أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : مالي… نموذج للشراكة المصرية الأفريقية الجديدة

إذا كان منتدى العلمين أفريقيا يطمح إلى أن يصبح منصة دائمة للتنمية والاستثمار في القارة الأفريقية، فإن نجاحه لن يقاس فقط بإطلاق المبادرات العامة، وإنما بقدرته على تقديم نماذج عملية للشراكة بين مصر والدول الأفريقية، تستند إلى المصالح المشتركة، وتحقق التنمية المتبادلة، وتنتقل بالعلاقات من الإطار السياسي إلى فضاء الاقتصاد والإنتاج والاستثمار.

ومن هذا المنطلق، تمثل جمهورية مالي نموذجاً مثالياً لهذا النوع من الشراكات. فهي دولة تمتلك إمكانات اقتصادية هائلة، وثروات طبيعية متنوعة، وموقعاً استراتيجياً في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى شراكات تنموية قادرة على تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

وتقوم الرؤية المصرية المقترحة على خمسة محاور متكاملة.

أولها الذهب، إذ تعد مالي واحدة من أكبر الدول الأفريقية إنتاجاً له. إلا أن معظم صادراتها تقتصر على الخام دون تحقيق قيمة مضافة كافية, ويمكن للشركات المصرية، بالتعاون مع القطاع الخاص المالي، أن تدخل في شراكات لاستكشاف المناجم، وإنشاء مصانع للتكرير والتصنيع، وتطوير الصناعات المرتبطة بالذهب، بما يحقق عائداً أكبر للاقتصاد المالي، ويؤمن احتياجات الصناعة المصرية، ويفتح الباب مستقبلاً لإنشاء بورصة أفريقية للذهب تكون إحدى المؤسسات الاقتصادية القارية التي يمكن أن تنطلق من مصر.

أما المحور الثاني فهو الثروة الحيوانية، حيث تمتلك مالي ملايين الرؤوس من الماشية التي تمثل أحد أهم مواردها الاقتصادية , ويمكن ربط هذه الثروة بمبادرة بورصة أسوان الأفريقية للحوم والثروة الحيوانية، بحيث تصبح مالي أحد أهم موردي الماشية، بينما تتولى مصر عمليات الحجر البيطري، والتصنيع، والتعبئة، وإعادة التصدير، مع إقامة صناعات متكاملة للجلود، والألبان، والأعلاف، والأسمدة العضوية، بما يضاعف القيمة الاقتصادية للمنتج الأفريقي.

ويتمثل المحور الثالث في الزراعة والأمن الغذائي. فمالي تمتلك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، بينما تمتلك مصر خبرة متراكمة في إدارة المياه، والري الحديث، وإنتاج التقاوي، والتصنيع الزراعي، وسلاسل القيمة الغذائية , ويمكن لهذه الخبرات أن تتحول إلى مشروعات مشتركة تحقق الأمن الغذائي، وتوفر فرص العمل، وتزيد من الصادرات الزراعية داخل القارة وخارجها.

أما المحور الرابع فهو البنية الأساسية، حيث تمتلك الشركات المصرية خبرات واسعة اكتسبتها من تنفيذ آلاف الكيلومترات من الطرق، وإنشاء المدن الجديدة، ومحطات الكهرباء، والمطارات، والموانئ، وشبكات الاتصالات , ويمكن لهذه الخبرات أن تسهم في تنفيذ مشروعات التنمية في مالي، بما يعزز الترابط الاقتصادي، ويهيئ البيئة المناسبة لجذب الاستثمارات.

ويأتي المحور الخامس في مجال المياه والسدود، حيث تستطيع مصر أن تقدم خبراتها في تصميم وتنفيذ السدود الصغيرة والمتوسطة، ومشروعات حصاد مياه الأمطار، ومحطات مياه الشرب، وشبكات الري، بما يساعد على تنمية المناطق الزراعية، ومواجهة آثار التغيرات المناخية، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المائية.

غير أن أهمية هذه المبادرة لا تكمن في مضمونها فقط، وإنما في الفلسفة التي تقوم عليها. فهي تقدم نموذجاً جديداً للعلاقات المصرية الأفريقية، يقوم على التكامل وليس المنافسة، وعلى الاستثمار وليس المساعدات، وعلى نقل الخبرة وبناء القدرات، وليس مجرد تنفيذ مشروعات منفردة.

كما تؤكد أن لكل دولة أفريقية ميزاتها النسبية، وأن نجاح التعاون مع القارة يتطلب تصميم برامج خاصة بكل دولة، تراعي احتياجاتها وإمكاناتها، بدلاً من الاكتفاء بسياسات عامة لا تستجيب للواقع المتنوع للقارة.

ومن هنا، أقترح أن يشهد منتدى العلمين أفريقيا إطلاق “برنامج الشراكات الاستراتيجية المصرية الأفريقية”، بحيث يتم في كل دورة اختيار ثلاث أو أربع دول أفريقية، وإعداد حزم متكاملة للتعاون معها، تتضمن التمويل، والاستثمار، والتدريب، ونقل التكنولوجيا، والمتابعة الدورية، حتى تتحول مخرجات المنتدى إلى مشروعات حقيقية تقاس نتائجها على الأرض.

إن مالي ليست سوى البداية. فالنموذج نفسه يمكن تطبيقه مع أنجولا في الزراعة والطاقة، ومع زامبيا في النحاس، ومع الكونغو الديمقراطية في المعادن الاستراتيجية، ومع كينيا في الاقتصاد الرقمي، ومع السنغال في الاقتصاد الأزرق، ومع نيجيريا في الغاز والصناعات الثقيلة، بحيث يصبح منتدى العلمين مصنعاً للشراكات الاقتصادية، وليس مجرد منصة للحوار.

إن مستقبل العلاقات المصرية الأفريقية لن يصنعه الخطاب السياسي وحده، وإنما ستصنعه المصالح الاقتصادية المشتركة، والاستثمارات المتبادلة، والمشروعات التي تحقق التنمية للشعوب. وإذا نجحت مصر في تحويل هذا المفهوم إلى واقع عملي، فإن منتدى العلمين سيصبح بالفعل “دافوس أفريقيا”، ليس لأنه يجمع القادة كل عام، بل لأنه يطلق في كل دورة مشروعات تغير وجه التنمية في القارة. 

 

وفي المقال المقبل من سلسلة “نحو العلمين”، نطرح مبادرة إنشاء “المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض المتوطنة والمعدية”، مستفيدين من التجربة المصرية الرائدة في القضاء على فيروس سي، وبناء منظومة صحية أفريقية أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل .

 

 

طالع المزيد :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : أفريقيا الرقمية… الاستثمار في العقول هو الاستثمار الأكثر ربحًا للقارة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى