أخبار عاجلةالرأي

إثيوبيا تحترق من الداخل.. هل يستطيع أبي أحمد أن يهرب من أزمة الدولة باتهام الخارج؟

بقلم: العميد الدكتور محمد حجاب

 

هناك قاعدة سياسية قديمة تقول إن السلطة، عندما تعجز عن تفسير أزمتها من الداخل، تبدأ في البحث عن عدو في الخارج, وفي إثيوبيا اليوم تبدو هذه القاعدة أكثر حضورًا من أي وقت مضى.. فمع عودة القتال إلى تيغراي، واتساع التوترات إلى مناطق أخرى، وظهور تحالف مسلح جديد يضم سبع جماعات من خصوم الحكومة، يبدو أن إثيوبيا تدخل مرحلة جديدة من الصراع، بعد أقل من أربع سنوات على اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب السابقة بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي.

وفي مثل هذه اللحظات، قد يكون من السهل على حكومة أبي أحمد أن تقول إن ما يجري مؤامرة خارجية، وأن هناك أطرافًا إقليمية ودولية تريد إسقاط النظام وإضعاف الدولة الإثيوبية. 

لكنني أرى أن السؤال الأهم ليس: من يقف خلف الأزمة من الخارج؟

السؤال الحقيقي هو: لماذا أصبحت إثيوبيا قابلة لهذا القدر من الانفجار من الداخل؟

أزمة دولة وليست أزمة أبي أحمد فقط

في 23 سبتمبر 2026، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن قلق بالغ من التدهور السريع في شمال إثيوبيا، بينما كانت المعارك تتسع في تيغراي ومناطق مجاورة. وبعد ذلك بيوم واحد، كانت التقارير تتحدث عن اتساع رقعة القتال وعودة شبح الحرب إلى منطقة لم تستطع، رغم اتفاق بريتوريا، أن تتخلص من أسباب الصراع.

والأكثر دلالة أن سبع جماعات مسلحة أعلنت في 21 سبتمبر تشكيل تحالف ضد حكومة أبي أحمد، في تحالف يضم قوى كانت بينها خصومات وحروب في السابق. وهنا تكمن المفارقة.

خصوم الأمس أصبحوا اليوم قادرين على الجلوس في خندق واحد ضد الحكومة المركزية.

هذه ليست مجرد مشكلة أمنية, وليست مجرد أزمة بين رئيس وزراء ومعارضين , إنها علامة على أزمة أعمق في بنية الدولة الإثيوبية نفسها.

إثيوبيا دولة شديدة التنوع من حيث القوميات واللغات والهويات والتاريخات المحلية , وقد اختارت منذ تسعينيات القرن الماضي نظامًا فيدراليًا يقوم بدرجة كبيرة على أساس إثني، في محاولة لإدارة هذا التنوع.

لكن إدارة التنوع شيء، وتحويله إلى مواطنة شيء آخر.

فحين تصبح القومية بوابة إلى السلطة، يصبح الصراع على السلطة صراعًا على وجود القومية نفسها. وحين ترتبط الأرض بالهوية، يتحول النزاع على الأرض إلى معركة وجود , وحين تفقد القوميات الثقة في المركز، تصبح الدولة نفسها موضع نزاع. ومن هنا، فإن المشكلة الإثيوبية لا تبدأ من أبي أحمد، ولن تنتهي بالضرورة برحيله.

الدولة التي لم تحسم سؤال المواطنة

أعتقد أن أكبر مشكلة تواجه إثيوبيا اليوم هي أنها لم تحسم بعد السؤال الأكثر أهمية في بناء الدولة الحديثة: هل إثيوبيا دولة لكل مواطنيها، أم دولة تتنافس داخلها القوميات على السيطرة على المركز؟ هذا السؤال قد يبدو نظريًا، لكنه في إثيوبيا سؤال دموي وواقعي, فالحرب في تيغراي، والقتال في أمهرة، والصراع في أوروميا، والتوترات في مناطق أخرى، ليست ملفات منفصلة تمامًا عن أزمة الدولة.

صحيح أن لكل صراع أسبابه المباشرة، ولكل منطقة خصوصيتها، لكن الخيط الذي يجمع بينها هو الصراع على السلطة والأرض والموارد والهوية وعلاقة المركز بالأقاليم.

ولهذا فإنني لا أرى أن الحل يمكن أن يكون عسكريًا فقط. فقد تستطيع الدولة أن تهزم جماعة مسلحة اليوم، لكنها لن تستطيع أن تهزم الشعور بالظلم إذا ظل قائمًا. وقد تستطيع أن تستعيد مدينة، لكنها لن تستعيد ثقة سكانها بمجرد دخول القوات إليها , والدولة الحديثة لا تبنى بالقوة وحدها.

الدولة الحديثة تبنى عندما يشعر المواطن، مهما كانت قوميته أو لغته أو إقليمه، بأن الدولة دولته.

عقدة التوسع والبحر الأحمر

هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله في فهم العقل السياسي الإثيوبي، وهو العلاقة بين القوة والجغرافيا, فإثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، ولذلك فإن سعيها للحصول على منفذ بحري مصلحة اقتصادية واستراتيجية مفهومة.

ولا أحد يستطيع أن يلوم دولة حبيسة على البحث عن ميناء أو ممر تجاري, لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاحتياج إلى البحر إلى هاجس سياسي، ثم يتحول الهاجس إلى خطاب قوة، ثم يصبح البحر الأحمر جزءًا من مشروع لإعادة رسم موازين القوة في القرن الإفريقي.

ما حدث بعد مذكرة التفاهم الإثيوبية مع أرض الصومال في يناير 2024 كان كاشفًا؛ فقد تحولت قضية الوصول إلى البحر من مسألة تجارية إلى أزمة سيادة بين إثيوبيا والصومال, ثم عاد الحديث في 2026 عن ميناء عصب الإريتري وعن ترتيبات الوصول البحري، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين أديس أبابا وأسمرا.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:

إثيوبيا تحتاج إلى البحر، نعم؛ لكن البحر الأحمر لا يحتمل أن يتحول إلى ساحة جديدة للحرب.

فالطريق إلى البحر يمكن أن يكون عبر الاتفاقات، والاستثمارات، والموانئ المشتركة، والترتيبات التجارية، والشراكات الإقليمية, أما محاولة تحويل الجغرافيا إلى قوة سياسية تفرض نفسها على الآخرين، فلن تؤدي إلا إلى مزيد من التوتر في منطقة هي أصلًا واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا.

سد النهضة.. مشروع عملاق لا يستطيع بناء دولة

وهنا أختلف مع من يتعامل مع المشروع باعتباره مجرد ورقة في الخلاف المصري الإثيوبي, فسد النهضة مشروع حقيقي وضخم، وأصبح بعد افتتاحه في سبتمبر 2025 أحد أهم أصول الطاقة في إثيوبيا, ومن حق إثيوبيا أن تستفيد من مواردها المائية لإنتاج الكهرباء والتنمية .

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول السد من مشروع تنموي إلى مشروع لتوحيد الدولة سياسيًا,فلقد نجحت الحكومة الإثيوبية إلى حد كبير في تحويل السد إلى رمز للسيادة والنهضة الوطنية, لكنني أرى أن هناك وهمًا سياسيًا في الاعتقاد بأن السد يستطيع أن يفعل ما عجزت عنه السياسة.

السد يستطيع أن ينتج الكهرباء، لكنه لا يستطيع أن ينتج المواطنة.

السد لا يستطيع أن ينهي حرب تيغراي. ولا يستطيع أن يحل مشكلة فانو , ولا يستطيع أن يوقف الصراع في أوروميا. ولا يستطيع أن يحسم النزاع على الأرض , ولا يستطيع أن يعيد النازحين, ولا يستطيع أن يبني الثقة بين المركز والأقاليم , ولا يستطيع أن يصنع عقدًا اجتماعيًا جديدًا.

هذه ليست وظيفة السد , وظيفة السد إنتاج الطاقة, أما وظيفة الدولة فهي إنتاج العدالة والاستقرار والمواطنة, وهذا هو الفارق الذي يبدو أن الخطاب السياسي الإثيوبي يحاول أحيانًا تجاهله.

المفارقة: طاقة هائلة وفقر في الوصول إلى الكهرباء

المفارقة تصبح أكثر وضوحًا عندما ننظر إلى الواقع الاجتماعي, فإثيوبيا تمتلك واحدًا من أكبر مشروعات الطاقة الكهرومائية في إفريقيا، وفي الوقت نفسه لا تزال تواجه فجوة كبيرة في وصول السكان إلى الكهرباء الحديثة.

بيانات البنك الدولي تشير إلى أن نسبة الوصول إلى خدمة كهرباء بمستوى أساسي أو أعلى لا تزال محدودة، وأن ملايين الإثيوبيين لا يحصلون على مستوى كافٍ من الخدمة، بينما ظل الحطب مصدرًا رئيسيًا للطهي لدى نسبة هائلة من الأسر , وهنا لا ينبغي أن يفهم الكلام باعتباره تقليلًا من قيمة سد النهضة , على العكس.

نجاح السد الهندسي شيء، ونجاح مشروع التنمية الوطني شيء آخر.

قد ينجح السد في توليد الكهرباء وتصديرها، لكن الاختبار الحقيقي للدولة هو: هل تصل ثمار هذه الطاقة إلى المواطن الإثيوبي في منزله ومدرسته ومصنعه ومستشفاه؟

وهنا يبدأ السؤال السياسي الحقيقي.

وماذا عن مصر؟

من الطبيعي أن تكون مصر حاضرة في المشهد , فالخلاف حول سد النهضة حقيقي، ومصر تنظر إلى النيل باعتباره قضية أمن قومي وحياة، بينما ترى إثيوبيا في السد مشروعًا سياديًا وتنمويًا.

لكنني أرى أن هناك فارقًا كبيرًا بين القول إن مصر طرف في خلاف استراتيجي مع إثيوبيا، وبين القول إن مصر تقف وراء كل ما يحدث داخل إثيوبيا , وإذا كانت أديس أبابا تريد اتهام القاهرة، فعليها أن تقدم الدليل , أما الاكتفاء بالإيحاءات السياسية، فلن يغير الحقيقة الأساسية , فهل مصر هي التي صنعت الصراع في أوروميا؟ هل مصر هي التي صنعت التوتر بين الحكومة وفانو؟ هل مصر هي التي أعادت التوتر إلى تيغراي؟ هل مصر هي التي خلقت النزاعات على الأرض والحدود والسلطة بين القوميات الإثيوبية؟

الإجابة واضحة.

قد تحاول دول خارجية استثمار الأزمات الإثيوبية، وقد تتدخل قوى إقليمية ودولية في الصراع، وهذا أمر طبيعي في بيئة جيوسياسية مثل القرن الإفريقي.

لكن التدخل الخارجي شيء، وصناعة الأزمة من الأساس شيء آخر , فالخارج يستطيع أن يستثمر الشقوق , لكنه لا يستطيع أن يصنع كل الشقوق من العدم.

أزمة أبي أحمد ليست في القاهرة

إذا أراد أبي أحمد أن يعرف مصدر الأزمة الحقيقية، فعليه أن ينظر إلى الداخل قبل أن ينظر إلى القاهرة أو أسمرا أو أي عاصمة أخرى , الأزمة الحقيقية هي أن الدولة لم تنجح بعد في بناء صيغة مستقرة للتعايش بين قومياتها, الأزمة هي أن السلاح ما زال حاضرًا في السياسة , الأزمة هي أن الاتفاقات السياسية لم تتحول دائمًا إلى تسويات اجتماعية دائمة, الأزمة هي أن السلام لم يصل إلى مرحلة المصالحة الوطنية الشاملة, والأزمة هي أن إثيوبيا ما زالت تبحث عن قوتها الإقليمية قبل أن تحسم تمامًا مسألة استقرارها الداخلي.

وهنا أقولها بوضوح:

لا يمكن بناء قوة إقليمية مستقرة على دولة مضطربة من الداخل.

ولا يمكن أن تكون إثيوبيا قوة مؤثرة في البحر الأحمر إذا كان جزء من أراضيها يتحول من جديد إلى ساحة حرب.

ولا يمكن أن يصبح سد النهضة رمزًا لنهضة وطنية مكتملة إذا كان المواطن الإثيوبي لا يشعر بأن التنمية وصلت إليه.

هل يكفي رحيل أبي أحمد؟

حتى هذا السؤال يجب ألا يأخذ أكبر من حجمه. لأن اختزال الأزمة في أبي أحمد وحده يعني أننا لم نفهم الأزمة, قد يرحل أبي أحمد، وقد يبقى , قد تأتي حكومة جديدة، وقد تتغير التحالفات.

لكن إذا بقيت قواعد اللعبة نفسها، وإذا ظلت القومية أهم من المواطنة، وظل السلاح أهم من السياسة، وظلت الدولة تُعامل باعتبارها غنيمة للقوة المسيطرة، فإن الأزمة ستعيد إنتاج نفسها باسم جديد.

وهذا هو الخطر الحقيقي, فالحرب الأهلية ليست فقط مجموعة معارك , الحرب الأهلية تبدأ عندما يفقد المواطن الثقة في أن الدولة تستطيع أن تحمي حقوقه دون أن ينتمي إلى الجماعة الأقوى.

إثيوبيا أمام لحظة تاريخية

أعتقد أن إثيوبيا أمام لحظة تاريخية حقيقية , إما أن تستغل الأزمة الحالية لإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة، وتفتح باب المصالحة السياسية، وتعالج قضايا الأرض والنازحين، وتعيد تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم، وتضع الجيش في مكانه الطبيعي كمؤسسة وطنية، وتبحث عن مصالحها البحرية من خلال الاتفاقات والتفاهمات الإقليمية.

وإما أن تستمر في إدارة الأزمات بالقوة، ثم تنتقل من حرب إلى أخرى، ومن تحالف إلى تحالف، ومن عدو خارجي إلى عدو آخر , وفي هذه الحالة لن يكون السؤال: هل يستطيع أبي أحمد البقاء في السلطة؟

السؤال سيكون أكبر:

هل تستطيع الدولة الإثيوبية نفسها أن تبقى متماسكة؟

وهنا تحديدًا أعتقد أن على أديس أبابا أن تعيد ترتيب أولوياتها. فالسد مهم , والبحر مهم , والقوة العسكرية مهمة , والنفوذ الإقليمي مهم , لكن هناك شيئًا أهم من كل ذلك:

أن يشعر الإثيوبي، أياً كانت قوميته، بأن إثيوبيا وطنه وليست ساحة معركة.

فالسد يمكن أن ينتج الكهرباء , والجيش يمكن أن يحمي الحدود , والميناء يمكن أن يفتح طريق التجارة.

لكن لا السد ولا الجيش ولا الميناء يستطيع وحده أن يبني دولة.

الدولة تبنى بالمواطنة , والمواطنة تبنى بالعدالة , والعدالة تحتاج إلى مؤسسات , وهذه، في تقديري، هي المعركة الحقيقية التي تواجه إثيوبيا اليوم.

أما البحث الدائم عن مؤامرة خارجية، فلن يؤدي إلا إلى تأجيل مواجهة الحقيقة , والحقيقة أن إثيوبيا لا تحتاج في هذه اللحظة إلى عدو جديد , إثيوبيا تحتاج إلى أن تصالح نفسها أولًا.

  • العميد الدكتور محمد حجاب .. الخبير السياسي والعسكري .. رئيس وحدة الدراسات السياسية بمركز أون ريسيرش للبحوث العلمية والاستشارات .

طالع أيضا :

تصعيد خطير في إثيوبيا.. معارك تيجراي تتسع ومخاوف من امتداد القتال إلى أمهرة وأورومو

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى