السفير دكتور محمد حجازي يكتب : عبد الناصر و كوامي نكروما… من الاستقلال الوطني إلى حلم الوحدة القارية (2)

لم تكن العلاقة التي جمعت بين القاهرة وأكرا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مجرد تنسيق سياسي عابر بين دولتين نالتا استقلالهما حديثًا، بل كانت شراكة فكرية واستراتيجية أسهمت في بلورة مشروع تحرري أفريقي واسع. وفي قلب هذه الشراكة، تلاقت رؤية جمال عبد الناصر مع طموح كوامي نكروما لتأسيس أفريقيا مستقلة الإرادة، موحّدة الصوت، وقادرة على حماية سيادتها في عالم يتشكّل من جديد بعد الحرب العالمية الثانية.
منذ استقلال غانا عام 1957، أدرك نكروما أن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون تحرر اقتصادي وثقافي، وأن القارة ستظل عرضة لإعادة الهيمنة إذا بقيت مجزأة. وفي القاهرة، وجد شريكًا يشاركه القناعة ذاتها. فقد كانت مصر، الخارجة من معركة الجلاء وتأميم قناة السويس، ترى في أفريقيا عمقها الطبيعي، وفي التضامن القاري ركيزة لأمنها القومي ودورها الدولي.
تجلّت هذه الرؤية المشتركة في لقاءات متكررة ومشاورات مكثفة، جعلت من القاهرة منصة تنسيق دائمة لقادة التحرر الأفريقي. لم تكن العلاقة بين عبد الناصر ونكروما علاقة زعيمين فحسب، بل حوارًا بين مدرستين تحرريتين: مدرسة القومية العربية المتحررة من الاستعمار، ومدرسة القومية الأفريقية الساعية إلى تجاوز إرث التقسيم الاستعماري. ومن هذا الحوار، تبلورت فكرة أن معركة التحرر واحدة، وأن أدواتها يجب أن تكون سياسية ودبلوماسية وإعلامية وتنظيمية في آن.
دعمت مصر غانا في معاركها الدبلوماسية، ووفّرت القاهرة منصات إعلامية لإيصال الصوت الأفريقي إلى العالم، وفي مقدمتها إذاعة “صوت أفريقيا”, كما فتحت أبوابها لقيادات حركات التحرر، ووفّرت مساحات للتنسيق والتخطيط، كانت بعضُها في عناوين صارت لاحقًا شواهد على التاريخ. وفي المقابل، لعب نكروما دورًا محوريًا في الدفع نحو فكرة الوحدة الأفريقية، مستندًا إلى شبكة علاقات تشكّلت في القاهرة، وإلى دعم سياسي ومعنوي مصري واضح.
بلغ هذا التعاون ذروته مع الجهود التي سبقت تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963. فقد شكّلت القاهرة وأكرا، إلى جانب عواصم أفريقية أخرى، نواة صلبة دفعت باتجاه تحويل التضامن إلى مؤسسة. ورغم اختلاف الرؤى لاحقًا بين دعاة الوحدة الفورية وأنصار التدرّج، ظل الدور المصري–الغاني عنصر توازن أساسي حافظ على جوهر المشروع القاري.
لم تكن هذه الشراكة بمنأى عن الضغوط الدولية. فالقوى الاستعمارية السابقة، والقوى الكبرى في ظل الحرب الباردة، نظرت بقلق إلى تقارب القاهرة وأكرا، ورأت فيه تهديدًا مباشرًا لمصالحها في أفريقيا. لكن عبد الناصر ونكروما أدركا أن ثمن الاستقلال الحقيقي هو تحمّل الضغوط، وأن بناء موقف أفريقي مستقل يتطلب شجاعة سياسية وقدرة على الصمود.
اليوم، تبدو استعادة سيرة هذه العلاقة ضرورة سياسية وثقافية، لا مجرد توثيق تاريخي. ففي وقت تتجدد فيه المنافسة الدولية على أفريقيا، وتُطرح فيه أسئلة السيادة والتنمية والاستقلال الاقتصادي، يقدّم نموذج عبد الناصر ونكروما درسًا بالغ الدلالة: أن الشراكات القارية الصادقة، القائمة على الاحترام والمصير المشترك، قادرة على تحويل الجغرافيا إلى قوة، والتاريخ إلى رصيد للمستقبل.


- السفير دكتور محمد حجازي .. مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية .
إقرأ المزيد :
الجمعية الأفريقية: ٥ شارع أحمد حشمت – الزمالك .. عندما كانت القاهرة مقرًّا لحركات التحرر الأفريقية




