أخبار عاجلةالرأي

الدكتور رمضان قرني يكتب : مصر وإريتريا .. شراكات استراتيجية وتنموية

تمثل العلاقات المصرية الإريترية نموذجًا للشراكات الاستراتيجية؛ حيت تتكامل أبعادها السياسية والاقتصادية والتنموية، وتنسيق المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية ( القرن الأفريقي – البحر الأخمر – السودان)، وهو أمر يضرب بجذوره في العلاقات الممتدة بين الجانبين منذ حقبة الستينيات واستضافة مصر لقادة الجبهة الوطنية لتحرير إريتريا، مرورًا بمرحلة الاستفتاء، وامتدادا لإعادة بناء الدولة الوليدة. 

ويمكن الجزم بأن العلاقات بين البلدين، خاصة منذ تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي الرئاسة المصرية عام 2014، شهدت ما يمكن أن نسميه بـ ” النقلة النوعية والاستراتيجية” في ضوء تطوير البلدين أطرًا جديدة ومجالات متنوعة لإدارة العلاقات بينهما على النحو التالي:

أولا: تكريس نمط ” دبلوماسية القمة”:

يعد الحراك الدبلوماسي بين القاهرة وأسمرا تكريسًا لنمط “الدبلوماسية الرئاسية”، بالنظر إلى جملة اعتبارات في هذا الإطار، من أهمها أن الرئيس عبدالفتاح السيسي، يعد أول رئيس مصري يزور إريتريا، كما تعد القاهرة محطة دائمة لزيارات الرئيس الإريتري الخارجية، حيث تكشف الاحصائيات عقد قادة البلدين نحو عشر قمم رئاسية منذ عام 2014، ساهمت في ترفيع مستوى العلاقات من مجرد تعاون ثنائي إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية”.

ثانيا: السعي إلى صياغة نظام أمني إقليمي في منطقة القرن الأفريقي:

سعت مصر ، بالتعاون مع الشركاء في منطقة القرن الأفريقي ( إريتريا والصومال وجيبوتي)، لصياغة نظام أمني بتلك المنطقة برتكز على احترام سيادة الدول ووحدة ترابها ، ويعلي من شأن قواعد القانون الدولي. وفي هذا السياق، تمثل قمة أسمرا، التي تم الدعوة إليها من قبل الرئيس إسياس أفورقى إلى رؤساء مصر والصومال في أكتوبر 2024، مرحلة مفصلية في صياغة نظام إقليمي وأمني لمنطقة القرن الأفريقي، بالنظر إلى مخرجاتها، حيث أكد الرؤساء الثلاثة على المبادئ التالية :

ضرورة الالتزام بالمبادئ والركائز الأساسية للقانون الدولى باعتبارها الأساس الذى لا غنى عنه للاستقرار والتعاون الإقليميين، خاصة الاحترام المطلق لسيادة واستقلال ووحدة أراضى بلدان المنطقة، والتصدى للتدخلات فى الشؤون الداخلية لدول المنطقة تحت أى ذريعة أو مُبرر، وتنسيق الجهود المشتركة لتحقيق الاستقرار الإقليمى، وخلق مناخ موات للتنمية المُشتركة والمُستدامة.

الاتفاق على تطوير وتعميق التعاون والتنسيق بين الدول الثلاث من أجل تعزيز إمكانات مؤسسات الدولة الصومالية لمواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية، 

تمكين الجيش الفيدرالى الصومالى الوطنى من التصدى للإرهاب بكافة صوره، وحماية حدوده البرية والبحرية، وصيانة وحدة أراضيه.

رحب البيان المشترك بالجهود التى تقوم بها كل من دولة إريتريا وجمهورية مصر العربية فى دعم الاستقرار فى الصومال الشقيق وتعزيز قدرات الحكومة الفيدرالية، والإشادة بعرض جمهورية مصر العربية المساهمة بقوات فى إطار جهود حفظ السلام فى الصومال.

الاتفاق على إنشاء لجنة ثلاثية مشتركة من وزراء خارجية إريتريا، ومصر، والصومال للتعاون الاستراتيجى فى كافة المجالات.

ثالثا: توافق الرؤى بين البلدين حول أمن البحر الأحمر والسودان:

يكشف تحليل بيانات القمم المصرية الإريترية، وكذلك اللقاءات الوزارية، على توافق البلدين على مبدأ “الحق الحصري” للدول المتشاطئة في المشاركة في أمن وحوكمة البحر الأحمر. وتبدو أهمية هذه القضية للأمن الإقليمي، لصد أي محاولات من أطراف خارج المنطقة لفرض صيغ أمنية تؤثر على استقرار وأمن البحر الأحمر، أو الانتقاص من سيادة بعض دوله، وخاصة الصومال بعد الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي.

وفي الإطار ذاته، يوجد توافق مصري إريتري حول ضرورة وقف الحرب في السودان ومعالجة الأزمات الإنسانية، كما ينسق الطرفان لدعم السيادة الوطنية السودانية، والحفاظ على وحدة الدولة الوطنية السودانية، ورفض أي كيانات موازية.

ثالثا: تعدد وتنوع الآليات التنمويـة:

بجانب الجهود السابقة على مختلف الصعد السياسية والاستراتيجية، سعت القاهرة وأسمرا إلى تعظيم العديد من الآليات الأمنية والتنموية ومن أبرزها:

التعاون المصري مع إريتريا في مجالات عمل الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في قطاعات: الدبلوماسية، والنقل، والاتصالات، والزراعة، ومكافحة الإرهاب، والسياحة، والري وإدارة المياه ، والكهرباء ومصادر الطاقة.

تقديم المنح الدراسية للطلاب الإرتريين في الأزهر الشريف، ومشاركة مسؤولين من إريتريا في برامج لبناء القدرات في شتى المجالات بما فيها الإدارة، والإعلام، وغيرها، إضافة إلى زيادة رحلات الطيران الأسبوعية بين البلدين.

توقيع البلدين في مايو الماضي اتفاقية تعاون في مجال النقل البحري لتعزيز الربط اللوجستي والتكامل الاقتصادي، بهدف زيادة حجم التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات المشتركة، 

سعي القاهرة إلى دعم مشاركة القطاع الخاص المصري في السوق الإريترية، خاصة في القطاعات ذات الأولوية، وعلى رأسها النقل، والتعدين، والصناعات الدوائية، والثروة السمكية، والبنية التحتية. 

 

اقرأ المزيد 

الدكتور حسين عبد البصير يكتب : العلاقات التجارية لمصر القديمة مع العالم الخارجي .. رؤية حضارية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى