السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جمال عبد الناصر… قائد ثورة أعادت بناء مصر وصنعت عصر التحرر العربي والإفريقي
الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو
هناك قادة يصنعون أحداثًا كبرى، وهناك قادة يصنعون عصورًا كاملة, وإذا كانت ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 تمثل نقطة التحول الأبرز في تاريخ مصر الحديث، فإن جمال عبد الناصر كان الشخصية التي ارتبط اسمها بتحول تجاوز حدود الدولة المصرية ليعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط وإفريقيا والعالم النامي, فلم يكن قائدًا لثورة أنهت النظام الملكي وأعلنت الجمهورية فحسب، بل أصبح أحد أبرز صناع مرحلة تاريخية شهدت انهيار الإمبراطوريات الاستعمارية، وصعود حركات التحرر الوطني، وظهور دول مستقلة تبحث عن مكانها في النظام الدولي الجديد.
وبعد أربعة وسبعين عامًا على انطلاق الثورة، ما زال الجدل قائمًا حول تجربة يوليو وسياسات عبد الناصر، وهو أمر طبيعي بالنسبة لكل التجارب التاريخية الكبرى , غير أن ما لا يختلف عليه كثير من المؤرخين هو أن تلك المرحلة غيّرت وجه مصر بصورة جذرية، ورسخت استقلال قرارها الوطني، وأعادت تعريف دورها العربي والإفريقي، وجعلت القاهرة واحدة من أكثر العواصم تأثيرًا في العالم خلال عقدي الخمسينيات والستينيات.
لم تولد ثورة يوليو من فراغ، بل جاءت استجابة لأزمة وطنية عميقة , فقد كانت مصر، رغم حصولها على استقلال شكلي عام 1922، لا تزال خاضعة لنفوذ بريطاني واسع. وكانت القوات البريطانية تتمركز في منطقة قناة السويس، بينما ظل القرار السياسي والأمني المصري مقيدًا بتوازنات فرضها الاحتلال , وفي الداخل، كانت الحياة الحزبية تعاني من أزمات متكررة، واتسعت الفجوة بين طبقة محدودة تملك معظم الأراضي الزراعية، وغالبية من الفلاحين والعمال الذين تحملوا أعباء الفقر والحرمان.
ثم جاءت حرب فلسطين عام 1948 لتكشف حجم الخلل الذي أصاب مؤسسات الدولة , فقد عاد ضباط الجيش المصري من ميادين القتال وهم يحملون أسئلة مؤلمة حول أسباب الهزيمة، وحول العلاقة بين ضعف الأداء العسكري واختلال النظام السياسي , وكان من بين هؤلاء الضباط شاب في الثلاثين من عمره يدعى جمال عبد الناصر، خرج من الحرب بقناعة راسخة أن معركة تحرير فلسطين تبدأ أولًا بتحرير الإرادة المصرية، وأن بناء جيش قادر على الدفاع عن الوطن لا يمكن أن يتحقق دون بناء دولة حديثة تمتلك قرارها السياسي والاقتصادي.
من هنا بدأت تتبلور فكرة تنظيم الضباط الأحرار، الذي ضم مجموعة من الضباط الشباب المؤمنين بأن الإصلاح لم يعد ممكنًا من داخل النظام القائم، وأن التغيير أصبح ضرورة وطنية , ولم يكن هدفهم مجرد إسقاط الملكية، بل إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تحقق الاستقلال والعدالة الاجتماعية والتنمية.
وفي فجر الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 تحرك الضباط الأحرار، وسيطروا على المراكز العسكرية الحيوية، وأذاع البكباشي محمد أنور السادات البيان الأول للثورة، معلنًا أن القوات المسلحة تحركت لإنقاذ الوطن من الفساد. وخلال أيام قليلة تنازل الملك فاروق عن العرش وغادر مصر، لتبدأ صفحة جديدة في تاريخ البلاد انتهت بإعلان الجمهورية في يونيو 1953.
لكن نجاح الثورة الحقيقي لم يكن في تغيير رأس النظام، وإنما في قدرتها على تحويل الدولة المصرية من دولة شبه تابعة إلى دولة مستقلة القرار , فقد وضعت القيادة الجديدة قضية السيادة الوطنية في مقدمة أولوياتها، وبدأت مفاوضات شاقة مع بريطانيا انتهت بتوقيع اتفاقية الجلاء عام 1954، التي نصت على انسحاب القوات البريطانية من منطقة قناة السويس، منهيةً وجودًا عسكريًا استمر أكثر من سبعين عامًا.
كان الجلاء أكثر من مجرد اتفاق سياسي؛ لقد كان إعلانًا بأن مصر استعادت قرارها الوطني، وأن الثورة نجحت في تحقيق أحد أهم أهداف الحركة الوطنية منذ ثورة 1919 , ولم تمض سوى عامين حتى جاء القرار الذي غيّر مكانة مصر الدولية إلى الأبد، عندما أعلن جمال عبد الناصر في السادس والعشرين من يوليو 1956 تأميم الشركة العالمية لقناة السويس، في خطاب أصبح أحد أشهر الخطب السياسية في القرن العشرين.
كان التأميم قرارًا سياديًا واستراتيجيًا، هدفه تمويل مشروع السد العالي بعد سحب الولايات المتحدة وبريطانيا والبنك الدولي عروض التمويل. لكنه حمل أيضًا رسالة سياسية واضحة مفادها أن مصر لن تقبل أن تبقى مواردها الاستراتيجية خاضعة لسيطرة أجنبية , وقد جاء الرد سريعًا بالعدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي، الذي استهدف إسقاط النظام الجديد واستعادة السيطرة على القناة.
غير أن صمود الشعب المصري، ومقاومة القوات المسلحة، والضغوط الدولية، خاصة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أجبرت قوات العدوان على الانسحاب، لتخرج مصر من الأزمة أكثر قوة وتأثيرًا , ومنذ تلك اللحظة، لم يعد جمال عبد الناصر قائدًا مصريًا فقط، بل أصبح رمزًا عالميًا لمقاومة الاستعمار، ونموذجًا ألهم عشرات الشعوب التي كانت تخوض معاركها من أجل الاستقلال.
وقد أدركت حركات التحرر في إفريقيا أن ما جرى في السويس لم يكن انتصارًا لمصر وحدها، بل انتصارًا لفكرة الاستقلال الوطني ذاتها. وتحولت القاهرة إلى قبلة لزعماء القارة، ومركز للتنسيق السياسي، والتدريب، والإعلام، والدعم الدبلوماسي, ولم يكن من قبيل المصادفة أن يصف كثير من قادة التحرر الإفريقي القاهرة بأنها “عاصمة الثورة الإفريقية”، لأنها احتضنت قضاياهم، ووفرت لهم المنبر السياسي والدعم العملي في أصعب مراحل كفاحهم.
ومن هنا بدأ الدور المصري يتجاوز الإطار العربي، ليتحول إلى مشروع إفريقي واسع النطاق، كان جمال عبد الناصر أحد أبرز مهندسيه، واضعًا أسس سياسة خارجية ربطت بين أمن مصر القومي، واستقلال القارة الإفريقية، وحق شعوبها في تقرير مصيرها. وهو الدور الذي سيجعل من القاهرة، خلال عقد الستينيات، واحدة من أهم العواصم السياسية في العالم النامي، وشريكًا رئيسيًا في صناعة إفريقيا المستقلة .



إقرأ المزيد :
إدارة الإعلام بمفوضية الاتحاد الأفريقي تشيد بسلسلة «القاهرة عاصمة النضال الأفريقي»




