الكاتبة التونسية اسيا العتروس تكتب : في رحيل أحمد قعبور الذي لا تنكس أعلامه ..الفن سلاح المبدعين

برحيل الفنان أحمد قعبور تفقد الساحة اللبنانية والعربية صوتا مناصرا للفن والحياة وللقضية الفلسطينة تماما ككل فنان ملتزم بقي خالدا في ذاكرة الشعوب .. أشهر قليلة فصلت بين رحيل الفنان اللبناني زياد الرحباني نجل الأيقونة اللبنانية العالمية فيروز و بين رحيل موطنه الفنان أحمد قعبور ولو شئنا يمكن أن نضيف اليهما إسما ثالثا وهو الفنان الفلسطيني محمد بكري .
ولعلنا لا نبالغ إذا اعتبرنا أن لهذه الاسماء الفنية العربية التي جاوزت بفنها كل الحدود الجغرافية و كل الهويات كان لها وقعها و دورها في الشعوب في زمن الرصاص و القنابل و الحروب التي لا تكاد تهدأ إلا لتتفجر من جديد .
و الأكيد أن الحاجة لهؤلاء قد تتفوق في احيانا كثيره عن الحاجة لرجال السياسة وأصحاب الألقاب والحقائب الديبلوماسية ممن يهتمون بانجازاتهم الخاصة أكثر من اهتمامهم بكرامة الشعوب وبما تحتاجه الأوطان من سلام وأمان …
رحيل الفنان الكبير أحمد قعبور قبل أيام عمق الجرح الذي يرفض أن يندمل وأثار في البال أكثر من سؤال عمن سيشد على الأيدي بعد رحيله.. وكما زياد و محمد بكري بالأمس فقد فاقم رحيل أحمد قعبور, الذي سيظل حتما الحاضر الغائب في الساحات النضالية والتجمعات الشعبية الغاضبة , مشاعر الألم ليس في لبنان وحده الذي يعيش اليوم على وقع مخطر حرب جديدة يشنها كيان الإحتلال الإسرائيلي على الجنوب و يهجر أكثر من مليون نسمة و يهدد بضم مزيد الأراضي اللبنانية .. رحيل يأتي على وقع جرائم الإبادة المستمرة من غزة إلى الضفة و لكن أيضا على وقع حرب أمريكية اسرائيلية على إيران باتت تهدد كل منطقة الشرق الأوسط بنزيف لا أحد يعلم أين و كيف سيتوقف ..
مرض الجسد الذي أصاب زياد الرحباني و محمد بكري و لحق أحمد قعبور يعكس ما أصاب المطقة العربية من أمراض وعلل استعصت على الجميع في غياب ما تحتاجه من وصفات لتجاوز حالة الانهيار والسقوط المدوي .. نستحضر رحيل قعبور وهو الذي حول الأغنية إلى حالة وعي وانتشاء و جعل من الثقافة ورقة عبور وجسرا لفضح المعاناة في أعين العالم الآخر الذي تقوده الأنانية المفرطة فلا يدرك ما يفعله الظلم وغياب العدالة وانتحار القانون الدولي في الأضعف .
لا خلاف أن لوجود أحمد قعبور في المشهد الفني اللبناني و العربي والدولي والانساني ما عزز حضور القضية الفلسطينية عبر الفن و جعله منه رسالة لكل الأجيال في الماضي و الحاضر ..أجيال ستظل تصرخ في كل المنابر بتلك الكلمات الرائعة وذلك النداء الذي لا يرد “أناديكم أشد ..على أياديكم ..”
“أناديكم” المستوحاة من الشاعر الكبير توفيق زياد هي واحدة من رسائل إنسانية ثقافية ملحمية في الذاكرة الفلسطينية ولكن أيضا الكونية …و مثلها “بيروت يا بيروت”.. و”يا رايح صوب بلادي “و” نحنا ناس”..كان قعبور يقول “أنا فلسطيني بقدر ما أنا عربي و لبناني ” ، قد جعل من الفن رسالة وراية الدفاع عن الحق وعن القيم الإنسانية المغتصبة .
هو الذي نشأ في حالة فنية ملتزمة فوالده الفنان محمود الرشيدي، يعتبر من أوائل عازفي الكمان في لبنان..وقد ترعرع في بيئة فنية اعتنقت الفن وجعلته عقيدة في مسارها و حياتها اليومية ..د
بين اناديكم وأشد على أياديكم لتوفيق زياد و التي أخرجها أحمد قعبور زمن الحرب الأهلية اللبنانية لتتصدر شعر المقاومة , وبين رائعة محمود درويش “سجل أنا عربي” وسميح القاسم “لن أساوم “و عد أكثر من أربعة عقود يبقى نداء أحمد قعبور قائما شاهدا على حجم المعاناة والظلم والقهر .
لقد هزت الكلمات والأغاني ومعها الصور والأفلام في أحيان كثيرة شعوب العالم فتفاعلت معها و سجلت بداية حالة من الوعي بالسردية الفلسطينية ما جعل كيان الاحتلال ينتبه لخطورة الكلمة و الشعر و الفعل الثقافي فلاحق محمد بكري و منع أفلامه ومنها جنين جنين وغيرها وقمع و صادر صوت درويش وكنفاني و سميح القاسم و حارب صوت أحمد قعبور و غيرهم أيضا تماما كما يصادر و يحارب كل الأفلام التي توثق لجرائم الاحتلال و منها فيلم “صوت هند رجب” وفيلم” فلسطين 36″” لا أرض أخرى “.
يمكن لترسانة الاحتلال أن تصادر الأرض وتسرق البيت وتهود المقدسات ولكن لن يقدر على سرقة الاحلام وكتم الحناجر ومنع الشعراء والفنانيين والسينمائيين و الرسامين والصحفيين من رصد و نقل و فضح الاحتلال وتعريته وكشف وجهه القبيح أمام شعوب العالم التي ستجمع يوما على مقاطعة و رفض كيان الاحتلال الارهابي .
و في كل ذلك سيبقى نداء قعبور الذي “وقف أمام ظلامه وحيدا عاريا حافي .. قائما متواترا بين الأجيال في كل الساحات ..
أناديكم أشد على أياديكم
وأبوس الأرض تحت نعالكم
وأقول أفديكم
وأهديكم ضيا عيني
ودفئ القلب أعطيكم
فمأساتي التي أحيا
نصيبي من مآسيكم
أنا ما هنت في وطني
ولا صغرت أكتافي
وقفت بوجه ظلامي
يتيماً عارياً حافي
حملت دمي على كفي
وما نكست أعلامي
وصنت العشب الأخضر
فوق قبور أسلافي
أناديكم أشد على أياديكم
وأبوس الأرض تحت نعالكم
وأقول أفديكم..
* اسيا العتروس .. كاتبة وصحفية تونسية .
اقرأ المزيد
تداعيات صراع الشرق الأوسط تضرب اقتصاد أفريقيا وتضع القارة أمام أزمة وقود غير مسبوقة
