أخبار عاجلةالرأيفن وثقافة

الكاتبة الصحفية التونسية اسيا العتروس تكتب : السينما الفلسطينية سلاح الذاكرة  في زمن الطغيان 

قد لا يختلف اثنان أن للسينما أو الفن السابع سحر خاص وأنها مرآة العالم على نفسه , وهي رسالة محاكاة لواقع يحتاج للتأمل والتفكير والنقاش كسلاح و كرسالة نضالية ضد التعتيم و التزييف و التغريب و من هنا أهمية و مكانة و دور السينما الفلسطينية في خدمة القضية الفلسطينية في زمن التزييف والتدمير والانكار .

و من هنا أهمية تسليط الانظار على مهرجان السينما الفلسطينية الذي عاشت على وقعه الساحة الثقافية التونسية قبل أيام و قد استمر المهرجان مدة عشرة أيام  من 2 الى 12 أفريل ” إبريل ” تحولت خلالها  قاعة الريو بالعاصمة تونس الى فضاء جغرافي  فلسطيني بامتياز,  حيث تحول فضاء الريو إلى معرض مفتوح للحياة في فلسطين في محطاتها المختلفة , واجتمعت كل صور ومظاهر الحياة اليومية للانسان الفلسطيني ومعاناته على أرضه على جدران و أبواب القاعة لتنقل رحلة الانسان الفلسطيني طفلا أو شيخا رجلا أو امرأة في مواجهة الحواجز الأمنية والأسلاك الشائكة والمعابر الملغمة في تنقلاته المقيدة  تحت الاحتلال .

وقد اجتهد منظمو المهرجان في أن يكون الفضاء استحضارا  للمعاناة اليومية على أرض فلسطين فحضرت الاسلاك الشائكة و الابواب الحديدية التي يجبر العمال الفلسطينيون على المرور بها كل يوم في تنقلاتهم و حضرت الخيمة رمز التهجير والنفي و لكن أيضا  عنوان القاء و سر الصمود والتمسك بالارض رغم كل الاهوال ..لم تغب أشعار درويش و رسوم حنظلة و صور أبطال الانتفاضة الاولى والثانية وصمود أهالي غزة الاسطوري رغم الابادة المستمرة ..

في هذا الاطار عاش التونسيون على وقع  مهرجان السينما الفلسطينية الذي نظمته الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الفلسطينيين بالشراكة مع فضاء الريو  ، وبدعم من المركز الوطني للسينما في تجربة فنية عابرة لكل الحدود الجغرافية و الثقافية و تركت الخطاب للغة السينما والصورة لنقل ثقافة الوعي بقيمة المقاومة بكل أشكالها وابداعاتها وأسلحتها  لاحياء وترويج السردية الفلسطينية التي تتعرض لكل أنواع الالغاء والانكار و التزوير والتدمير سواء بالسطو على هذه الذاكرة وسرقة التراث الفلسطيني من معمار أو تطريز أو طبخ أو كذلك من ارث موسيقي من فنون الدبكة إلى مختلف المظاهر الاحتفالية الشعبية والتقاليد الفلسطينية التاريخية وتوظيفها من جانب الاحتلال لتكريس الرواية الاسرائيلية الزائفة .

وقد التزم الحبيب بلهادي مدير فضاء الريو الذي احتضن المهرجان بتحويله إلى مركز حي للتفاعل الثقافي، كي يصبح المتفرج جزءاً من التجربة وليس مجرد متلق.. و في انتظار دورة جديدة للسينما الفلسطينية تبقى السينما أحد الأسلحة الفنية القادرة على اختراق كل الحواجز مهما بلغ خيال الاحتلال و قدرته على تحصينها .

تحت شعار “ثمة شيء يبنى.. ليس احتفالاً بل ضرورة” كانت هذه الدورة للسينما الفلسطينية الأولى بتونس ولم يكن مفاجئا أن تنظم هذه الدورة احياء لذكرى المحامي الفلسطيني اسماعيل الجنيدي ابن مدينة الخليل الذي توفي قبل سنة و كان طوال عقود الممثل التاريخي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في تونس ، وهو الذي امتهن المحاماة و جعل الدفاع عن القضية الفلسطينية لا يعترف  بالجغرافيا , المهرجان لم يكن رسالة وفاء لمن رحلوا فقط من أمثال هاني جوهرية و محمد بكري بل  أكد ما يقوم به جيل المخرج الفلسطيني المخضرم ميشيل خليفي والأجيال الصاعدة عبر الاعمال السينمائية فرصة لعقد لقاءات وندوات مع الجمهور لابراز أهمية و دورالرسالة النضالية للسينما في استعادة الوعي المفقود وتوثيق و نقل و حفظ الذاكرة الفلسطينية جيلا بعد جيل رغم كل العراقيل والتحديات القائمة على الارض ..

المهرجان الذي يقطع خطوته الأولى جمع أكثر من جيل و حملت العروض أفلام البدايات لأسماء مثل مصطفى أبو علي وقيس الزبيدي، وصولاً إلى أعمال الجيل الجديد في مواكبة تاريخ المقاومة الفلسطينية بكل أسلحتها المتاحة المسلحة أو الشعبية أو الفكرية والاعلامية .. تعددت العناوين و الأزمنة والأسماء والحكايات وظلت القضية واحدة أنها قضية فلسطينية التي تأبى النسيان و تعود في كل مرة لتفرض مزيد الوعي بحجم الظلم الذي يتعرض له أصحاب القضية .

من “الذاكرة الخصبة” إلى “زنديق “إلى “نشيد الحجر” و”الذاكرة الخصبة” إلى  “الطريق 181″ و”الزواج المختلط في الأراضي المقدسة” و”معلول تحتفل بدمارها” و”أشباح مألوفة” و”يوميات سماء” و”من النقطة صفر” و”أحلام عابرة”و”ليلى و الذئاب” إلى “المفتاح” و”ذاكرة المتقاطعة” و “أحلام عابرة “و “مائة وجه ليوم واحد”  و”غزة التي تطل على البحر” وكذلك فيلم فلسطين 36  ” Palestine 36” الذي يستعرض جذور الصراع  التاريخي في فلسطين و يستحضر المؤامرة الكبرى التي قادتها بريطانيا  و القوى الاستعمارية التي عملت على تهجير يهود العالم إلى فلسطين ثم تسليحهم و توطينهم على أرض فلسطين بعد تهجير وطرد أصحابها و تسفيرهم قسرا بدعم العصابات الصهيونية الهاغاناة و الشترن التي ستكون أداة الجريمة التي سترتبط بأفظع و أبشع  وأطول جريمة احتلال مستمرة منذ عقود , و يعد فيلم فلسطين 36 إلى جانب فيلم صوت هند رجب من الأفلام السينمائية الوثائقية التي أعادت الرواية الفلسطينية إلى سطح الأحداث و حركت النخب في كبرى المؤسسات والجامعات الغربية وتركت صدى واسعا في الفترة الأخيرة في العالم “.

مهرجان السينما الفلسطينية في تونس سجل بادرة تحسب للمنظمين حيث جمع اللقاء بين جيلين في لقاء المخرج الفلسطيني المخضرم ميشيل خليفي بمخرج شاب في حوار مباشر يعكس أهمية تواتر الأجيال وانتقال المشعل بكل مقتضيات التطور الابداعي الحاصل في زمن التكنولوجيا و الذكاء الاصطناعي  .

الحكاية الفلسطينية  المنقولة من الجدات والأجداد كانت سيد المشهد لتؤكد أن المقاومة عمل يومي يتجسد من خلال الصمود على الارض واعادة احياءها من العدم لتخرج النبات من الصخر وتعيد الأمل المفقود في النفوس المحبطة .

اختتام المهرجان كان على وقع الفيلم الوثائقي للتونسية ألفة لملوم التي خاضت تجربة أسطول الحرية قبل عام و حرصت على توثيق و نقل تلك التجربة إلى العالم عبر فيلم “فليشربوا من بحر غزة ” وهي تجربة نضالية مستمرة حيث يخوض أسطول الحرية مجددا معركة كسرالحصار على غزة عبر عشرات النشطاء من مختلف أنحاء العالم على متن أسطول من السفن المحملة بالمساعدات الانسانية الاساسية لاهالي غزة المحاصرين من الاحتلال والذين يواجهون الموت تحت القصف أو الموت جوعا .

  • اسيا العتروس .. صحفية وكاتبة تونسية .

 

إقرأ المزيد :

الكاتبة التونسية اسيا العتروس تكتب : في رحيل أحمد قعبور الذي لا تنكس أعلامه ..الفن سلاح المبدعين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »