العميد دكتور محمد حجاب يكتب : منطق الدولة في مواجهة الضجيج .. قراءة تحليلية في أبعاد الدبلوماسية الهادئة المصرية وصياغة التوازنات الإقليمية
في منطقة باتت تعيش على إيقاع الأزمات المتشابكة والتحولات الجيوسياسية المتسارعة، تسير السياسة الخارجية المصرية وفق معادلة مغايرة لما هو سائد , فبينما تنزع بعض القوى الإقليمية نحو التصعيد الإعلامي واستعراض القوة والانجرار وراء الخطابات الصاخبة، تعتمد القاهرة ما بات يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ”الدبلوماسية الهادئة” وهي مقاربة استراتيجية قوامها إدارة الصراعات عبر التوازنات الدقيقة والحوار المستمر، وتغليب الحلول السياسية المستدامة على المكاسب الإعلامية العابرة.
غير أن الإقرار بنجاعة هذا النهج لا يعني تبرئته من الإشكاليات أو تجاهل القيود التي تحدّ من فاعليته, فثمة ملفات لا تزال مفتوحة، وتحديات بنيوية ترتبط بطبيعة البيئة الإقليمية المعاصرة التي يتشارك فيها الفاعلون الدوليون مع فاعلين من دون دول في تشكيل مسارات الصراع والسلام على حدٍّ سواء.
تسعى هذه المقالة إلى قراءة تحليلية نقدية في فلسفة الدبلوماسية الهادئة المصرية وأدواتها ونماذجها التطبيقية وحدود فاعليتها، مستندةً إلى الوقائع الموثّقة والأطر المفاهيمية المعتمدة في الدراسات الاستراتيجية المعاصرة.
أولاً: مفهوم الدبلوماسية الهادئة ومرتكزاتها الفلسفية
لا تعني الدبلوماسية الهادئة أو “دبلوماسية الغرف المغلقة” بأي حال من الأحوال الانكفاء، أو غياب الموقف، أو ضعف التأثير؛ وإنما هي حركة دؤوبة وصياغة للتفاهمات بعيداً عن أضواء الصحافة والتشويش الإعلامي, إنها تعني إدارة الأزمات عبر المفاوضات غير المعلنة، والاتصالات السياسية والأمنية المستمرة، مع تجنب اتخاذ مواقف انفعالية قد تغلق أبواب التسوية المستقبلية, وتستند هذه المقاربة الفلسفية إلى عدة مرتكزات إستراتيجية ثابته أهمها الآتي:
صيانة الدولة الوطنية ومنع التفكك
حيث تنطلق الرؤية المصرية من أن غياب “الدولة الوطنية” لصالح الميليشيات أو التنظيمات الموازية هو الجذر الأساسي لعدم الاستقرار, لذا، تدعم القاهرة دائماً وحدة المؤسسات النظامية والبرلمانات والجيوش الوطنية، وترفض رفضاً قاطعاً تقسيم الدول.
عقيدة “الوسيط النزيه”
ترفض مصر سياسة المحاور الإيديولوجية والاستقطاب، وتحرص على إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع كافة أطراف أي صراع، حتى تلك التي تختلف معها جذرياً، مما يمنحها ميزة نسبية وثقة متبادلة تجعلها المقصد الأول للمتصارعين عند البحث عن حلول حقيقية.
تغليب المصالح الوطنية على المكاسب الإعلامية
وتتمثل في إدراك صانع القرار المصري أن الاستعراض الإعلامي قد يحقق مكاسب شعبوية مؤقتة، لكنه لا يبني سلاماً مستداماً ولا يحمي حدوداً؛ فالأولوية دائماً هي للنتائج على الأرض.
الفصل بين الخلافات السياسية وإمكانية التعاون
وتعتمد على المرونة التى قوامها عدم قطع خيوط التواصل التام مع أي طرف إقليمي أو دولي بسبب خلاف في ملف معين، بل استمرار العمل في الملفات المشتركة لتفكيك الأزمات تدريجياً .
ثانياً: محددات النهج المصري في إدارة الأزمات
يتحرك العقل الدبلوماسي المصري مدفوعاً بثلاثة محددات رئيسية تمنح خطوته الثبات والاتزان:
الموقع الجيوسياسي وعبء الجغرافيا
تقع مصر في قلب ثلاث دوائر إستراتيجية متشابكة (العربية، الإفريقية، والمتوسطية)، وتسيطر على قناة السويس كأهم شريان للملاحة الدولية. هذا موقع يجعل أي اضطراب إقليمي – شرقاً في فلسطين، غرباً في ليبيا، أو جنوباً في السودان والبحر الأحمر – يمس الأمن القومي والاقتصادي المصري مباشرة، ومن ثم فإن السعي للاستقرار هو ضرورة حتمية لا رفاهيةً اختيارية .
الخبرة المؤسسية التراكمية
تمتلك الدولة المصرية واحدة من أقدم وأعرق المؤسسات الدبلوماسية والأمنية في المنطقة، مما يوفر لصانع القرار مخزوناً معرفياً وشبكة علاقات دولية قادرة على تفكيك أعقد الملفات برصانة وموضوعية.
التوازن والاستقلالية الإستراتيجية
منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، عملت القاهرة بوعي متزايد على تنويع شراكاتها الاستراتيجية وعدم الارتهان لقطب واحد , فعلى المستوى العسكري تحتفظ بتعاون وثيق مع واشنطن، وفي الوقت ذاته توسّع علاقاتها مع موسكو وبكين في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتسليح. هذا التوازن يُوفّر لمصر حيزاً من الحرية في اتخاذ مواقف لا تتطابق دائماً مع توقعات أي من القوى الكبرى .
ثالثاً: نماذج تطبيقية لنجاعة الدبلوماسية الصامتة
تتجلى عبقرية الدبلوماسية الهادئة في تحويل “الأزمات الصفرية” إلى مسارات تفاوضية واقعية، كما يظهر في الملفات التالية:
القضية الفلسطينية وقطاع غزة (الوساطة المستدامة)
شكّلت المرحلة الممتدة من أكتوبر 2023 وما تلاها اختباراً حقيقياً لمتانة النهج المصري في مواجهة ضغوط إنسانية وسياسية غير مسبوقة ، حيث حافظت القاهرة على ثلاثة مسارات متوازية:
- الدعم السياسي الصريح للحقوق الفلسطينية ورفض مشاريع التهجير.
- الحفاظ على قدر من التواصل مع إسرائيل بوصفها الطرف الآخر في المعادلة التفاوضية.
- التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين — ولا سيما قطر والولايات المتحدة — في صياغة مقترحات وقف النار.
وأهم ما يميّز الدور المصري في هذا السياق ليس المبادرة باقتراح إطار تسوية شامل، بل العمل بوصفه “قناة الترجمة” بين الأطراف المتباعدة , غير أن ذلك لم يَسلم من انتقادات تُشير إلى أن القاهرة وجدت نفسها أحياناً في موقع يصعب فيه الإمساك بزمام المبادرة في ظل تعدد الوسطاء وتنافس أجنداتهم.
الملف الليبي — من الردع إلى الحوار
في عام 2020، مثّل الإعلان المصري عن خط “سرت – الجفرة” خطاً أحمر دفاعياً لحماية الأمن القومي المصري. بيد أن اللافت هو ما جرى في أعقاب تثبيت الميدان حيث انتقلت الدبلوماسية المصرية بسرعة من لغة الردع إلى لغة الحوار، إذ استضافت القاهرة والغردقة اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة الليبية (5+5) وجلسات المسارات الدستورية.
هذا النموذج يكشف عن مبدأ استراتيجي ثابت يتمثل في توظيف القوة العسكرية لخلق ظروف تفاوضية لا لفرض الحلول بالإكراه على الجانب الآخر، لا يزال الملف الليبي مفتوحاً في جوهره، مما يطرح تساؤلات مشروعة حول قدرة هذه الدبلوماسية على إنتاج حلول دائمة في غياب ضغط متواصل .
3- الأزمة السودانية — إدارة التوتر على الحدود الجنوبية
أفرزت المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023 تحدياً بالغ التعقيد أطلقت مصر آلية “قمة دول جوار السودان” كإطار إقليمي يجمع دول الجوار الست، بهدف توحيد المواقف حول مبادئ: وحدة الأراضي السودانية، ووقف إطلاق النار، ورفض التدخل الخارجي المزعزع للاستقرار , بيد أن الأداء الإقليمي لهذه الآلية جاء متفاوتاً في ظل تباين مصالح دول الجوار وتنافس قنوات الوساطة الدولية المتعددة .
4- التوترات الإيرانية الإسرائيلية وأزمة البحر الأحمر
اتسم الخطاب المصري بالدعوة المتواصلة إلى ضبط النفس وتجنب الانزلاق نحو حرب إقليمية مفتوحة أما أزمة البحر الأحمر، فقد كشفت عن تعقيد مزدوج حيث تضررت عوائد قناة السويس تضرراً ملموساً بسبب تحويل السفن مسارها، وفي الوقت ذاته رفضت القاهرة الانخراط في التحالف البحري الدولي بقيادة واشنطن (عملية حارس الازدهار) , هذا الموقف عكس رغبة مصرية في التمسك بهامش الاستقلالية، وإن كانت تكلفته على صعيد العلاقة مع واشنطن لم تتضح تماماً.
رابعاً: أدوات القوة المصرية في الدبلوماسية الهادئة
لا تتحرك الدبلوماسية المصرية في فراغ، بل تستند إلى رصيد من أدوات القوة الصلبة والناعمة كآلاتي:
القوة العسكرية
يصنف الجيش المصري باستمرار ضمن أقوى عشرة جيوش في قارة أفريقيا والشرق الأوسط وفق مؤشرات القوة العسكرية العالمية وهذا الثقل العسكري يمنح الكلمة المصرية مصداقية لا تحظى بها الوساطات التي تفتقر إلى عمق أمني حقيقي .
الدبلوماسية الاستخباراتية والأمنية
تتميز الأجهزة السيادية المصرية بمقدرة عالية على إدارة المفاوضات خارج الإطار الرسمي، مما يُتيح لها حيزاً من المرونة التكتيكية لا تتيحه القنوات الدبلوماسية الرسمية في أصعب الملفات.
الثقل الجغرافي والملاحي
يُمثّل التحكم في قناة السويس ورقةً دائمة الحضور في الحسابات الدولية، إذ يجعل أي قوة كبرى تُقدّر تكلفة التوتر مع القاهرة في ضوء تداعياته على شرايين التجارة العالمية.
القوة الإنسانية الناعمة
تجلّت في استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين والليبيين والسوريين وصل عددهم لأكثر من عشرة ملايين ونصف المليون لاجئ ومهاجر وأجنبي مقيم في مصر، بالإضافة إلي تقديم الدعم الإنساني عبر معبر رفح، مما يُعزز صورة مصر كدولة تضطلع بمسؤوليات إقليمية تتجاوز الحسابات الضيقة.
خامساً: مكاسب النهج الهادئ وصناعة الاستقرار
أثبت هذا الخيار الإستراتيجي نجاحه من خلال تحقيق مجموعة من النتائج الجوهرية:
- ترسيخ صورة مصر دولياً باعتبارها دولة مسؤولة وركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي.
- تعزيز الثقة الدولية في الدور المصري كوسيط نزيه وموثوق يمكن الاعتماد عليه في أصعب الأزمات.
- تقليل احتمالات انتقال الصراعات وبؤر التوتر إلى الداخل المصري، وحماية الأمن المجتمعي.
- حماية المصالح الاقتصادية الحيوية المرتبطة بالتجارة الدولية، وأمن الطاقة، والملاحة في قناة السويس.
سادساً: التحديات الإستراتيجية المعاصرة
رغم نجاحات هذا النهج، إلا أنه يواجه تحديات متزايدة تفرضها طبيعة البيئة الدولية المعاصرة:
فجوة الرواية وبيئة “البروباغندا” الرقمية
في عصر تتسابق فيه الروايات على الفضاء الرقمي، يبدو الصمت الدبلوماسي وكأنه غياب أو تراخٍ في نظر الرأي العام , وقد واجهت مصر انتقادات داخلية وعربية في قضايا بعينها كانت فيها الدبلوماسية الهادئة متقدمةً في العمل، لكنها غائبة في التأطير الإعلامي، مما أتاح للروايات المنافسة أن تملأ الفراغ.
تعقيد التعامل مع الفاعلين من دون دول
يفترض النهج المصري وجود طرف مقابل يعمل بمنطق الدولة ويُقدّر المصالح , غير أن الميليشيات والتنظيمات المسلحة لا تستجيب دائماً لهذا المنطق، مما يُحدث شرخاً في قدرة الدبلوماسية الصبورة على الإنجاز في بيئات كالساحل الأفريقي وأجزاء من اليمن وليبيا.
الاستنزاف المالي لدبلوماسية الاستضافة
تستلزم الدبلوماسية الهادئة باستمرار استضافة المؤتمرات، وتحمّل أعباء اللجوء وإدارة العبور الإنساني وهي أعباء ذات كلفة اقتصادية غير قليلة على دولة تمر بضغوط تنموية مزمنة.
ملف سد النهضة — الاختبار الوجودي
يُمثّل هذا الملف الامتحان الأصعب للدبلوماسية الهادئة المصرية، إذ مرّت أكثر من ثلاثة عشر عاماً على انطلاق مفاوضات شاقة لم تُفضِ حتى الآن إلى اتفاق ملزم, صحيح أن مصر تجنّبت الانزلاق إلى صراع عسكري في القرن الأفريقي شديد الهشاشة، لكن الثمن هو بقاء ملف المياه معلقاً دون ضمانات قانونية صارمة، وهو ما يثير جدلاً حقيقياً حول مدى فاعلية الصبر الدبلوماسي حين تكون القضية وجودية .
خاتمة
تكشف التجربة السياسية المصرية أن النفوذ الإقليمي الحقيقي لا يُقاس بحدة الخطاب، أو كثافة التصريحات، أو الضجيج الإعلامي؛ وإنما بقدرة الدولة على إدارة التوازنات، وحقن الدماء، وصناعة مساحات للحوار في بيئة شديدة الاضطراب.
إن الدبلوماسية الهادئة المصرية ليست مجرد خيار تكتيكي مؤقت، بل هي قدر وإستراتيجية دولة تمليها الجغرافيا ويفرضها التاريخ؛ دولة تدرك جيداً أن بناء الاستقرار وتفكيك الألغام السياسية بالصبر والرصانة هو أكثر فاعلية وأقل تكلفة من إدارة الحروب، وأن الوساطة المسؤولة هي في حد ذاتها أحد أهم مصادر القوة والنفوذ في النظامين الإقليمي والدولي.
حيث أن مصر قد نجحت في استعادة جزء كبير من ثقلها الإقليمي عبر توظيف موقعها الجغرافي، وقوتها العسكرية، وشبكة علاقاتها المتوازنة مع أطراف متنافسة، ما جعلها شريكًا لا يمكن تجاوزه في ملفات عديدة. ولذلك فأن مصر اليوم لا تقدم نفسها كـ “جائزة” يتنافس عليها أي قطب دولي، بل تفرض نفسها كـ “عنصر استقرار إقليمي لا غنى عنه”، وهو موقع جيو-سياسي يمنح الدولة المصرية أوراق ضغط ونفوذ قوية ومميزة في المنطقة
إقرأ المزيد :
جمعة حمد الله يكتب: الانقسامات الداخلية والسرديات الوطنية وسياسة إثيوبيا الخارجية .. منظور تحليلي




