أخبار عاجلةالرأي

 الدكتور عبد الناصر سلم حامد يكتب : واشنطن وطهران.. ما الذي يمكن أن تحسمه القوة؟

في إسطنبول، اجتمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في 23 أكتوبر 2026، ودعوا إلى الحوار واستعادة الملاحة الآمنة في مضيق هرمز ، كان الاجتماع تعبيرًا عن قلق إقليمي من مواجهة لم تعد كلفتها محصورة في طرفيها، فكل تعثر في التفاوض يعيد احتمال التصعيد، وكل تهديد جديد ينعكس على التجارة والطاقة وحسابات الدول المجاورة.

وبالنسبة إلى واشنطن، يظل السؤال عن النتيجة التي يمكن أن تحققها جولة عسكرية أخرى ضد إيران، فالقدرة على توجيه الضربات متاحة، لكن تحويلها إلى اتفاق أو تغيير دائم في السلوك مسألة أشد تعقيدًا، وقد تتراجع القوة الإيرانية من دون أن تتراجع مطالب القيادة، كما قد تستمر طهران في الرد بينما تتدهور أوضاع اقتصادها وسكانها.

ويحتاج الحديث عن الحسم إلى تحديد المقصود به، فتأخير البرنامج النووي يختلف عن منع إعادة بنائه، وتقليص الصواريخ يختلف عن إنهاء القدرة على إنتاجها، وحمل القيادة على قبول التزام معين يختلف عن تغيير النظام ، ولكل هدف متطلبات وكلفة، وقد يجعل جمعها في حملة واحدة الوصول إلى نهاية واضحة أكثر صعوبة.

وتتوقف استجابة طهران على قراءتها للهدف الأميركي، فإذا اعتقدت أن تنازلًا محددًا سيوقف الضغط ويحفظ مصالح أساسية، فقد تجد فيه مخرجًا مقبولًا، وإذا رأت أن الاستجابة ستفتح الباب أمام مطالب جديدة، فقد تفضل مواصلة المواجهة رغم الخسائر ، ولهذا تصبح الثقة بما سيحدث بعد الاتفاق عنصرًا مؤثرًا في فرص الوصول إليه.

عسكريًا، لا تكفي أعداد الصواريخ والمسيّرات لتقدير القدرة الإيرانية، فهناك فرق بين السلاح الموجود في المخازن، والجاهز للاستخدام، وما يمكن تعويضه بعد إطلاقه أو تدميره، وقد تبقى ذخائر كثيرة بينما تتضرر وسائل تشغيلها وصيانتها ، كذلك يمكن أن تنخفض الهجمات بسبب خسائر أو قيود أو قرار بالاحتفاظ بالمخزون.

وقدمت إفادة مدير وكالة استخبارات الدفاع الأميركية أمام الكونغرس في 2026 صورة تعكس هذا التفاوت، فتحدث عن احتفاظ إيران بآلاف الصواريخ والمسيّرات رغم الخسائر والاستهلاك، مع محدودية قدرات قواتها التقليدية، وتعود هذه التقديرات إلى وقت إعداد الإفادة، ولا يمكن استخدامها وحدها لإحصاء القوة الجاهزة اليوم.

وأشارت الإفادة إلى ترتيبات لتعاقب القادة وتوزيع الصلاحيات ساعدت على تخفيف أثر الضربات القيادية، وهذا يفسر استمرار بعض العمليات بعد خسارة مسؤولين عسكريين، لكن استمرار النشاط لا يكشف مدى كفاءة التنسيق؛ فقد تتمكن وحدات من تنفيذ مهام محددة، بينما تواجه القيادة صعوبة في إدارة عمليات أوسع أو ضبط توقيت الردود.

وتظهر أهمية هذه المسألة عند البحث في التهدئة، فالقدرة على إصدار قرار بوقف القتال لا تضمن تنفيذه بالسرعة نفسها في جميع الوحدات والساحات، خصوصًا مع تعدد المؤسسات والجماعات المسلحة المرتبطة بطهران، ولكل من هذه الجماعات مصالح محلية وقيود قد تؤثر في استجابتها للتفاهمات السياسية.

وتوفر الصناعة العسكرية مؤشرًا آخر على قدرة إيران على الاستمرار ، ففي دراسة نُشرت في 14 أكتوبر، فحص معهد أبحاث السياسة الخارجية صور أقمار صناعية لثلاثة مجمعات للإنتاج الصاروخي، ورصد نشاطًا تحت الأرض وتقدمًا محدودًا في تأهيل منشآت سطحية، كما شكك في موقع تجميع حدده تقرير صحفي سابق.

وتسمح هذه النتائج بالحديث عن نشاط جزئي، لكنها لا تثبت استعادة الإنتاج كاملًا. فالتجميع باستخدام مكونات مخزنة يختلف عن تصنيع أجزاء جديدة، وأعمال الإصلاح لا تحدد موعد التشغيل أو كمية السلاح الممكن إنتاجها، وتحتاج العودة إلى مستويات سابقة معدات وخبرات وتمويلًا وإمدادات، إلى جانب المعرفة التقنية.

ولهذا تبدو الأحكام القاطعة عن انهيار الصناعة أو تعافيها أوسع مما تثبته الأدلة، والأهم هو متابعة سرعة التعويض مقارنة بسرعة الاستهلاك ،فقد تستطيع إيران المحافظة على مستوى من الرد، بينما تتراجع قدرتها على استدامته مع مرور الوقت.

وتظل المعلومات المتاحة عن الدفاع الجوي والبحرية أقل اكتمالًا. فبقاء المعدات لا يعني استمرار منظومة متكاملة، واختبار سلاح لا يكشف بالضرورة أداءه في مواجهة طويلة، ويمكن لطهران الاحتفاظ بوسائل تفرض خسائر خارج حدودها، مع صعوبة أكبر في حماية أراضيها وخدماتها واقتصادها.

أمام هذه الصورة، تبدو الضربات المحدودة أسهل ربطًا بمطلب سياسي واضح. وقد تسعى واشنطن من خلالها إلى تغيير سلوك معين أو تثبيت الردع. ويتوقف نجاحها على استمرار النتيجة المطلوبة بعد العملية، وعلى فهم الطرف المقابل لما ينهي التصعيد.

لكن طهران قد تقرأ الضربة بداية حملة أوسع، وترى في الرد الكبير ضرورة لمنع تكرارها، وهنا يتجاوز مسار المواجهة الحساب الأولي لمنفذ العملية. لذلك تحتاج الضربات المحدودة إلى رسائل واضحة وقنوات اتصال، وإلى التزام بأن تنفيذ المطلوب سيقابله توقف الضغط العسكري.

الحملة الممتدة تطرح معضلة مختلفة. فهي تستطيع إحداث أضرار أكبر وإبطاء تعويض الخسائر، لكنها تحتاج إلى تحديد المقدار الذي يكفي لإنهائها. فإذا أصبحت كل قدرة إيرانية متبقية سببًا لضربة إضافية، فقد تتحول العمليات إلى التزام مفتوح، بينما يبقى التنازل السياسي بعيدًا.

وفي المقابل، تستطيع القيادة الإيرانية أن تراهن على مواصلة الرد بقوة أقل لإقناع واشنطن بأن الضربات لن تفرض شروطها، وعندئذ تتسع الفجوة بين صمود السلطة وحالة الدولة. فقد يبقى القرار السياسي ثابتًا في وقت تتراجع فيه الخدمات وفرص العمل وقدرة السكان على تحمل الأعباء.

وتقدم تقديرات الكلفة الأميركية خلفية مهمة لهذا الحساب. فقد قدّر مكتب الموازنة بالكونغرس في تقرير سبتمبر كلفة العمليات على وزارة الدفاع بنحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس، وهذه الأرقام تغطي مرحلة أوسع من الجولة الأخيرة، وتشمل تعويض ذخائر ومعدات وزيادة تكاليف التشغيل، وليست حسابًا نهائيًا للمدفوعات.

وكان تعويض الذخائر المستخدمة أكبر مكونات التقدير، بقيمة 21.7 مليار دولار، منها 13.1 مليار لصواريخ الاعتراض ، وحذّر المكتب من أثر الاستهلاك في المخزون، مع إقراره بعدم اليقين في تقديراته. وتوضح هذه الأعباء أن استمرار العمليات يرتبط بحسابات الجاهزية والإنتاج والالتزامات الأخرى، حتى مع بقاء القدرة الأميركية على القتال.

وفي الملف النووي، يصعب تقدير النجاح من حجم الضرر المرئي وحده. فتدمير المعدات لا يزيل المعرفة، وتعطيل المنشآت لا يحدد مصير المواد، وقد أوضحت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقرير سبتمبر أن غياب المعلومات والوصول اللازم يمنع تقديم صورة حالية لحجم المخزون وتركيبه وأماكن وجوده.

ويحد هذا الغموض من القدرة على التحقق من نتائج العمليات، فقد تتراجع بعض الإمكانات بينما تزيد الشكوك بشأن المتبقي، ولذلك يحتاج التأخير العسكري إلى رقابة وترتيبات تقلل فرص إعادة البناء، ومن دونها، يبقى مكسبًا مؤقتًا، وتستمر دوافع الاستعداد والضرب من جديد.

وفي البحر، تختلف حماية الملاحة عن تقييد الموارد الإيرانية، فالتجارة تحتاج إلى الثقة واستقرار المواعيد والكلفة، بينما قد تؤدي إجراءات الضغط إلى ردود تزيد مخاطر العبور ، ويمكن للشحنات أن تستمر بكلفة وتأمين أعلى، ولذلك لا يكفي استمرار المرور للقول إن الاضطراب انتهى.

ويفتح التدخل البري أسئلة تتجاوز المعركة الأولى. فالعملية المحدودة قد تستدعي مهام إضافية لحماية القوات وإدامة وجودها، بينما يحتاج التدخل الواسع إلى تصور لمستقبل المؤسسات والأمن والسلطة، وإذا ارتبط بتغيير النظام، فإن إدارة ما بعد القتال تصبح جزءًا من تقييم القرار قبل اتخاذه.

وتبقى أمام إيران خيارات تتراوح بين رد محسوب يحفظ الوساطة، واستنزاف لتحسين شروط التفاوض، وتصعيد أوسع، وتسوية بقيود متبادلة. ويتوقف الاختيار على الموازنة بين حماية السلطة والحفاظ على الدولة، وعلى اعتقاد القيادة بأن الاتفاق سيمنحها أمنًا يمكن الوثوق به.

ويمتد أثر المواجهة إلى السودان والقرن الأفريقي عبر الوقود والغذاء والمساعدات، وقد أفاد برنامج الأغذية العالمي في أكتوبر بارتفاع تكلفة نظام غذائي أساسي في السودان بقرابة 40 في المئة منذ فبراير، مدفوعة جزئيًا بالوقود، وتضاف هذه الضغوط إلى آثار الحرب الداخلية، وقد يستمر بعضها خلال مواسم زراعية لاحقة.

وتشير المعطيات إلى تفاوض متعثر وخطر تصعيد جدي، دون ما يكفي للجزم بقرب التسوية، وتستطيع القوة الأميركية تعطيل قدرات وإضعافها، لكن تثبيت النتيجة يحتاج إلى مطالب محددة ومقابل موثوق وآلية تحقق وشروط واضحة للتوقف. ومن دون ذلك، قد تنتهي الجولة بمكاسب ميدانية مؤقتة، بينما تبقى أسباب المواجهة قائمة

 

طالع أيضاً 

السفير دكتور محمد حجازي يكتب: كيف يسهم الإعلام السوداني في جهود إعادة إعمار السودان؟

 

زر الذهاب إلى الأعلى