15]‎) Africa Defense Forum, “Report: Cargo Flights Arm Sudanese Paramilitary Group” (March 2026). https://adf-magazine.com/

‎([16]‎) United Nations Human Rights Council, Independent International Fact-Finding Mission for Sudan, “Fuelling Sudan’s Conflict,” September 1, 2026 (regarding foreign fighters within RSF ranks). https://www.ohchr.org/en/press-releases/2026/09/sudan-external-support-networks-are-fuelling-conflict-and-civilian-harm-un

‎([17]‎) United Nations Human Rights Council, Independent International Fact-Finding Mission for Sudan, “Fuelling Sudan’s Conflict,” September 1, 2026, 11 June 2026 information request to the Ethiopian government referenced therein. https://www.ohchr.org/en/press-releases/2026/09/sudan-external-support-networks-are-fuelling-conflict-and-civilian-harm-un

‎([18]‎) Sudan Tribune, “Sudanese Official Says RSF Running UAE-Backed Camps Inside Ethiopia,” September 3, 2026, https://addisstandard.com/un-mission-reports-ethiopian-nationals-among-rsf-foreign-fighters-urges-addis-ababa-to-engage/.

‎([19]‎) Lovise Aalen, “Ethiopian State Support to Insurgency in Southern Sudan from 1962 to 1983: Local, Regional and Global Connections,” Journal of Eastern African Studies 8, no. 4 (2014): 626–641. https://doi.org/10.1080/17531055.2014.949403

‎([20]‎) ACLED, “How to Interpret ACLED’s Fatality Records in Sudan,” Methodology Note (ACLED, 2026), https://acleddata.com/country/sudan.

‎([21]‎) United Nations Human Rights Council, Independent International Fact-Finding Mission for Sudan, “Fuelling Sudan’s Conflict,” September 1, 2026 (regarding drone strike fatalities in the first five months of 2026). https://www.ohchr.org/en/press-releases/2026/09/sudan-external-support-networks-are-fuelling-conflict-and-civilian-harm-un

‎([22]‎) Yale Humanitarian Research Lab, update of August 28, 2026, as reported in Sudan Tribune, “U.S. Report Reveals Military Build-up at Ethiopian Base Supporting the RSF.” https://sudantribune.net/article/318033

‎([23]‎) ACLED, “Blue Nile: From Peripheral Front to Central Battleground,” 2026 (regarding the deterioration of Sudanese–Ethiopian bilateral relations and the risk of border clashes). https://acleddata.com/report/blue-nile-peripheral-front-central-battleground-sudan-conflict

‎([24]‎) International Monetary Fund, African Department, “The Federal Democratic Republic of Ethiopia: Fifth Review Under the Extended Credit Facility Arrangement,” IMF Staff Country Report No. 2026/174 (Washington, DC: IMF, July 13, 2026). https://www.imf.org/en/Countries/ETH

‎([25]‎) United Nations Conference on Trade and Development, “General Profile: Ethiopia,” UNCTAD Data Hub, 2024 data (Geneva: UNCTAD, published 2025), n.p. https://unctadstat.unctad.org/CountryProfile/GeneralProfile/en-GB/231/index.html

‎([26]‎) International Monetary Fund, African Department, “Ethiopia: Selected Economic Indicators, 2022/23–2029/30,” IMF Country Report (Washington, DC: IMF, 2026). https://www.imf.org/en/Countries/ETH

‎([27]‎) Reuters/DNE Africa, “Ethiopia Secretly Training RSF Fighters for Sudan War,” February 10, 2026 (regarding UAE funding for the Menge camp and Asosa drone-related facilities). https://www.reuters.com/investigations/ethiopia-builds-secret-camp-train-sudan-rsf-fighters-sources-say-2026-02-10/

‎([28]‎) United Nations Conference on Trade and Development, “General Profile: Sudan,” UNCTAD Data Hub, 2024 data (Geneva: UNCTAD, published 2025), n.p. https://unctadstat.unctad.org/CountryProfile/GeneralProfile/en-GB/729/index.html

‎([29]‎) International Trade Centre/UN Comtrade data as reported by Trading Economics, “Egypt Exports to Ethiopia and Imports from Ethiopia,” 2025, https://comtradeplus.un.org/TradeFlow/.

‎([30]‎) Rashmi Rani Anand, “Geopolitics and Regional Security: Analysing the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD) on the Blue Nile Basin,” African Renaissance 23, no. 2 (2026), DOI: 10.31920/2516-5305/2026/23n2a4; see also Nature Communications, “Understanding and Managing New Risks on the Nile with the Grand Ethiopian Renaissance Dam” (2020). https://doi.org/10.31920/2516-5305/2026/23n2a4

‎([31]‎) African Union Commission, “African Union Commission Welcomes Sudanese-Sudanese Dialogue Initiative” (Addis Ababa: AU Commission, August 31, 2026), https://au.int/.

‎([32]‎) IGAD, “IGAD Convenes Third Forum of Special Envoys to Harmonise Mediation Efforts for Sudan” (Djibouti: IGAD, July 28, 2026), https://igad.int/peace-security/.

‎([33]‎) Noon Post, “Civilian Vehicles Converted into Combat Vehicles: How Asosa Became a Supply Line for the RSF,” June 14, 2026. https://www.noonpost.com/

‎([35]‎) Reuters/DNE Africa, “Ethiopia Secretly Training RSF Fighters for Sudan War,” February 10, 2026 (regarding the UAE financing network). https://www.reuters.com/investigations/ethiopia-builds-secret-camp-train-sudan-rsf-fighters-sources-say-2026-02-10/

‎([36]‎) Sudan Tribune, “Sudanese Official Says RSF Running UAE-Backed Camps Inside Ethiopia,” September 3, 2026. https://addisstandard.com/un-mission-reports-ethiopian-nationals-among-rsf-foreign-fighters-urges-addis-ababa-to-engage/

 

  • العميد دكتور محمد حجاب .. الخبير السياسي والعسكري رئيس وحدة الدراسات السياسية بمركز أون ريسيرش للبحوث العلمية والاستشارات

طالع أيضا :

صحيفة إثيوبية : تصاعد المخاوف من عودة التجنيد القسري في إثيوبيا وسط استمرار الأزمات السياسية والأمنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى