أخبار عاجلةالرأي
السفير أنتوني كون يكتب : جنوب السودان بين بورتسودان ولامو .. رسوم العبور، وتكرير النفط، والخيارات الاستراتيجية

أعاد مشروع ” مصفاة لامو ” المقترحة في كينيا، بتكلفة تقدر بنحو 16 مليار دولار أمريكي وطاقة تصميمية تقارب 700 ألف برميل يوميًا، فتح نقاش استراتيجي مهم بالنسبة إلى جنوب السودان حول مستقبل اقتصاده النفطي، وكيف يمكن للبلاد أن تحافظ على مزايا البنية التحتية القائمة، وتحد من أوجه الهشاشة المرتبطة بالاعتماد على مسار واحد، وتوسع خياراتها من دون أن تجعل الاقتصاد يتحمل أعباءً ثقيلة على المدى الطويل, ولا أرى أن المسألة تقتصر على الاختيار بين بورتسودان ولامو، كما لا أرى أن إنشاء مصفاة بهذا الحجم في كينيا يعني أن التكرير المحلي في جنوب السودان لم يعد ضروريًا.
فالسؤال الأهم هو ما إذا كان جنوب السودان قادرًا على الاستفادة من التحولات الجارية في خريطة الطاقة الإقليمية لتعزيز مرونته الاستراتيجية، وتنويع خياراته في نقل النفط وتسويقه وتكريره.
وفي الوقت الراهن، لا يزال نفطنا الخام يعتمد بدرجة كبيرة على البنية التحتية الممتدة شمالًا عبر السودان إلى بورتسودان، وهو مسار يظل بالغ الأهمية لكونه قائمًا بالفعل ومرتبطًا مباشرة بحقول الإنتاج الرئيسية , أما إنشاء بديل متكامل له، فسيتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، وبنية تحتية جديدة، وفترة زمنية ممتدة قبل أن يصبح قادرًا على العمل بكفاءة مماثلة.
وفي المقابل، أظهرت الحرب في السودان أن اعتماد جنوب السودان على ممر خارجي واحد لا تقتصر كلفته على رسوم المعالجة والنقل والعبور، بل تمتد أيضًا إلى مخاطر تتعلق بأمن البنية التحتية، واستمرارية العمليات، وضمان الوصول إلى الأسواق عند وقوع الأزمات.
ومن هذا المنطلق، تستحق لامو دراسة جادة، لا باعتبارها بديلًا فوريًا لبورتسودان، بل بوصفها خيارًا استراتيجيًا يمكن، مع مرور الوقت، أن يوسع أمام جنوب السودان بدائل الوصول إلى الأسواق الدولية، ويمنحه مصادر إضافية للمنتجات البترولية المكررة، ويعزز قدرته على التفاوض واتخاذ القرار من موقع تتوافر فيه خيارات متعددة، بدلًا من الاعتماد على مسار واحد تفرضه الضرورة.
ويعيدني هذا النقاش إلى مطلع عام 2012، عندما كنت ضمن أول مجموعة من سفراء جنوب السودان الذين دعتهم حكومة كينيا إلى ملتقى دبلوماسي استمر أسبوعين في مومباسا, وخلال هذين الأسبوعين، أجرينا حوارات موسعة مع زملائنا الكينيين حول ملامح العلاقة الثنائية الناشئة بين كينيا وجمهورية جنوب السودان، التي كانت قد نالت استقلالها حديثًا، كما بحثنا آفاق التعاون الإقليمي، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة.
وفي الجلسة الختامية، تشرفت بإلقاء كلمة نيابة عن وفد جنوب السودان، تناولت فيها عددًا من القضايا، من بينها مشروع خط أنابيب النفط المرتبط بممر لامو–جنوب السودان–إثيوبيا للنقل، المعروف باسم لابسيت (LAPSSET).
ولم يكن ما طرحته آنذاك اعتراضًا على الفكرة الاستراتيجية المتمثلة في منح جنوب السودان منفذًا إضافيًا إلى البحر، فذلك هدف مفهوم ومشروع من حيث المبدأ، وإنما كان التساؤل يدور حول ما إذا كانت التكلفة الكاملة للمشروع وآثاره العملية قد خضعت لتقييم كافٍ من منظور جنوب السودان نفسه, فحقول النفط الرئيسية كانت، ولا تزال، بعيدة عن الحدود الكينية؛ إذ تقع بالوج في أقصى الشمال الشرقي من البلاد، بينما تقع ثارجاث إلى الغرب منها في ولاية الوحدة.
وحتى إذا أُنشئ خط أنابيب يمتد من الحدود الكينية إلى لامو، فإن جنوب السودان سيظل مطالبًا بنقل نفطه الخام لمسافات طويلة داخل أراضيه قبل أن يصل إلى نقطة الاتصال بذلك الخط ويدخل منظومة التصدير عبر كينيا.
ولهذا طرحت مجموعة من الأسئلة العملية التي رأيت أنها ضرورية لتقييم الجدوى الفعلية للمشروع: هل أُدرجت تكلفة نقل الخام من بالوج وثارجاث وغيرها من مناطق الإنتاج إلى ممر لامو ضمن الحسابات الاقتصادية الكاملة للمشروع؟ وإذا كان نقل النفط بالصهاريج البرية مطروحًا، ولو بصورة مؤقتة، فما الآثار التي قد تترتب على ذلك بالنسبة إلى شبكة الطرق، والمجتمعات المحلية، والسلامة العامة، والآثار البيئية؟ ثم ما الجهة التي ستتولى تمويل وامتلاك وصيانة وتشغيل البنية التحتية لخطوط الأنابيب المطلوبة داخل جنوب السودان؟
وبعد مرور أكثر من عقد على ذلك النقاش، لا تزال هذه الأسئلة، في تقديري، قائمة ومطروحة بالوضوح نفسه، بل إن مشروع مصفاة لامو المقترحة أعادها إلى صدارة النقاش، وجعل الإجابة عنها أكثر أهمية وإلحاحًا من ذي قبل.
ويمثل مشروع مصفاة لامو المقترحة تطورًا مهمًا في مشهد الطاقة الإقليمي، لأنه قد يضيف مركزًا صناعيًا كبيرًا للطلب على النفط الخام، وهو عامل لم يكن حاضرًا بهذه الصورة عندما طُرح مشروع لابسيت للمرة الأولى. فمصفاة بطاقة تقارب 700 ألف برميل يوميًا ستحتاج إلى إمدادات كبيرة ومستقرة من الخام، وهو ما قد يفتح أمام جنوب السودان فرصة ليصبح أحد الموردين الإقليميين، شريطة توافر شروط تجارية مناسبة، وبنية تحتية فعالة لنقل الخام، وترتيبات أمنية تضمن استمرارية الإمدادات.
وتنبع أهمية هذه الإمكانية من أن لامو قد تتيح لجنوب السودان مجموعة من المزايا في آن واحد: سوقًا إضافية لتسويق خامه، ومصدرًا محتملًا آخر للمنتجات البترولية المكررة، وحافزًا اقتصاديًا أقوى لاستكمال بعض مكونات ممر لابسيت، وربما، على المدى الأبعد، منفذًا إضافيًا إلى الأسواق الدولية. غير أن هذه المنافع لا ينبغي التعامل معها باعتبارها نتائج مضمونة سلفًا، لأن التحدي الأساسي بالنسبة إلى جنوب السودان يظل مرتبطًا بالربط الفعلي بين مناطق الإنتاج وممر لامو.
فلا يوجد في الوقت الراهن خط أنابيب عامل ينقل خام جنوب السودان إلى لامو، كما أن خط أنابيب لابسيت ما يزال مشروعًا مقترحًا ولم يتحول بعد إلى منظومة نقل قائمة. ولذلك لن تصبح لامو خيارًا استراتيجيًا فعليًا لجنوب السودان إلا إذا أمكن أولًا الإجابة عن السؤال الأكثر عملية: كيف سيُنقل الخام من مناطق الإنتاج داخل جنوب السودان إلى الحدود الكينية بتكلفة مقبولة تجاريًا، وبصورة يمكن الاعتماد عليها على المدى الطويل؟
ومن هنا تبرز مسألة أساسية: خيار لامو لا يقوم، في الواقع، على إنشاء خط أنابيب واحد فحسب، بل يتطلب، من منظور جنوب السودان، معالجة تحديين مترابطين في مجال البنية التحتية, يتمثل التحدي الأول في إنشاء منظومة داخلية لنقل النفط الخام تربط مناطق الإنتاج بمسار رئيسي يتجه جنوبًا، فيما يتمثل التحدي الثاني في إنشاء خط أنابيب عابر للحدود يربط جنوب السودان، عبر كينيا، بميناء لامو.
وبالنسبة إلى بالوج، قد يكون أحد الخيارات المطروحة إنشاء خط رئيسي يمتد جنوبًا نحو الحدود الكينية. أما ثارجاث، فتحتاج إلى دراسة هندسية ومالية تفصيلية لتحديد الخيار الأكثر جدوى اقتصاديًا: هل يُربط الحقل ببالوج، أم يُدمج ضمن شبكة وطنية لتجميع ونقل الخام، أم يُربط بمسار بديل باتجاه وسط البلاد وجنوبها؟ وهذه مسائل ينبغي أن تُحسم على أساس الاعتبارات الفنية والتجارية والاقتصادية، لا على أساس الاعتبارات السياسية.
وفي تقديري، ينبغي أن تقوم أي مقارنة جادة بين خيار لامو والمسار القائم عبر السودان على حساب التكلفة منذ نقطة الإنتاج، لا ابتداءً من الحدود الدولية. فالمعيار الأكثر دقة ليس مقدار ما قد تفرضه كينيا مستقبلًا من رسوم على نقل كل برميل فحسب، وإنما التكلفة الإجمالية لنقل الخام من بالوج أو ثارجاث إلى لامو.
وهذه التكلفة لا تقتصر على خط الأنابيب نفسه، بل تشمل خطوط التجميع الداخلية، ومحطات الضخ، وأنظمة التسخين اللازمة لنقل الخام الشمعي، ومرافق التخزين والقياس، وإمدادات الطاقة، ومتطلبات الأمن والصيانة، وتكاليف التمويل، إضافة إلى تكلفة الجزء الكيني من خط الأنابيب ورسوم الميناء أو المصفاة. ومن دون احتساب هذه العناصر مجتمعة، سيكون من الصعب إجراء مقارنة اقتصادية دقيقة، أو الحكم على مدى قدرة خيار لامو على المنافسة تجاريًا، أو تبريره استراتيجيًا، أو الجمع بين الجدوى التجارية والقيمة الاستراتيجية.
ومن ثم، ينبغي أن تُجرى المقارنة مع مسار بورتسودان بقدر كبير من الدقة، من دون التقليل من مزايا منظومة البنية التحتية التي لا يزال جنوب السودان يعتمد عليها. فالمسار عبر السودان يتمتع بميزة أساسية لا يمكن إغفالها، وهي أنه قائم بالفعل ومرتبط مباشرة بحقول الإنتاج. وهذا يعني أن جنوب السودان لا يحتاج إلى إنشاء وتمويل منظومة تصدير جديدة بالكامل حتى يتمكن من الاستفادة من هذا المسار.
وبموجب اتفاقيات التعاون لعام 2012، بلغت رسوم المعالجة نحو 1.60 دولار أمريكي للبرميل، فيما بلغت رسوم النقل قرابة 8.40 دولارات للبرميل عبر منظومة GNPOC، أو نحو 6.50 دولارات عبر منظومة بترودار، إضافة إلى رسم عبور يقارب دولارًا واحدًا للبرميل, وبذلك بلغت الرسوم الدائمة المرتبطة بخطوط الأنابيب نحو 11 دولارًا للبرميل عبر مسار GNPOC، ونحو 9.10 دولارات للبرميل عبر مسار بترودار. وكان هناك أيضًا ترتيب مالي انتقالي منفصل بقيمة 15 دولارًا للبرميل، خُصص لمعالجة بعض المسائل المالية التي أعقبت الانفصال.
غير أن هذا الترتيب كان مؤقتًا، ولذلك ينبغي تمييزه بوضوح عن هيكل رسوم النقل الدائم عند تقييم الجدوى الاقتصادية للمسار اليوم.
والأهم، في تقديري، أن السؤال المطروح الآن لا يتمثل في الرسوم التي كانت سارية عند توقيع اتفاقيات عام 2012 وحدها، وإنما في التكلفة الفعلية الحالية لنقل خام جنوب السودان عبر السودان بعد أخذ الترتيبات اللاحقة في الاعتبار، وكيف تقارن هذه التكلفة بالتكلفة الكاملة لأي مسار مستقبلي يمتد من حقول الإنتاج إلى لامو. فالمقارنة الدقيقة ينبغي أن تستند إلى التكلفة الكاملة لنقل النفط منذ خروجه من حقول الإنتاج وحتى وصوله إلى وجهة التصدير، لا إلى رسم منفرد أو إلى مرحلة واحدة من مراحل النقل.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تقييم تكلفة المسار عبر السودان على أساس الرسوم وحدها. فخام جنوب السودان يمر عبر بنية تحتية تقع داخل دولة أخرى، وقد أظهرت الحرب في السودان منذ عام 2023 أن استمرارية هذا المسار قد تتأثر بعوامل لا يملك جنوب السودان السيطرة الكاملة عليها. فأمن خطوط الأنابيب، وإمكانية الوصول إلى محطات الضخ، وأعمال الصيانة، واستمرارية التشغيل، والأوضاع في بورتسودان، كلها عوامل تؤثر في استقرار هذا المسار واستمراريته.
ولا يعني ذلك، في تقديري، أن على جنوب السودان الابتعاد عن السودان، ولا أرى أن من المفيد صياغة العلاقة بين البلدين بهذه الطريقة, فالسودان سيظل ذا أهمية اقتصادية كبيرة لجنوب السودان، كما أن البنية التحتية القائمة لنقل النفط عبره ستظل، على الأرجح، ضرورية لسنوات طويلة. غير أن المسألة الأساسية تكمن في أن الاعتماد على مسار تصدير واحد يفرض على جنوب السودان، إلى جانب رسوم النقل الرسمية، ما يمكن وصفه بتكلفة الاعتماد الاستراتيجي.
فالدولة التي لا تملك سوى مسار واحد للوصول إلى الأسواق تكون خياراتها محدودة مقارنة بدولة تستطيع المفاضلة بين مسارين يتمتعان بالجدوى التجارية, ومن هنا تتضح الأهمية الاستراتيجية بعيدة المدى لخيار لامو,
وفي تقديري، قد لا تكمن القيمة الأهم لخيار لامو، في مراحله الأولى، في حجم النفط الذي يمكن نقله جنوبًا، بقدر ما تكمن في مساحة التفاوض والاختيار التي يمكن أن يتيحها لجنوب السودان, فإذا تمكنت البلاد مستقبلًا من تطوير مسار تصدير ثانٍ يتمتع بالمصداقية والجدوى، فسيكون في مقدورها تقييم البدائل المتاحة على أساس تكاليف النقل، والاعتبارات الأمنية، وحجم الطلب من المصافي، وفرص الوصول إلى الأسواق، وشروط التعاقد المرتبطة بكل ممر تصدير.
ولا يعني ذلك بالضرورة الاستغناء عن بورتسودان، إذ قد يظل المسار الشمالي مجديًا اقتصاديًا بفضل بنيته التحتية القائمة وقرب بعض حقول الإنتاج منه. غير أن وجود خيار جنوبي موثوق وقابل للاستخدام يمكن أن يمنح جنوب السودان قدرًا أكبر من المرونة في توجيه صادراته وفقًا للظروف الاقتصادية والأمنية المتغيرة,
كما يمكن لوجود خيار لامو أن يعزز موقف جنوب السودان في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق برسوم النقل، وتكاليف المعالجة، والقياس، وصيانة البنية التحتية، والمسؤوليات الأمنية، وترتيبات التشغيل في حالات الطوارئ, ولا يعني ذلك أن لامو سيؤدي تلقائيًا إلى خفض الرسوم عبر السودان، فهذه نتيجة لا يمكن افتراضها مسبقًا، ولا يمكن الحكم عليها إلا بعد قيام مسار بديل فعلي وقابل للتشغيل. لكن القيمة الأهم تكمن في أن وجود بديل موثوق يمنح جنوب السودان مساحة أوسع للتفاوض والاختيار، وهذه المساحة لها في حد ذاتها قيمة اقتصادية واستراتيجية.
ومن هنا تصبح مسألة التمويل جزءًا أساسيًا من أي تقييم جاد لخيار لامو , فتنفيذ خط أنابيب جديد إلى لامو سيتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة، في وقت يواجه فيه جنوب السودان أولويات واسعة ومتنافسة في مجالات الكهرباء، والطرق، والزراعة، والصحة، والتعليم، والرواتب، والأمن، والإغاثة الإنسانية، بينما تعتمد الإيرادات العامة بدرجة كبيرة على النفط. وفي ظل هذه الظروف، سيكون من الصعب تبرير تمويل خط أنابيب كامل يتجه جنوبًا بصورة رئيسية من الموازنة العامة، ما لم تكن عوائده التجارية واضحة ومقنعة، وشروط تمويله ملائمة بدرجة استثنائية.
وهناك عدة صيغ تمويلية ومؤسسية يمكن دراستها، من دون افتراض أن إحداها هي الأفضل مسبقًا , فقد ينشئ جنوب السودان شركة وطنية لخطوط الأنابيب تتولى فيها نايلبت، أو جهة وطنية متخصصة أخرى، ملكية وتشغيل الجزء الواقع داخل البلاد، مع استرداد تكاليفه من خلال رسوم النقل. ويمكن، بدلًا من ذلك، تطوير شراكة بين القطاعين العام والخاص تضم جنوب السودان وكينيا وشركات النفط، إلى جانب مستثمرين في البنية التحتية ومؤسسات تمويل التنمية.
كما يمكن اعتماد نموذج يقوم على أن يتولى المستثمرون تمويل المشروع وإنشاءه وامتلاكه وتشغيله لفترة محددة، ثم تُنقل ملكيته لاحقًا إلى الجهة الحكومية المعنية وفقًا لشروط الاتفاق، وهو ما يُعرف بنموذج البناء والتملك والتشغيل ثم التحويل. ومن الخيارات المطروحة أيضًا أن تنشئ جنوب السودان وكينيا شركة مشتركة تتولى تطوير خط الأنابيب العابر للحدود، وتمويله وتشغيله وإدارته وفق ترتيبات متفق عليها بين البلدين.
وبذلك تتوزع البدائل المطروحة على أربعة نماذج رئيسية: إنشاء شركة وطنية لخطوط الأنابيب، أو إقامة شراكة بين القطاعين العام والخاص، أو اعتماد نموذج البناء والتملك والتشغيل ثم التحويل، أو إنشاء شركة مشتركة بين جنوب السودان وكينيا لتطوير الخط العابر للحدود وتمويله وتشغيله وإدارته.
وفي تقديري، ينبغي أن يقوم الاختيار بين هذه البدائل على مبدأ واضح: ألا ينتقل جنوب السودان من الاعتماد على مسار واحد إلى الاعتماد على ترتيب جديد تفرض عليه رسومًا مرتفعة، أو أعباء دين كبيرة، أو التزامات تعاقدية تحد من قدرته على التحرك واتخاذ القرار, فتنويع مسارات التصدير ينبغي أن يهدف إلى توسيع خيارات البلاد وتعزيز مرونتها الاستراتيجية، لا إلى إنشاء شكل جديد من أشكال الاعتماد.
ولهذا أيضًا أظل متحفظًا إزاء اعتبار النقل البري بالصهاريج بديلًا عمليًا أثناء تطوير خط الأنابيب , فنقل كميات تجارية كبيرة من الخام من بالوج أو ثارجاث عبر مسافات طويلة سيتطلب أعدادًا كبيرة من الشاحنات وحركة نقل يومية مكثفة، بما قد يضغط على شبكة الطرق، ويزيد مخاطر الحوادث والازدحام، ويرفع استهلاك الوقود، ويخلق تحديات أمنية، فضلًا عن المخاطر التي قد تتعرض لها المجتمعات المحلية والبيئة نتيجة حوادث التسرب النفطي.
وقد يكون للنقل البري دور محدود في حالات الطوارئ، أو في نقل كميات صغيرة، أو خلال المراحل التجريبية، لكنه يصعب أن يشكل حلًا مستدامًا على المدى الطويل لنقل عشرات أو مئات الآلاف من البراميل يوميًا , وفي المقابل، فإن إنشاء خط أنابيب يترتب عليه هو الآخر آثار بيئية واجتماعية ينبغي أخذها في الاعتبار منذ المراحل الأولى للمشروع , ويشمل ذلك اختيار المسار، واستخدام الأراضي، والتعويضات، والتشاور مع المجتمعات المحلية، ووضع أنظمة فعالة لكشف التسرب، وتطبيق الضمانات البيئية المناسبة.
والمقصود هنا ليس أن أحد الخيارين يخلو من التكلفة أو الأثر البيئي، بل إن هذه التكاليف والآثار ينبغي أن تُحتسب ضمن التقييم الاقتصادي الشامل للمشروع منذ البداية، لا أن تُعامل باعتبارها مسائل جانبية أو منفصلة عنه , وهذا جانب من القلق الذي أثرتُه في عام 2012، ولا يزال، في تقديري، قائمًا حتى اليوم.
ويثير مشروع مصفاة لامو المقترحة مسألة أخرى ينبغي لجنوب السودان أن ينظر فيها من زاوية مصالحه الاقتصادية، وهي: ما الحجم المناسب من نفطنا الذي ينبغي أن يستمر تصديره خامًا، وما الحجم الذي يمكن أن يُكرر داخل البلاد مستقبلًا؟ فقد تمثل المصفاة في كينيا سوقًا إضافية لخام جنوب السودان، كما يمكن أن تصبح مصدرًا إقليميًا للديزل والبنزين ووقود الطائرات وغاز البترول المسال والبيتومين وغيرها من المنتجات المكررة. غير أن وجود مصفاة في لامو لا يلغي المبررات الاقتصادية لتطوير قدرات التكرير داخل جنوب السودان.
فنحن نواصل تصدير النفط الخام واستيراد المنتجات المكررة، وهو ما يعني أن جزءًا مهمًا من القيمة المضافة الناتجة عن التكرير، وفرص العمل الفنية، والأنشطة الصناعية المرتبطة به، يتحقق خارج البلاد.
ويمكن لمصفاة محلية تتمتع بجدوى تجارية أن تخفف الضغط على النقد الأجنبي المستخدم في استيراد الوقود، وتعزز أمن الطاقة، وتوفر فرص عمل فنية، وتدعم قطاعات أخرى من الاقتصاد. كما يمكن أن تنتج مواد ومنتجات ذات أهمية مباشرة للتنمية الوطنية، من بينها البيتومين المستخدم في تشييد الطرق ووقود الطائرات. غير أن تطوير التكرير المحلي ينبغي أن يستند إلى تقييم اقتصادي واقعي يراعي احتياجات السوق وقدرة البلاد على تمويل المشروع وتشغيله بكفاءة.
ومن ثم، لا ينبغي لجنوب السودان أن يسعى إلى إنشاء مصفاة بطاقة تقارب 700 ألف برميل يوميًا لمجرد أن مشروعًا بهذا الحجم يجري تطويره في كينيا.
ولهذا ينبغي أن يتحدد الحجم المناسب لأي مصفاة في جنوب السودان على أساس مجموعة من العوامل العملية، في مقدمتها حجم الطلب المحلي، واستقرار إمدادات الخام، وفرص التصدير إلى الأسواق الإقليمية، وحجم الاستثمار الرأسمالي المطلوب، وتوافر المياه والكهرباء، والقدرات الفنية، إلى جانب متطلبات التخزين والتوزيع. وفي هذا السياق، قد تكون مصفاة أصغر حجمًا، سواء في صورة وحدات معيارية أو منشأة متوسطة الطاقة، أكثر جدوى اقتصاديًا إذا كانت قادرة على العمل بكفاءة وبمعدل تشغيل مرتفع ومستقر، بدلًا من إنشاء مصفاة ضخمة تفوق احتياجات السوق ولا تُستغل طاقتها الإنتاجية بالكامل.
ومن هنا، لا أرى أن المسار عبر بورتسودان، وخيار لامو، والتكرير المحلي تمثل بدائل متنافسة، بقدر ما يمكن أن تشكل عناصر متكاملة ضمن استراتيجية نفطية أوسع. فالممر القائم عبر السودان ينبغي الحفاظ عليه وإدارته بصورة بناءة، لأنه لا يزال يؤدي دورًا أساسيًا في تصدير نفط جنوب السودان , وفي الوقت نفسه، يستحق خيار لامو دراسة جدوى جديدة ودقيقة تقيّم المشروع من جميع جوانبه، بما في ذلك البنية التحتية، والنقل، والتمويل، والجدوى التجارية، والمتطلبات الفنية، بدلًا من التعامل معه باعتباره مجرد طموح سياسي.
أما التكرير المحلي، فينبغي أن يقوم بدوره على تقييم واقعي لحجم السوق، واستقرار إمدادات الخام، والقدرة التشغيلية، وحجم الاستثمار المطلوب، بما يساعد على تحديد الطاقة التكريرية الأنسب التي يمكن أن تحقق أكبر قيمة اقتصادية وطنية من دون أن تفرض على البلاد أعباء مالية مفرطة.
وعلى المدى الطويل، يشير هذا النقاش إلى أن جنوب السودان قد يحتاج إلى الانتقال من التعامل مع كل خط تصدير بوصفه مشروعًا منفصلًا، إلى تطوير شبكة وطنية مترابطة لنقل النفط بصورة تدريجية , ويمكن لمثل هذه الشبكة أن تربط بالوج وثارجاث وغيرها من مناطق الإنتاج داخل البلاد، وتمنحها إمكانية الوصول إلى أكثر من منفذ خارجي. فبالوج يمكن أن تواصل تصدير الخام شمالًا عبر السودان، مع إمكانية ربطها مستقبلًا بمسار جنوبي نحو كينيا إذا أثبتت الدراسات جدواه التجارية. أما ثارجاث، فيمكن ربطها بالشبكة الوطنية لتجميع ونقل الخام، أو بمسار آخر يحقق التكامل مع منظومة النقل الداخلية.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لمثل هذا التوجه في أنه يمنح جنوب السودان البنية التحتية الداخلية اللازمة للاختيار بين أكثر من مسار لتسويق نفطه وتصديره. وعندئذ يمكن توجيه الخام وفقًا لتكاليف النقل، وحجم الطلب من المصافي، وأسعار الأسواق، والظروف الأمنية، ومدى توافر البنية التحتية، بدلًا من أن يظل القرار مرتبطًا بمسار عملي واحد , وهذا يمثل مستوى أعمق من تنويع الخيارات النفطية، يتجاوز مجرد إنشاء خط تصدير إضافي.
ومن هذا المنظور، ينبغي التعامل مع مشروع مصفاة لامو المقترحة بوصفه تطورًا يمكن أن يفتح من جديد النقاش حول الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام قطاع النفط في جنوب السودان، لا باعتباره حلًا فوريًا للتحديات القائمة. فقد تتيح لامو سوقًا إضافية لخام جنوب السودان، وتعزز الجدوى التجارية لبعض مكونات ممر لابسيت، وتوفر مصدرًا إقليميًا آخر للمنتجات البترولية المكررة، كما قد تمنح البلاد، مع مرور الوقت، منفذًا إضافيًا إلى البحر ومساحة أوسع للاختيار والتفاوض.
وفي الوقت نفسه، سيظل المسار عبر السودان ذا أهمية كبيرة، لأن البنية التحتية القائمة تربط بالفعل حقول الإنتاج ببورتسودان، ولا يمكن استبدالها بسرعة أو بتكلفة منخفضة, أما التكرير المحلي، فيستحق بدوره اهتمامًا جادًا، لأنه يرتبط بسؤال أساسي حول مقدار القيمة الاقتصادية التي يمكن الاحتفاظ بها داخل الاقتصاد الوطني قبل تصدير النفط إلى الخارج.
والهدف، في تقديري، لا ينبغي أن يكون تفضيل مسار بعينه لأسباب سياسية أو رمزية، بل تقييم الجدوى الاقتصادية والتجارية لكل خيار، والعمل تدريجيًا على بناء منظومة تمنح جنوب السودان بدائل عملية يمكن الاعتماد عليها. فالقيمة الاستراتيجية لا تكمن في استبدال مسار بآخر، وإنما في امتلاك بنية تحتية وقدرة تشغيلية تتيح للبلاد الاختيار بين أكثر من مسار وفقًا لمصالحها الاقتصادية والظروف المتغيرة.
ولهذا فإن السؤال الذي طرحته في مومباسا عام 2012 لا يزال قائمًا حتى اليوم: كيف سيُنقل النفط من بالوج أو ثارجاث إلى لامو؟ ومن سيتحمل تكاليف إنشاء وتشغيل البنية التحتية اللازمة لهذا المسار؟ ومن سيمتلك هذه البنية التحتية ويديرها؟ وكم ستبلغ تكلفة نقل البرميل الواحد؟ وما الآثار البيئية والأمنية التي قد تترتب على ذلك؟ والأهم، ما مقدار القيمة الاقتصادية التي يمكن لجنوب السودان أن يحتفظ بها داخل اقتصاده قبل أن يصل النفط إلى وجهته النهائية؟
وهذه الأسئلة لا تعني رفض خيار لامو، بل تمثل متطلبات أساسية لتقييمه بصورة واقعية، حتى ينتقل من مجرد خيار استراتيجي محتمل إلى بديل يقوم على أسس اقتصادية واضحة. وفي الوقت نفسه، لا تنتقص هذه الرؤية من أهمية استمرار التعاون مع السودان، إذ يظل مسار بورتسودان عنصرًا أساسيًا في منظومة تصدير النفط، وينبغي الحفاظ على قيمته الاقتصادية. فالمسألة، في جوهرها، ليست إحلال مسار محل آخر، بل توسيع الخيارات المتاحة أمام جنوب السودان وبناء بدائل حقيقية يمكن الاعتماد عليها عند الحاجة.
ومن ثم، فإن الاستراتيجية النفطية المتوازنة لجنوب السودان ينبغي أن تجمع بين الحفاظ على المسار القائم عبر السودان، والتقييم الصارم للجدوى التجارية لخيار لامو، وتعزيز البنية التحتية النفطية داخل البلاد، وتطوير قدرات التكرير المحلي حيثما تبررها الجدوى الاقتصادية , أما الهدف على المدى الطويل، فلا ينبغي أن يكون الانتقال من الاعتماد على السودان إلى الاعتماد على كينيا، بل بناء منظومة نفطية يمتلك فيها جنوب السودان ما يكفي من البنية التحتية، والوصول إلى الأسواق، والقيمة المضافة المحلية، بما يتيح له اختيار الترتيبات التي تخدم مصالحه الاقتصادية الوطنية على أفضل وجه.
◆ الكتاب ذو الصلة ◆
يمتد هذا المقال من عدد من القضايا التي تناولها كتابي «الاستثمار في جنوب السودان: الفرص والمخاطر والإصلاحات ومسارات التحول الاقتصادي»، ولا سيما العلاقة بين تطوير البنية التحتية، والممرات الإقليمية، وأمن الطاقة، وتنويع القاعدة الاقتصادية، والحاجة إلى تحويل ثروة جنوب السودان من الموارد الطبيعية إلى قاعدة أوسع وأكثر استدامة للتنمية.
طالع أيضا :



