الدكتور محمد تورشين يكتب : انعكاسات حرب الخليج الثالثة: على الحرب في السودان

مع اقتراب الحرب في السودان من دخول عامها الثالث، بعد اندلاعها في أبريل 2023، تبدو البلاد أمام مرحلة جديدة تتسم بتعقيد أكبر في المشهدين العسكري والسياسي, فالحروب عادة ما يكون اندلاعها سريعاً وسهلاً نسبياً، بينما يظل الوصول إلى تسوية أو اتفاق لوقفها عملية شديدة التعقيد، إذ تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية يصعب على الأطراف المتحاربة نفسها التحكم الكامل في مساراتها أو تحديد توقيت نهايتها
خلال العامين الماضيين خلّفت الحرب في السودان تداعيات إنسانية بالغة القسوة. فقد شهدت العديد من المناطق، خصوصاً تلك التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع، انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، شملت عمليات قتل ونهب وتدمير واسع للبنية التحتية، فضلاً عن جرائم موثقة في مدن وقرى عدة، مثل الجنينة ومناطق في ولاية الجزيرة، إضافة إلى التطورات الأخيرة في الفاشر. وقد أدى ذلك إلى موجات نزوح ولجوء ضخمة، خلقت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم في الوقت الراهن
ومنذ اندلاع الصراع، كان واضحاً أن العامل الخارجي يمثل أحد أهم محددات استمرارية الحرب, فقد تلقت قوات الدعم السريع دعماً عسكرياً متنوعاً، شمل أسلحة متطورة وذخائر ومنظومات تقنية متقدمة في مجالات الاعتراض والتشويش، إلى جانب مشاركة مقاتلين أجانب وخبراء عسكريين تولوا تشغيل هذه المنظومات, وبذلك لم تعد الحرب شأناً داخلياً خالصاً، بل أصبحت جزءاً من تفاعلات إقليمية ودولية أوسع، وهو ما ساهم في إطالة أمدها وتعقيد فرص التوصل إلى تسوية سريعة.
في هذا السياق، برزت خلال الأشهر الماضية محاولات دبلوماسية متعددة لوقف الحرب، من بينها ما عُرف بالمبادرة الرباعية، التي رافقتها تصريحات وتحركات دولية اعتُبرت في حينها مدخلاً محتملاً نحو عملية سلام في السودان. غير أن التطورات الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها المواجهات العسكرية في منطقة الخليج العربي بعد الهجوم الأمريكي ـ الإسرائيلي على إيران ، أدت إلى تغيرات مهمة في أولويات القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية
فالولايات المتحدة، التي كانت من أبرز الأطراف المنخرطة في تحريك المبادرة الرباعية بشأن السودان، تبدو اليوم منشغلة بملفات أكثر إلحاحاً بالنسبة لها، تتعلق بإدارة تداعيات الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط، فضلاً عن الحسابات السياسية الداخلية المرتبطة بالانتخابات والتوازنات داخل الكونغرس. ونتيجة لذلك، يُرجّح أن يتراجع مستوى الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية في المدى القريب، بما في ذلك اهتمام المؤسسات الدولية والمنظمات الإنسانية دا التراجع المحتمل في الاهتمام الدولي قد يخلق تحديات إضافية للسكان المدنيين، خصوصاً النازحين واللاجئين الذين يعتمدون بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية التي توفرها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية, فضعف التمويل أو تراجع الاهتمام الإعلامي والسياسي قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في مناطق النزاع وفي دول الجوار التي تستضيف اللاجئين السودانيين
في المقابل، قد تخلق هذه التحولات الإقليمية والدولية فرصاً ميدانية جديدة للجيش السوداني, فمع انشغال بعض الأطراف الإقليمية المؤثرة بملفات أخرى، قد تتأثر خطوط الإمداد والدعم التي تصل إلى قوات الدعم السريع، وهو ما قد ينعكس على قدرتها على الاستمرار في العمليات العسكرية بالوتيرة نفسها.
وفي حال استثمر الجيش السوداني هذا الظرف بفاعلية، فقد يسعى إلى توسيع عملياته العسكرية وتعزيز تقدمه في عدد من المناطق الاستراتيجية ، تبرز في هذا السياق أهمية بعض المناطق إقليم كردفان، التي تمثل عمقاً جغرافياً واستراتيجياً مهماً, فالمناطق الممتدة بين بارا وأم بادر وسودري وجبرة الشيخ وحمرة الشيخ ، الخوي والنهود ، ابوزبد والفولة وبابنوسة وغيرها تشكل نقاطاً حيوية في معادلة السيطرة الميدانية. كما أن استعادة السيطرة على هذه المناطق قد تمهد لتوسيع نطاق العمليات نحو إقليم دارفور، الذي يمثل أحد أهم مسارح العمليات العسكرية في الحرب الحالية
ومن منظور عسكري بحت، فإن أي تفوق ميداني واضح قد يمنح الطرف المتقدم أفضلية كبيرة في أي عملية تفاوضية مستقبلية, فالتجارب التاريخية للحروب تشير إلى أن موازين القوة على الأرض غالباً ما تنعكس مباشرة على طاولة المفاوضات، حيث يكون الطرف صاحب التفوق العسكري أكثر قدرة على فرض شروطه أو التأثير في مسار التسوية السياسية
انطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن الحرب في السودان تدخل عامها الثالث في ظل بيئة إقليمية ودولية متحركة، قد تفتح المجال أمام تغيرات مهمة في مسار الصراع. فبينما قد يؤدي انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى إلى تراجع الاهتمام بالملف السوداني، فإن هذا الواقع نفسه قد يخلق فرصاً عسكرية جديدة للحكومة على الأرض .
غير أن السؤال الجوهري يبقى مرتبطاً بقدرة الفاعلين السودانيين على تحويل أي مكاسب عسكرية محتملة إلى مدخل لإنهاء الحرب، وليس مجرد إطالة أمدها , فالحسم العسكري وحده، حتى إن تحقق جزئياً، لا يضمن بالضرورة استقراراً دائماً، ما لم يُترجم في نهاية المطاف إلى عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة وتؤسس لنظام سياسي مستقر قادر على استيعاب تعقيدات السودان الاجتماعية والإقليمية ، وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن العام الثالث للحرب قد يكون مرحلة مفصلية، إما باتجاه تصعيد عسكري أوسع يسهم في استعادة السيطرة على التراب السوداني من قبل الحكومة ، مما يمهد الطريق نحو استكمال مسار الدمج والتسريح ، الذي سيكون مدخلا لعملية سياسية شاملة ومتكاملة تبدأ بالحوار السوداني ـ السوداني ، وتنهي بانتخابات عامة ، تسبقها انتخاب جمعية تأسيسية ، تجيز الدستور الدائم.
- الدكتور محمد تورشين .. باحث وكاتب في الشؤون الأفريقية .
إقرأ المزيد :




