أسطورة “الانيادة” في خدمة الديبلوماسية الثقافية .. سفير بريطانيا بتونس يفتح مقر اقامته لعرض “الممر الآمن” ملتقى الحضارات والسلام

تونس – اسيا العتروس
تحت شعار”الممر الآمن”احتضن مقر اقامة السفير البريطاني بالعاصمة التونسية عرضا فنيا مزدوجا جمع في آن واحد بين تنظيم معرض تاريخي للصور و الرسوم والخرائط و بعض الوثائق النادرة للحكومة البريطانية , وبين عرض موسيقي للأوبرا بمشاركة تونسية بريطانية فرنسية و بحضور عدد من الديبلوماسيين و الاعلاميين والفنانين .
لم يكن اختيار شعار”الممرالآمن “safe passage اعتباطيا وهو بالاضافة إلى ما يجسده بشأن الأهمية الاستراتيجية لموقع تونس عبر التاريخ كجسر وممر ملتقى للحضارات والشعوب المختلفة, فإنه وكما سيتضح شعار اقتبس من ” أسطورة الانيادة ” The Aeneid للشاعر الروماني فرجيل خلدت حكاية “انياس الطروادي و ديدو الفينيقية ” وهو الذي هرب من طروادة وعبر البحار ليصل إلى قرطاج , تونس اليوم, و منها سيعود لتأسيس روما, وقبل ذلك سيلتقي اينياس الملكة ديدون عليسة كما تسمى في تونس التي ستنتحر بطعن نفسها بخنجره و تلقي نفسها في النار بسبب خيانته .
الشاعر الروماني فيرجيل وضع هذه الملحمة التي لم يكملها وأوصى بحرقها في أكثر من تسعة آلاف بيتا من الشعر دون فيها اثنتي عشرة رحلة لاينياس بين طروادة وإيطاليا .. والشعار ذاته “الممر الآمن “يستحضر الاتفاقية التاريخية التي وقعها الملك البريطاني شارل الثاني مع الدولة الحفصية في 1662 مع بايات تونس و الجزائر و طرابلس , لتوفير ممر آمن للسفن البريطانية انذاك .كما يقدم معرض صور الحكومة البريطانية صور للملك الحالي الملك شارلز خلال زيارته قبل سنوات الى تونس حيث أقام في المقر الحالي للسفير البريطاني, إلى جانب خرائط تاريخية ووثائق نادرة عن فترات مختلفة من العلاقات التونسية البريطانية امتدت على مدى ستة قرون من القرن الـ 16 حتى القرن الـ 21 و جمعت عديد الصور و الوثائق عن الوجود البريطاني في تونس خلال الحرب العالمية الثانية و منها وجود رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل في غرة جوان 1943 , كما توثقه الصور , مع القوات البريطانية في مسرح قرطاج .. إلى جانب نسخة من مذكرات الكونت الكسندر من تونس أحد أهم القادة العسكريين في الحرب العالمية الثانية و رجل تشرشل للمواقف الصعبة والذي قاد حملات في شمال افريقيا خلال الحرب العالمية الثانية فضلا عن عديد الرسوم و بينها رسوم نسائية لرصد تنقلات مختلف الشعوب في المتوسط بضفتيه ..إلى جانب صورو بورتريهات للملوك البريطانيين الذين ولدوا أو نشأوا خارج المملكة و ذلك منذ عصر الشاعر فرجيل الى الرسام الهولاندي ويليام فان دي فيلي الى الفنانين المعاصرين من تونس ممن تلقوا تعليمهم في الجامعات البريطانية .
كل ذلك ضمن اطار معماري هندسي يجمع بين الفن المعاصر والفن العثماني الاسلامي حيث يعد مقر اقامة السفير البريطاني أحد المعالم الفنية التاريخية وهوأحد القصور التي تمكن القنصل البريطاني ريتشارد وود Richard Wood من اقتناءها في 1865و كان ابن أحد المترجمين الذين نشأوا في أحضان الامبراطورية العثمانية , وقال السفير البريطاني قبل افتتاح العرض أن “عرض الممر الآمن يوثق لستة قرون من التبادل الحضاري والثقافي بين تونس و بريطانيا و يعكس مكانة تونس كفضاء للعبور و التلاقي بين الحضارات و الهويات و الشعوب “.
وسبق افتتاح الجولة عبر أروقة اقامة السفير البريطاني رودي دروموند عرض موسيقي لمقتطفات من أوبرا “ديدون و اينياس” التي حولها هنري بورسيل منذ 1689 الى عمل فني و ينقل واحدة من الأساطير التراجيدية التي لا تزال تعرض اليوم في رحلة تاريخية عابرة للزمن تراوح بين المأساة و بين الحب والخيانة و البحث عن التفسير الاهوتي لمجريات الاحداث و تدخل الالهة لتغيير الاقدار .
و نحن بصدد هذه الجولة الديبلوماسية التي تثمن دور الفن والموسيقى والتوثيق لمد الجسور الديبلوماسية و تعزيزها في الحاضر والمستقبل فقد وجب التوقف عند أسطورة “إينياس وديدو” هي واحدة من أشهر قصص الحب والخيانة في الأدب الكلاسيكي، وخلّدها الشاعر الروماني “فيرجيل” في ملحمته الشهيرة “الإنيادة”. و هي ترمز إلى الصراع الأبدي بين الواجب والمصير، كما تجسد الأسطورة للعداء التاريخي بين روما وقرطاج.
وقد وصل إينياس الى قرطاج بعد دمار مدينة طروادة، هاربا في رحلة طويلة للبحث عن أرض جديدة يؤسس عليها إمبراطوريته , ألقت به العواصف على شواطئ شمال أفريقيا، وتحديداً في مدينة “قرطاج” تونس حاليا حيث التقى إينياس بالملكة “ديدو” أليسا أو كذلك عليسة الاميرة الفينيقية التي تقول الاسطورة أنها هربت من صور وأسست مدينة قرطاج. و قد كانت ديدو ملكة قوية وقد تعاطفت مع إينياس ومعاناته. ووقعت في حبه بمباركة الالهة جونو وفينوس وعاشا معاً لسنوات قبل تدخل كبير الآلهة “جوبيتر”، وأرسل الإله “ميركوري” ليذكّر إينياس بمهمته الكبرى وهي الإبحار لتأسيس مدينة روما”.
فيقرر إينياس طاعة الآلهة والرحيل سراً، وعندما اكتشفت ديدو غدره أمرت باشعال النار وألقت بنفسها فيها بعد أن طعنت نفسها بسيف إينياس استخدم فيرجيل هذه القصة المأساوية كأداة سياسية ورمزية، حيث لعنت ديدو إينياس ونسله قبل موتها، واعتبر المؤرخون والأدباء الرومان أن هذه اللعنة هي التفسير الأسطوري للحروب البونيقية الدموية بين روما وقرطاج.
لا خلاف أن الديبلوماسية الثقافية سلاح لا يستهان به وهي تعد من أدوات القوة الناعمة في فتح الابواب الموصدة والبحث عن الفرص الجديدة لديبلوماسية العصر في زمن الصراعات المتواترة و هيمنة الاقوى .
والأكيد أن من أدرك قيمة ودور هذا السلاح في تعزيز الجسور بين الامم و الشعوب فقد اكتسب واحدة من أهم أدوات العمل المؤثر في العلاقات بين الأمم و الشعوب و تعبيد الجسور باعتماد الفن كأحد الاسلحة الناعمة , و هذا ما ينطبق على معرض الصور الذي دشنته سفارة بريطانيا بتونس و خصصت له سهرة فنية بمقر اقامة السفير رودي أدموند لتكشف للحضور عن جزء من إرث تاريخي فني يمتد على أكثر من ستة قرون باطلاق المعرض الرسمي لمجموعة الأعمال الفنية الجديدة التابعة للحكومة البريطانية في تونس و التي تجسد تلك الروابط بين البلدين في أكثر من مجال من السياسي الى العسكري والفني الى الثقافي والاقتصادي والتجاري و المعرفي .

- اسيا العتروس .. كاتبة وصحفية تونسية .
إقرأ المزيد :
الكاتبة الصحفية التونسية اسيا العتروس تكتب : السينما الفلسطينية سلاح الذاكرة في زمن الطغيان




