السفير دكتور محمد حجازي يكتب : القاهرة عاصمة التحرر الإفريقي… كيف جعل جمال عبد الناصر من مصر شريكًا في استقلال القارة؟
يصعب فهم السياسة الخارجية المصرية في عهد جمال عبد الناصر دون إدراك المكانة التي احتلتها إفريقيا في رؤيته الاستراتيجية , فقد نظر عبد الناصر إلى القارة السمراء باعتبارها الامتداد الطبيعي للأمن القومي المصري، ومصدرًا رئيسيًا لعمقها الحضاري والجغرافي، ومجالًا حيويًا لا يمكن أن يبقى خاضعًا للاستعمار إذا أرادت مصر أن تحافظ على استقلالها ودورها.
ولذلك لم يكن اهتمامه بإفريقيا مجرد تعاطف مع شعوب تناضل من أجل الحرية، بل كان جزءًا من مشروع متكامل يقوم على الربط بين تحرير الإرادة المصرية وتحرير القارة الإفريقية, وكان يدرك أن بقاء الاستعمار في دول حوض النيل أو شرق إفريقيا أو القرن الإفريقي يعني استمرار التهديد المباشر للمصالح المصرية، وفي مقدمتها أمن نهر النيل والبحر الأحمر وقناة السويس.
ومنذ السنوات الأولى بعد الثورة، بدأت القاهرة في بناء سياسة إفريقية غير مسبوقة, فقد أنشأت وزارة الخارجية وحدات متخصصة للشؤون الإفريقية، وجرى توسيع شبكة البعثات الدبلوماسية المصرية في القارة، وأُرسلت الوفود التعليمية والطبية والزراعية إلى عدد من الدول والأقاليم التي كانت تستعد للاستقلال, كما فُتحت الجامعات والمعاهد المصرية أمام آلاف الطلاب الأفارقة، الذين عاد كثير منهم لاحقًا ليصبحوا وزراء وسفراء وقادة في دولهم المستقلة.
وفي الوقت نفسه، أصبحت إذاعة «صوت العرب»، إلى جانب الإذاعات الموجهة باللغات الإفريقية، منبرًا يوميًا لقضايا التحرر الوطني، فنقلت أخبار الكفاح ضد الاستعمار، وأوصلت صوت الحركات الوطنية إلى شعوبها وإلى الرأي العام العالمي, ولم تكن القاهرة تكتفي بالدعم الإعلامي، بل قدمت التدريب السياسي والدبلوماسي والعسكري، ووفرت المنح الدراسية، واستقبلت ممثلي الحركات الوطنية في مؤسساتها الرسمية والشعبية.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تتحول القاهرة في أواخر الخمسينيات والستينيات إلى العاصمة غير الرسمية لحركات التحرر الإفريقية, ففيها التقى قادة القارة، وعقدوا اجتماعاتهم، وصاغوا رؤاهم لمستقبل إفريقيا المستقلة, ومن بين هؤلاء كوامي نكروما في غانا، وأحمد سيكو توري في غينيا، وجوليوس نيريري في تنزانيا، وأحمد بن بلة في الجزائر، وأميلكار كابرال في غينيا بيساو والرأس الأخضر، وأغوستينو نيتو في أنغولا، وسامورا ماشيل في موزمبيق، وأوليفر تامبو ووالتر سيسولو وكريس هاني من جنوب إفريقيا، وجوشوا نكومو وروبرت موغابي من زيمبابوي، وسام نجوما من ناميبيا، وغيرهم من قادة التحرر الذين وجدوا في القاهرة سندًا سياسيًا ومعنويًا.
وكانت العلاقة بين جمال عبد الناصر والرئيس الغاني كوامي نكروما نموذجًا لفكرة التضامن الإفريقي , فقد آمن الرجلان بأن استقلال الدول لا يكتمل إلا بوحدة القارة وتعاونها، وبأن الاستعمار سيحاول العودة بأشكال جديدة إذا بقيت الدول الإفريقية متفرقة. ومن هنا جاء دعمهما لإنشاء إطار مؤسسي يجمع الدول المستقلة حديثًا.
وفي مايو 1963، احتضنت أديس أبابا القمة التاريخية التي أُعلن خلالها قيام منظمة الوحدة الإفريقية، وكان جمال عبد الناصر أحد أبرز مهندسيها، إلى جانب الإمبراطور هيلا سيلاسي، وكوامي نكروما، وأحمد سيكو توري، وجوليوس نيريري، وأحمد بن بلة، وغيرهم من الآباء المؤسسين, وأسهمت المنظمة في ترسيخ مبدأ احترام سيادة الدول، ودعم حركات التحرر التي كانت لا تزال تقاوم الاستعمار والتمييز العنصري.
ولم يقتصر الدور المصري على الدبلوماسية، بل امتد إلى المساندة العملية, فقد شارك خبراء مصريون في إنشاء مؤسسات تعليمية وصحية وإدارية في عدد من الدول الإفريقية، وأسهمت البعثات الطبية المصرية في تقديم الخدمات في مناطق نائية، كما شارك متخصصون مصريون في مجالات الزراعة والري والجيولوجيا والتخطيط العمراني، وهو ما جعل الحضور المصري في إفريقيا يرتبط بالتنمية بقدر ارتباطه بالسياسة.
وفي الجنوب الإفريقي، وقفت مصر بقوة إلى جانب نضال شعوب جنوب إفريقيا وناميبيا وزيمبابوي ضد نظام الفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني. وقدمت الدعم السياسي لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، واستقبلت قياداته، وظلت القضية الجنوب إفريقية حاضرة في المحافل الدولية التي شاركت فيها القاهرة، حتى أصبحت مصر من أوائل الدول التي ربطت بين التحرر الوطني ورفض التمييز العنصري بوصفهما وجهين لمعركة واحدة.
كما أولى عبد الناصر أهمية خاصة لدول حوض النيل، إدراكًا للعلاقة الوثيقة بين أمن مصر المائي واستقرار محيطها الإفريقي, ولذلك حرص على بناء علاقات تعاون مع السودان وأوغندا وكينيا وتنزانيا وإثيوبيا وغيرها، تقوم على الحوار والتنمية والمصالح المشتركة، مع التأكيد الدائم على أن نهر النيل يجب أن يكون عامل تعاون لا سببًا للصراع.
وقد أدرك قادة إفريقيا قيمة هذا الدور، فحظي عبد الناصر بمكانة استثنائية في وجدان كثير من شعوب القارة, ولم يكن يُنظر إليه باعتباره رئيسًا لمصر فحسب، بل بوصفه قائدًا إفريقيًا شارك في معركة التحرر، ووضع إمكانات بلاده في خدمة استقلال الآخرين، في مرحلة كانت معظم القوى الكبرى تنظر إلى إفريقيا باعتبارها ساحة للصراع والنفوذ.
واليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود على ثورة يوليو، ما زالت آثار تلك السياسة حاضرة في الذاكرة الإفريقية, فالعلاقات التاريخية التي نسجتها القاهرة مع قادة التحرر تحولت إلى رصيد استراتيجي ما زالت مصر تستند إليه في علاقاتها بالقارة، كما أن كثيرًا من المؤسسات الإفريقية التي نشأت في تلك المرحلة لا تزال تحمل بصمات الفكر الذي آمن بأن استقلال إفريقيا لن يكتمل إلا بالتضامن بين دولها، وبوجود شراكة حقيقية بين القاهرة والعواصم الإفريقية.
لقد لم يكن جمال عبد الناصر داعمًا لحركات التحرر من بعيد، بل كان شريكًا في صناعة لحظة الاستقلال الإفريقي , ومن هنا استحقت القاهرة، في تلك الحقبة، أن تُوصف بحق بأنها عاصمة التحرر الإفريقي، وأن يصبح اسمها حاضرًا في ذاكرة القارة كلما استُحضرت سنوات الكفاح من أجل الحرية والاستقلال .



طالع المزيد :




