السفير دكتور محمد حجازي يكتب : أزمة الكونغو وصدام الاستقلال مع الحرب الباردة .. باتريس لومومبا… شهيد الاستقلال الإفريقي ” 8 “

كان الأول من يوليو 1960 إيذانًا بميلاد دولة جديدة في قلب إفريقيا، هي جمهورية الكونغو المستقلة، بعد عقود طويلة من الاستعمار البلجيكي الذي ترك وراءه دولة شاسعة المساحة، غنية بالموارد، لكنها تفتقر إلى المؤسسات الوطنية القادرة على إدارة مرحلة ما بعد الاستقلال , وفي قلب هذه اللحظة التاريخية برز اسم الزعيم الوطني الشاب باتريس لومومبا Patrice Lumumba الذي أصبح رمزًا للكفاح الإفريقي ضد الاستعمار والتبعية الخارجية.
لم يكن لومومبا مجرد أول رئيس وزراء للكونغو المستقلة، بل كان يمثل جيلًا إفريقيًا جديدًا يؤمن بالسيادة الوطنية الكاملة والتحرر من الهيمنة الأجنبية, وقد أثار خطابه الشهير خلال احتفالات الاستقلال، والذي انتقد فيه ممارسات الاستعمار البلجيكي أمام الملك البلجيكي، صدمة واسعة في العواصم الغربية، إذ عبّر عن تطلعات الشعوب الإفريقية إلى الحرية والكرامة والاستقلال الحقيقي.
لكن استقلال الكونغو جاء في ذروة الحرب الباردة، فتحولت الدولة الوليدة سريعًا إلى ساحة تنافس بين القوى الدولية. فقد شهد إقليم كاتانغا الغني بالمعادن حركة انفصالية مدعومة من مصالح أجنبية، بينما دخلت الأمم المتحدة والقوى الكبرى على خط الأزمة، وتعرضت حكومة لومومبا لضغوط هائلة انتهت بإقصائه عن السلطة واعتقاله ثم اغتياله في يناير 1961، في واحدة من أكثر الحوادث إثارة للجدل في تاريخ إفريقيا المعاصر.
شكل اغتيال لومومبا نقطة تحول كبرى في الوعي الإفريقي؛ إذ تحول إلى رمز للشهادة الوطنية ومقاومة التدخل الخارجي. وأصبح اسمه مرتبطًا بالنضال من أجل الاستقلال والوحدة الإفريقية، شأنه شأن رموز التحرر الكبار في القارة.
وقد تابعت مصر بقيادة جمال عبد الناصر Gamal Abdel Nasser تطورات الأزمة الكونغولية باهتمام بالغ، انطلاقًا من التزامها بدعم حركات التحرر الوطني في إفريقيا, وساندت القاهرة حق الشعب الكونغولي في الحفاظ على وحدته وسيادته، كما برز الدور المصري داخل الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز دفاعًا عن استقلال الدول الإفريقية الناشئة ورفض التدخلات الخارجية في شؤونها.
تكشف تجربة لومومبا عن التحديات التي واجهتها الدول الإفريقية بعد الاستقلال؛ فالصراع لم يكن فقط ضد الاستعمار، بل امتد إلى معركة بناء الدولة الوطنية والحفاظ على القرار السيادي في ظل الاستقطاب الدولي. ولذلك بقي لومومبا حاضرًا في الذاكرة الإفريقية بوصفه أحد الآباء المؤسسين للاستقلال السياسي للقارة ورمزًا للتضحية في سبيل الحرية.
ولد لومومبا في الكونغو البلجيكية تحت وطأة نظام استعماري شديد القسوة، وشهد مبكرًا التناقض بين ثراء بلاده الهائل وفقر شعبها, ومع تصاعد المد التحرري في إفريقيا خلال خمسينيات القرن الماضي، انخرط في العمل الوطني وأصبح الصوت الأكثر تعبيرًا عن مطلب الاستقلال الكامل والسيادة الوطنية الحقيقية. وعندما نالت الكونغو استقلالها عام 1960، تولى رئاسة الوزراء ليصبح وجهًا لإفريقيا الجديدة التي كانت تتطلع إلى التحرر من الاستعمار ومن الهيمنة الخارجية في آن واحد.
لكن الكونغو الوليدة وقعت في قلب صراع دولي محتدم. فقد تزامن استقلالها مع ذروة الحرب الباردة، ومع التنافس على ثرواتها المعدنية الهائلة وموقعها الاستراتيجي في قلب القارة. وعندما ألقى لومومبا خطابه التاريخي في احتفال الاستقلال منتقدًا الممارسات الاستعمارية البلجيكية، أدركت قوى كثيرة أن الرجل لا ينوي الاكتفاء باستقلال شكلي، بل يسعى إلى بناء دولة مستقلة القرار والإرادة
وقد نظر الزعيم جمال عبد الناصر إلى ما يحدث في الكونغو باعتباره جزءًا من معركتة ألأوسع من أجل استقلال إفريقيا ووحدتها. لذلك دعمت مصر سياسيًا ودبلوماسيًا حق الكونغو في الحفاظ على وحدتها الوطنية، ووقفت إلى جانب القوى الوطنية الرافضة للانفصال والتدخلات الخارجية.
انتهت المؤامرات الدولية والمحلية ضد لومومبا باعتقاله ثم اغتياله في يناير 1961 في ظروف أصبحت لاحقًا إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ القارة. غير أن استهداف الزعيم الكونغولي لم يتوقف عند شخصه، بل امتد إلى أسرته التي أصبحت عرضة للملاحقة والضغوط في ظل حالة الاضطراب التي أعقبت اغتياله.
وهنا برز جانب إنساني وسياسي مهم من الدور المصري. فقد تحركت القاهرة، بتوجيه مباشر من الرئيس جمال عبد الناصر، لتوفير الحماية لعدد من أفراد أسرة لومومبا ومساعدتهم على الخروج من الأوضاع الخطرة التي واجهوها بعد اغتياله. واستقبلت مصر أفرادًا من الأسرة وقدمت لهم الرعاية والدعم، في خطوة عكست ليس فقط وفاءً شخصيًا لزعيم إفريقي سقط دفاعًا عن استقلال بلاده، بل التزامًا مصريًا أوسع تجاه رموز التحرر الإفريقي وقضايا القارة.
لقد أدرك عبد الناصر أن اغتيال لومومبا لم يكن حادثًا محليًا يخص الكونغو وحدها، بل كان رسالة موجهة إلى كل الحركات الوطنية الإفريقية الساعية إلى الاستقلال الحقيقي. ومن هنا جاءت رعايته لأسرته باعتبارها جزءًا من الدفاع عن الذاكرة الوطنية الإفريقية وعن حق الشعوب في تكريم قادتها وعدم السماح بطمس إرثهم.
وبمرور الزمن تحول لومومبا إلى رمز خالد. فالرجل الذي أُريد له أن يختفي من المشهد السياسي أصبح أيقونة للتحرر الوطني الإفريقي. وأصبح اسمه يُستدعى كلما جرى الحديث عن السيادة والاستقلال ومقاومة التدخلات الخارجية. أما أسرته التي نجت من محاولات التهميش والتهديد، فقد بقيت شاهدة على مرحلة تاريخية لعبت فيها مصر دورًا يتجاوز حدود التضامن السياسي إلى المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تجاه أبناء القارة.
واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود على رحيله، لا يزال باتريس لومومبا حاضرًا في الوعي الإفريقي باعتباره شهيد الاستقلال الحقيقي، كما يبقى الموقف المصري بقيادة جمال عبد الناصر أحد النماذج البارزة للتضامن الإفريقي في زمن كانت فيه معارك الحرية والسيادة تُخاض على امتداد القارة من المحيط إلى المحيط.
لقد اغتيل لومومبا جسدًا، لكن الفكرة التي حملها بقيت حية. وبقيت قصة إنقاذ أسرته شاهدًا على أن الروابط التي جمعت رواد التحرر الإفريقي لم تكن مجرد تحالفات سياسية عابرة، بل كانت تعبيرًا عن إيمان مشترك بمصير إفريقي واحد، وبحق شعوب القارة في الحرية والكرامة والاستقلال.
صورة تتحدى الزمن
واختتم الحديث عن لومومبا بمشهد مؤثر وتاريخي ففي مدرجات كأس الأمم الإفريقية الأخيرة بالمغرب ، وبين آلاف المشجعين الذين يهتفون ويرقصون ويحتفلون، وقف رجل كونغولي وحيدًا بلا حراك طوال المباراة. لم يكن يؤدي عرضًا رياضيًا أو يسعى إلى الشهرة، بل كان يستحضر ذاكرة وطن.
إنه ميشيل كوكا مبولادينغا، المعروف بين الجماهير باسم “لومومبا”، الذي وقف طوال المباراة متقمصًا هيئة الزعيم الكونغولي الراحل باتريس لومومبا، رافعًا ذراعه اليمنى في الوضعية نفسها التي يجسدها تمثال لومومبا في كينشاسا. وقد تحول إلى أحد أبرز مشاهد بطولة الأمم الإفريقية، وأصبح رمزًا لاستمرار حضور لومومبا في وجدان الشعب الكونغولي.
لم تكن الرسالة موجهة إلى لاعبي المنتخب وحدهم، بل إلى إفريقيا كلها: أن الرجل الذي اغتيل عام 1961 ما زال حيًا في ذاكرة شعبه. فبعد أكثر من ستة عقود على رحيله، لم يعد لومومبا مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل أصبح جزءًا من الهوية الوطنية الكونغولية ورمزًا دائمًا للاستقلال والسيادة والكرامة الإفريقية.
ولعل في هذه الصورة ما يلخص قصة لومومبا كلها؛ فقد أراد خصومه أن يختفي أثره من التاريخ، فإذا به يعود من مدرجات كرة القدم، ومن وجدان الأجيال الجديدة، ومن ذاكرة أمة كاملة ترفض أن تنسى أحد أعظم شهدائها، وجميل ان يعبر ابناء الشعب عن انتماءهم وعرفانهم للمخلصين من قادتهم، والجميل ان توجة حكومة الجزائر بعد البطولة الافريقية، ل ميشيل كوكا مبولادينغا، لزيارة الجزائر وتكريمة، بالفعل .. كثير من المعاني والرمزيات يمكن استخلاصها من قصص النضال الكونغولي حيث تتذكر الشعوب من اخلص لها فتكرمهم مهما طال الزمن.




إقرأ المزيد :
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جنوب أفريقيا والقاهرة… مناهضة الفصل العنصري وبناء التضامن الدولي



