الجمعية الأفريقية: ٥ شارع أحمد حشمت – الزمالك .. عندما كانت القاهرة مقرًّا لحركات التحرر الأفريقية

في تاريخ النضال الأفريقي ضد الاستعمار، هناك عواصم لعبت أدوارًا سياسية، وأخرى قدمت دعمًا دبلوماسيًا، لكن القليل منها تحوّل إلى مقر فعلي لحركات التحرر الوطني, وكانت القاهرة، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، في طليعة هذه العواصم، لا باعتبارها دولة مستقلة حديثًا فحسب، بل بوصفها مركزًا جامعًا لحركات الكفاح الأفريقية، وملاذًا سياسيًا وتنظيميًا لقادتها , وفي قلب هذا الدور، يبرز عنوان شديد الدلالة: ٥ شارع أحمد حشمت – الزمالك.
لم يكن هذا العنوان مجرد مبنى سكني في أحد أحياء القاهرة الراقية، بل تحوّل، في لحظة تاريخية فارقة، إلى غرفة عمليات سياسية أفريقية، وملتقى لقادة ومناضلي حركات التحرر من مختلف أنحاء القارة. من هذا المكان، كانت تُدار النقاشات، وتُنسّق المواقف، وتُصاغ الرؤى حول مستقبل أفريقيا بعد الاستعمار، في زمن كانت فيه أغلب العواصم الأفريقية لا تزال خاضعة للحكم الأجنبي.
جاء هذا الدور في سياق رؤية مصرية واضحة تشكّلت بعد ثورة يوليو 1952، وتبلورت مع قيادة جمال عبد الناصر، التي ربطت بين الأمن القومي المصري والتحرر الأفريقي. فقد أدركت القاهرة مبكرًا أن معركة الاستقلال لا تُخاض داخل الحدود فقط، وأن أفريقيا تمثل العمق الاستراتيجي الطبيعي لمصر، سياسيًا وأمنيًا وحضاريًا. ومن هنا، لم يكن احتضان حركات التحرر خيارًا تكتيكيًا، بل جزءًا من عقيدة سياسية كاملة.
في ٥ شارع أحمد حشمت، اجتمع مناضلون من غرب أفريقيا وشرقها وجنوبها. كانت اللقاءات تُعقد بعيدًا عن الأضواء، في زمن كانت فيه أجهزة الاستخبارات الاستعمارية تلاحق كل تحرك لقادة التحرر , وفّرت القاهرة، عبر هذا المقر وغيره من العناوين غير المعلنة، مساحة آمنة للتواصل والتخطيط، وأسهمت في بناء شبكة تضامن أفريقية عابرة للحدود.
هذا الدور الميداني لم يكن منفصلًا عن العلاقات السياسية التي نسجتها مصر مع رموز التحرر الأفريقي، وفي مقدمتهم كوامي نكروما في غانا، وأحمد سيكوتوريه في غينيا. فقد كانت القاهرة نقطة التقاء بين الفكر القومي العربي وحلم الوحدة الأفريقية، وبين تجربة مصر في مقاومة الاستعمار البريطاني وتجارب أفريقيا في مواجهة الاستعمارين الفرنسي والبريطاني والبرتغالي.
ولم يكن احتضان ٥ شارع أحمد حشمت لحركات التحرر فعلًا معزولًا، بل جزءًا من منظومة أوسع شملت الدعم الإعلامي عبر إذاعة “صوت أفريقيا”، والدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية، والتنسيق السياسي الذي مهّد لاحقًا لتأسيس منظمة الوحدة الأفريقية. غير أن خصوصية هذا العنوان تكمن في كونه مكانًا حيًا للتاريخ، شهد لحظات صياغة القرار الأفريقي بعيدًا عن المؤتمرات الرسمية.
إن استعادة سيرة هذا المكان اليوم ليست مجرد توثيق لماضٍ مجيد، بل تذكير بدور مصري تأسيسي في تشكيل الوعي الأفريقي الحديث. ففي زمن تتسابق فيه القوى الدولية على النفوذ في القارة، يصبح استحضار هذا الإرث عنصر قوة ناعمة، ورسالة واضحة بأن علاقة مصر بأفريقيا لم تُبنَ على المصالح العابرة، بل على شراكة نضالية في مواجهة الاستعمار وبناء الدولة الوطنية.
لقد كان ٥ شارع أحمد حشمت شاهدًا على مرحلة آمنت فيها القاهرة بأن تحرير أفريقيا جزء من تحريرها هي، وأن أمن مصر القومي يبدأ من عمقها الأفريقي. وهي رسالة لا تزال صالحة اليوم، وربما أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.


إقرأ المزيد :
إدارة الإعلام بمفوضية الاتحاد الأفريقي تشيد بسلسلة «القاهرة عاصمة النضال الأفريقي»




