السفير دكتور محمد حجازي يكتب: « نافي بيلاي » و نوبل للسلام… انتصار للقانون الدولي وتجديد للعدالة في القضية الفلسطينية

يمثل اختيار القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، المفوضة السامية السابقة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، للفوز بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، مناسبة تتجاوز حدود الاحتفاء بشخصية قانونية وحقوقية بارزة، لتفتح نافذة أوسع على العلاقة بين العدالة والسلام، وبين القانون الدولي وحقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني الذي يخوض واحدة من أصعب مراحل تاريخه الحديث، في ظل حرب غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية والقانونية، وما تفرضه من تحديات على مصداقية النظام الدولي وقدرته على حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
إن الاحتفاء بنافي بيلاي هو، في أحد أبعاده، احتفاء بفكرة أن العدالة ليست امتيازاً تمنحه موازين القوة، وأن القانون الدولي لا يفقد شرعيته عندما يتعلق الأمر بدولة قوية أو حليف يتمتع بحماية سياسية، بل تتجلى أهميته الحقيقية في قدرته على حماية الضعفاء وضمان ألا يصبح المدنيون ضحايا لمعادلات القوة العسكرية والسياسية.
ومن هنا، تكتسب الجائزة أهميتها في لحظة دولية تتزايد فيها التساؤلات بشأن مستقبل قواعد القانون الدولي الإنساني، وحدود المسؤولية الدولية عن الجرائم الجسيمة، وقدرة المؤسسات متعددة الأطراف على أداء دورها بعيداً عن ازدواجية المعايير.
لقد ارتبط اسم نافي بيلاي، خلال مسيرتها القضائية والحقوقية، بالدفاع عن العدالة الدولية ومحاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة، بدءاً من عملها في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، ثم توليها منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وصولاً إلى رئاستها لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل، وقد أكسبتها هذه المسيرة مكانة بارزة في النقاش الدولي حول العلاقة بين حقوق الإنسان والمساءلة الجنائية والسلام المستدام، وهي علاقة تكتسب أهمية استثنائية في الحالة الفلسطينية، حيث لم تعد المطالبة بحماية المدنيين وإنهاء المعاناة الإنسانية منفصلة عن المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان عدم تكرارها.
وفي هذا السياق، يقتضي الإنصاف التمييز بين الأدوار المؤسسية المختلفة، فبيلاي لم تكن صاحبة قرار إصدار مذكرة القبض على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي أصدرتها الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024، كما لم تكن عضواً في هيئة المحكمة التي تنظر الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، غير أن رئاستها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة وضعتها في قلب الجهود الدولية الرامية إلى توثيق الانتهاكات وتحليلها وفق قواعد القانون الدولي، بما في ذلك استنتاج اللجنة في سبتمبر 2025 أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة، وهو استنتاج أصدرته لجنة تحقيق أممية وليس حكماً قضائياً نهائياً، وقد رفضته إسرائيل.
وهنا تتضح أهمية اختيارها لنيل جائزة نوبل للسلام، إذ لا تكمن دلالته في أن الجائزة أصدرت حكماً قضائياً بشأن الحرب في غزة، وإنما في أنها سلطت الضوء على شخصية ارتبط عملها بالتحقيق الدولي في الانتهاكات، وعلى أهمية استقلال المؤسسات الحقوقية والقضائية في مواجهة الضغوط السياسية، وهو تكريم يمكن قراءته باعتباره اعترافاً بقيمة المسار القانوني في معالجة النزاعات، وبأن السلام لا يستقيم بمجرد وقف إطلاق النار أو التوصل إلى ترتيبات سياسية مؤقتة، بل يحتاج إلى معالجة الأسباب العميقة للصراع، وإقرار الحقوق، وتحقيق المساءلة، وإزالة الظروف التي تسمح بتكرار الانتهاكات.
لقد شكلت دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، التي أقيمت في ديسمبر 2023 بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، محطة مهمة في تدويل النقاش القانوني بشأن حرب غزة، فقد أصدرت المحكمة تدابير مؤقتة في يناير 2024، ثم أصدرت تدابير إضافية في مراحل لاحقة، بهدف حماية الحقوق محل النزاع والتعامل مع المخاطر التي عرضت عليها، ولم تكن تلك التدابير حكماً نهائياً بثبوت الإبادة الجماعية، إلا أنها أكدت أن الادعاءات المتعلقة بانتهاك الاتفاقية تستوجب النظر القضائي، وأن حماية الحقوق التي تشملها الاتفاقية ليست شأناً سياسياً يمكن تجاهله.
وقد أضافت هذه الإجراءات إلى القضية الفلسطينية مكسباً مهماً يتمثل في نقل جانب من المواجهة من ساحة الخطاب السياسي إلى ساحة الاحتكام إلى القانون الدولي، حيث تُعرض الوقائع والأدلة والالتزامات القانونية أمام مؤسسة قضائية دولية، كما أسهمت في زيادة الاهتمام الدولي بمسؤولية الدول عن احترام اتفاقيات حماية المدنيين ومنع الإبادة الجماعية، ورفعت من أهمية متابعة تنفيذ التدابير القضائية وعدم الاكتفاء بمجرد صدورها.
ولا يقل أهمية عن ذلك المسار المتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية أمام المحكمة الجنائية الدولية، حيث تبرز قاعدة أساسية مفادها أن المناصب السياسية والعسكرية لا تمنح أصحابها حصانة مطلقة من المساءلة عن الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة، فمذكرة القبض الصادرة بحق نتنياهو تتعلق باتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولا تعني صدور حكم نهائي بإدانته، لكنها تضع المساءلة القانونية في صدارة النقاش الدولي بشأن الحرب في غزة، وتؤكد أهمية استقلال المؤسسات القضائية عن الاعتبارات السياسية.
ومن ثم، فإن المكسب الفلسطيني لا يتمثل في إجراء قضائي منفرد أو جائزة دولية بذاتها، بل في تراكم مسارات متكاملة، تشمل توثيق الانتهاكات، وتعزيز حضور القضية أمام المحاكم الدولية، وتوسيع نطاق النقاش حول مسؤولية الدول والأفراد، وإبقاء حقوق الشعب الفلسطيني في صدارة الاهتمام الدولي، وقد ساعد هذا التراكم على ترسيخ حقيقة أن القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع على الأرض أو ملف إنساني طارئ، بل قضية ترتبط بحق تقرير المصير، وإنهاء الاحتلال، واحترام قواعد القانون الدولي، وضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم الجسيمة من المساءلة.
ويستدعي هذا التطور التوقف أمام الدور الذي اضطلعت به جنوب أفريقيا، التي بادرت إلى رفع دعوى الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، مستندة إلى التزامات اتفاقية دولية صادقت عليها الدول الأطراف، فقد أسهم تحركها في فتح مسار قضائي ذي أهمية دولية، وأظهر أن الدفاع عن القواعد القانونية لا يقتصر على الدول المتضررة مباشرة من النزاعات، بل يمكن أن يمتد إلى دول ترى أن حماية الاتفاقيات الدولية مسؤولية جماعية، ولا يعني ذلك أن لجنة نوبل قد تبنت قانونياً جميع حجج جنوب أفريقيا، وإنما أن تكريم بيلاي يسلط الضوء على قيمة العمل الحقوقي والقانوني الذي يضع حماية الإنسان والمساءلة في قلب الاهتمام الدولي.
وتتجاوز الدلالة الفلسطينية للجائزة حدود غزة إلى مستقبل التسوية السياسية برمته، فالمجتمع الدولي لا يستطيع أن يكتفي بمعالجة النتائج الإنسانية للحرب، بينما تظل الأسباب السياسية والقانونية للصراع قائمة، كما لا يمكن أن تتحول إعادة الإعمار إلى بديل عن الحل السياسي، أو أن تصبح المساعدات الإنسانية بديلاً عن إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية، إن المطلوب هو الجمع بين وقف الحرب وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات دون عوائق، وإطلاق مسار جاد لإعادة الإعمار والتعافي المبكر، مع أفق سياسي واضح يفضي إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
ومن هذا المنطلق، فإن على الدبلوماسية العربية، وفي مقدمتها الدبلوماسية المصرية، أن تستثمر الزخم الدولي الذي تتيحه هذه التطورات في تعزيز ثلاثة مسارات متوازية، أولها دعم احترام التدابير والإجراءات القضائية الدولية ومتابعة تنفيذها، وثانيها تكثيف الجهود لحماية المدنيين ورفض التهجير القسري وضمان تدفق المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة، وثالثها إعادة وضع الحل السياسي القائم على إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة في صدارة الجهد الدولي، فالمساءلة والجهد الإنساني والتسوية السياسية ليست مسارات متعارضة، بل عناصر متكاملة لبناء سلام قابل للاستمرار.
كما تتيح الجائزة فرصة لتجديد النقاش بشأن إصلاح النظام الدولي وتعزيز مصداقيته، إذ لا يمكن أن تستمر الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف إذا بدت قواعدها قابلة للتطبيق في حالات والتعطيل في حالات أخرى، وتظل القضية الفلسطينية اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على ترجمة المبادئ التي أعلنها في مواثيقه واتفاقياته إلى التزامات عملية، بعيداً عن ازدواجية المعايير أو إخضاع العدالة لحسابات التحالفات السياسية، فكلما اتسعت الفجوة بين القانون وتطبيقه، تراجعت الثقة في المؤسسات الدولية، وكلما اقترب التطبيق من المساواة والاتساق، ازدادت فرص استعادة هذه الثقة وبناء سلام أكثر استقراراً.
إن تكريم نافي بيلاي يذكرنا بأن العدالة ليست نقيض السلام، بل أحد شروطه الأساسية، وأن التسامح مع الانتهاكات الجسيمة دون مساءلة لا يحقق استقراراً حقيقياً، وإنما يؤجل أسباب الصراع ويترك الباب مفتوحاً لتكرار المأساة، كما يبعث برسالة مفادها أن العمل القانوني والحقوقي، مهما واجه من ضغوط، يستطيع أن يترك أثراً في تشكيل الرأي العام الدولي وفي إبقاء القضايا التي تتعلق بحياة الشعوب وكرامتها حاضرة في جدول الأعمال العالمي.
وبالنسبة للقضية الفلسطينية، فإن القيمة الحقيقية لهذا التكريم لا تُقاس بالاحتفاء الرمزي وحده، بل بمدى ما يمكن أن يترتب عليه من دعم لاستقلال المؤسسات الدولية، واحترام القرارات والتدابير القضائية، وتعزيز المساءلة، وتوسيع دائرة الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، فالجائزة لا تنهي الحرب، ولا تحسم الدعاوى القضائية، ولا تفرض وحدها تسوية سياسية، لكنها تمنح زخماً معنوياً إضافياً للجهود التي تسعى إلى جعل القانون مرجعاً للعلاقات الدولية، لا مجرد نصوص تتراجع أمام القوة.
إن الرسالة الاستراتيجية التي ينبغي أن يحملها هذا التكريم هي أن السلام الذي لا يستند إلى العدالة يظل سلاماً هشاً، وأن العدالة التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ تفقد جانباً من قدرتها على حماية الإنسان، وبين هذين التحديين تقف القضية الفلسطينية بوصفها اختباراً لمصداقية النظام الدولي بأسره، وسيظل المعيار الحقيقي لنجاح المجتمع الدولي ليس عدد الجوائز التي يمنحها للمدافعين عن القانون، بل قدرته على ضمان تطبيق القانون على الجميع، وإنهاء الاحتلال، وحماية الشعب الفلسطيني، وتحويل حقه في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة إلى واقع ملموس.
* السفير الدكتور محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق .
طالع المزيد
عميد دكتور محمد حجاب يكتب: العلمين.. هل تتحول إفريقيا من التعاون السياسي إلى الشراكة الاقتصادية؟




