“أفريقيا إلى الأمام”.. هل نجحت فرنسا في استعادة نفوذها داخل القارة السمراء عبر الاقتصاد ؟

شهدت القمة الأفريقية الفرنسية التاسعة والعشرون، التي استضافتها العاصمة الكينية نيروبي تحت شعار “أفريقيا إلى الأمام”، زخمًا سياسيًا واقتصاديًا غير مسبوق، لتصبح واحدة من أبرز القمم الـ 29 التي جمعت فرنسا بالقارة الأفريقية منذ انطلاق هذا المسار الدبلوماسي عام 1973.
وتُعد القمة الأخيرة امتدادًا لسلسلة القمم الأفريقية الفرنسية التي بدأت بعقد أول قمة في العاصمة الفرنسية باريس بمبادرة مشتركة من الرئيس الفرنسي الأسبق جورج بومبيدو Georges Pompidou ورئيس النيجر الأسبق حماني ديوري Hamani Diori، حيث اقتصرت المشاركة في بداياتها على الدول الأفريقية الناطقة باللغة الفرنسية، قبل أن تتوسع لاحقًا لتشمل نطاقًا أوسع من الشراكات والعلاقات بين فرنسا ودول القارة.
ورغم تاريخ القمم الطويل، فإن قمة كينيا الأخيرة حظيت باهتمام استثنائي، في ظل سعي فرنسي واضح لإعادة التموضع داخل أفريقيا بعد سنوات من تراجع النفوذ التقليدي لباريس، خاصة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، التي شهدت تحولات سياسية وأمنية متسارعة أدت إلى تقلص الحضور الفرنسي هناك.
فرنسا تراهن على الاقتصاد لاستعادة حضورها في أفريقيا
وراهنت فرنسا هذه المرة على العودة إلى الساحة الأفريقية من بوابة الاقتصاد والتنمية، بدلًا من الاعتماد على الأدوات التقليدية خاصة في شقها العسكري التي ارتبطت بها السياسة الفرنسية لعقود طويلة داخل القارة.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون Emmanuel Macron عن حزمة استثمارية ضخمة بقيمة 23 مليار يورو موجهة للقارة الأفريقية، تتضمن 14 مليار يورو استثمارات فرنسية عامة وخاصة، إلى جانب 9 مليارات يورو استثمارات أفريقية مشتركة، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشراكات الاقتصادية والتنموية بين الجانبين.
كما حرص ماكرون خلال القمة على توجيه انتقادات مباشرة للنموذج التقليدي للقمم الفرنسية الأفريقية، مؤكدًا سعيه إلى بناء “علاقة متجددة” مع القارة تقوم على المصالح المشتركة والشراكات المتوازنة، وذلك بعد سنوات من الانتكاسات التي تعرضت لها فرنسا في عدد من مستعمراتها السابقة الناطقة بالفرنسية.
خبير: النفوذ العسكري الفرنسي ساهم في تراجع صورة باريس داخل أفريقيا
من جانبه، أكد الدكتور محمد تورشين، خبير الشؤون الأفريقية، أن التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن السياسة الفرنسية في أفريقيا تعكس إدراك باريس لحجم التحولات الكبيرة التي شهدتها القارة خلال السنوات الأخيرة، لا سيما مع تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي وتصاعد المنافسة الدولية داخل أفريقيا.
وأوضح تورشين أن اعتماد فرنسا لسنوات طويلة على النفوذ العسكري والأمني، إلى جانب ارتباطها بدعم بعض الأنظمة السياسية والحلفاء التقليديين، حتى في ظل أوضاع غير دستورية في بعض الأحيان، ساهم بصورة كبيرة في تشويه صورة باريس لدى الشعوب الأفريقية، وكذلك لدى القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني في القارة.
وأشار إلى أن هذه التطورات دفعت فرنسا إلى إعادة النظر في استراتيجيتها الأفريقية، خاصة في ظل التحولات الدولية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، والانفتاح الاقتصادي والسياسي المتزايد الذي شهدته أفريقيا خلال السنوات الماضية.
ماكرون وإعادة صياغة السياسة الفرنسية تجاه أفريقيا
وأضاف خبير الشؤون الأفريقية أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، منذ وصوله إلى السلطة عام 2017، تبنى خطابًا سياسيًا يقوم على مراجعة السياسة الخارجية الفرنسية تجاه أفريقيا، لافتًا إلى أن باريس بدأت بالفعل اتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه.
وأوضح أن هذه الخطوات شملت تعيين مبعوثين خاصين، إلى جانب إعادة تقييم طبيعة الوجود الفرنسي داخل القارة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الاقتصادي.
وأكد تورشين أن فرنسا شرعت فعليًا في إعادة انتشار قواتها العسكرية داخل أفريقيا قبل تصاعد المطالب الشعبية والرسمية في بعض الدول بإنهاء الوجود العسكري الفرنسي، موضحًا أن باريس أعادت تمركز نفوذها العسكري ليتركز في ثلاث مناطق استراتيجية رئيسية.
وأشار إلى أن هذه المناطق تشمل Djibouti لمتابعة التطورات في البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، وGabon لمراقبة منطقة وسط أفريقيا والبحيرات الكبرى، إضافة إلى Côte d’Ivoire باعتبارها نقطة ارتكاز رئيسية في غرب أفريقيا.
تصاعد المنافسة الدولية داخل أفريقيا
وأوضح الدكتور محمد تورشين أن فرنسا تحاول حاليًا مواكبة حالة التنافس الدولي المتصاعد داخل القارة الأفريقية، خاصة مع تنامي أدوار قوى دولية وإقليمية جديدة، من بينها China وTurkey ودول الخليج العربية، وهو ما يدفع باريس إلى تبني مقاربة مختلفة تعتمد بصورة أكبر على الشراكات الاقتصادية ومشروعات التنمية والاستثمار، بدلًا من الاعتماد على النفوذ العسكري التقليدي.
وأكد أن القارة الأفريقية تمتلك فرصًا ضخمة في مجالات البنية التحتية، وشبكات النقل والمواصلات، والطاقة، والتنمية الاقتصادية، مشيرًا إلى أن نجاح فرنسا في بناء علاقات أكثر توازنًا واحترامًا لأولويات الدول الأفريقية قد يمنحها فرصة لاستعادة جزء من نفوذها داخل القارة خلال المرحلة المقبلة.
قمة نيروبي.. اختبار جديد للعلاقات الفرنسية الأفريقية
ويرى مراقبون أن قمة نيروبي مثلت اختبارًا حقيقيًا لمستقبل العلاقات الفرنسية الأفريقية، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها القارة، وتزايد رغبة الدول الأفريقية في تنويع شراكاتها الدولية بعيدًا عن النفوذ التقليدي للقوى الاستعمارية السابقة.
كما عكست القمة إدراك باريس أن الحفاظ على مصالحها داخل أفريقيا لم يعد ممكنًا عبر الأدوات القديمة، وأن المرحلة المقبلة ستعتمد بصورة أساسية على التعاون الاقتصادي والاستثماري، واحترام السيادة الوطنية للدول الأفريقية، وبناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة.
إقرأ المزيد :




