السفير دكتور محمد حجازي يكتب : روبرت موجابي… من سجون روديسيا إلى استقلال زيمبابوي
في تاريخ التحرر الإفريقي، يظل اسم روبرت موجابي واحدًا من أكثر الأسماء ارتباطًا بالكفاح ضد الاستعمار الاستيطاني وحكم الأقلية البيضاء في الجنوب الإفريقي, ورغم الجدل الذي أحاط بسنوات حكمه الأخيرة، فإن مكانته في تاريخ التحرر الوطني تبقى مرتبطة بالدور الذي لعبه في قيادة شعب زيمبابوي نحو الاستقلال وإنهاء واحد من أكثر الأنظمة الاستعمارية تشددًا في القارة.
ولد روبرت موجابي Robert Mugabe عام 1924 في روديسيا الجنوبية، التي كانت تخضع لسيطرة الأقلية البيضاء المدعومة من بريطانيا , وقد نشأ في مجتمع يقوم على التمييز السياسي والاقتصادي بين المستوطنين الأوروبيين والأغلبية الإفريقية، الأمر الذي ترك أثرًا عميقًا في وعيه السياسي وشكل قناعته بضرورة إنهاء الحكم العنصري وتحقيق المساواة الوطنية.
تميز موجابي منذ شبابه بالاهتمام بالتعليم والفكر السياسي، وعمل مدرسًا قبل أن ينخرط في النشاط الوطني , ومع تصاعد حركات التحرر الإفريقية في الخمسينيات والستينيات، أصبح من أبرز القيادات المطالبة بإنهاء الحكم الاستعماري وإقامة دولة تقوم على حكم الأغلبية.
وعندما أعلن نظام إيان سميث عام 1965 الاستقلال الأحادي لروديسيا بهدف تكريس حكم الأقلية البيضاء وحرمان الأغلبية الإفريقية من حقوقها السياسية، دخلت البلاد مرحلة طويلة من الصراع , وفي تلك الأجواء اعتقلت السلطات الاستعمارية موجابي وقادة الحركة الوطنية، فقضى أكثر من عشر سنوات في السجن. غير أن سنوات الاعتقال لم تضعف عزيمته، بل زادت من مكانته بين أبناء شعبه الذين رأوا فيه رمزًا للمقاومة والصمود.
وخلال تلك المرحلة كانت القاهرة بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر تواصل دورها كعاصمة للنضال الإفريقي، حيث دعمت حركات التحرر الوطني في مختلف أنحاء القارة، وساهمت في حشد التأييد الدولي لقضايا الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو الحكم العنصري, وكانت قضية روديسيا من القضايا التي حظيت باهتمام خاص داخل منظمة الوحدة الإفريقية وحركة عدم الانحياز، اللتين لعبت مصر دورًا بارزًا في صياغة مواقفهما.
وبعد خروجه من السجن، انتقل موجابي إلى العمل من المنفى، وانضم إلى قادة الكفاح الوطني الذين اتخذوا من زامبيا وموزمبيق وتنزانيا قواعد لنشاطهم السياسي والعسكري, وهناك تعاون مع قادة التحرر الإفريقي، وفي مقدمتهم كينيث كاوندا وجوليوس نيريري وسامورا ماشيل، الذين وفروا الدعم لحركات التحرير في الجنوب الإفريقي.
وخلال السبعينيات تصاعدت حرب التحرير ضد نظام إيان سميث، وأصبحت القضية الروديسية محورًا رئيسيًا في الجهود الإفريقية والدولية الرامية إلى إنهاء الحكم العنصري, ومع تزايد الضغوط العسكرية والسياسية، دخلت الأطراف المتنازعة في مفاوضات أسفرت عن اتفاق لانكستر هاوس عام 1979، الذي مهد الطريق لإجراء انتخابات عامة وقيام دولة مستقلة.
وفي الثامن عشر من أبريل 1980 ولدّت جمهورية زيمبابوي المستقلة، وتولى روبرت موجابي رئاسة الحكومة في مشهد اعتبره كثيرون انتصارًا تاريخيًا لحركات التحرر الإفريقية , وقد شارك في احتفالات الاستقلال عدد كبير من قادة القارة والعالم، الذين رأوا في استقلال زيمبابوي خطوة مهمة نحو إنهاء آخر معاقل الاستعمار الاستيطاني في إفريقيا.
وخلال السنوات الأولى للاستقلال، ركز موجابي على توسيع فرص التعليم والرعاية الصحية وتعزيز مشاركة الأغلبية الإفريقية في الحياة الاقتصادية, وحققت البلاد تقدمًا ملحوظًا في مجالات التعليم ومحو الأمية والخدمات الاجتماعية، مما جعل التجربة الزيمبابوية تحظى بإشادة واسعة في بداياتها.
كما استمرت زيمبابوي في دعم حركات التحرر في المنطقة، خاصة نضال شعب ناميبيا ضد الاحتلال الجنوب إفريقي وكفاح المؤتمر الوطني الإفريقي بقيادة نيلسون مانديلا ضد نظام الفصل العنصري, وبهذا أصبحت هراري إحدى العواصم الداعمة لقضايا التحرر الإفريقي خلال الثمانينيات.
غير أن مسيرة موجابي السياسية شهدت لاحقًا تحديات وأزمات اقتصادية وسياسية عميقة أثارت جدلًا واسعًا داخل زيمبابوي وخارجها, ومع ذلك، فإن تقييم تجربته التاريخية يتطلب التمييز بين دوره كقائد للتحرير الوطني وبين الجدل المرتبط بمراحل الحكم اللاحقة.
ففي ذاكرة التحرر الإفريقي، يبقى موجابي أحد أبناء الجيل الذي واجه الاستعمار الاستيطاني وانتزع حق شعبه في تقرير مصيره. وقد شكلت تجربته جزءًا من المسار التاريخي الذي بدأ في أكرا والقاهرة ودار السلام ولوساكا وأديس أبابا، وانتهى بتحرير معظم أرجاء القارة من السيطرة الاستعمارية والعنصرية.
وعندما رحل عام 2019، انقسمت الآراء حول إرثه السياسي، لكن أحد الأمور بقي محل اتفاق واسع: أن روبرت موجابي كان أحد أبرز وجوه الكفاح الوطني في الجنوب الإفريقي، وأن اسمه سيظل مرتبطًا بالمرحلة التي انتقلت فيها زيمبابوي من حكم الأقلية البيضاء إلى الاستقلال الوطني.
لقد جسد موجابي قصة جيل كامل من الأفارقة الذين آمنوا بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وأن الاستقلال يستحق التضحيات مهما طال الطريق, ولهذا بقي جزءًا من سجل القادة الذين ساهموا في استكمال مسيرة تحرير إفريقيا خلال القرن العشرين، وهي المسيرة التي كانت القاهرة إحدى أهم عواصمها ومنابرها السياسية والدبلوماسية .


إقرأ المزيد :
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : هيلا سيلاسي… الإمبراطور الذي هزم الاحتلال وصادق عبد الناصر ” 17 ”




