أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : الجمهورية الجديدة… كيف أعاد عبد الناصر بناء الدولة المصرية؟

لم تكن ثورة يوليو في جوهرها انقلابًا عسكريًا هدفه تغيير السلطة، بل كانت مشروعًا لإعادة تأسيس الدولة المصرية بعد أن وصلت مؤسساتها إلى مرحلة من العجز عن الاستجابة لتحديات الداخل والخارج, وقد أدرك جمال عبد الناصر منذ السنوات الأولى أن بقاء الثورة لن يتحقق بالشعارات، وإنما ببناء دولة تمتلك اقتصادًا قويًا، وجيشًا حديثًا، ومؤسسات قادرة على تحقيق العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني.

ولهذا جاءت السنوات الأولى بعد الثورة حافلة بإصلاحات غير مسبوقة، بدأت بقانون الإصلاح الزراعي في سبتمبر 1952، الذي وضع حدًا أقصى لملكية الأراضي الزراعية، وأعاد توزيع مساحات واسعة على مئات الآلاف من الفلاحين, ولم يكن الهدف مجرد إعادة توزيع الثروة، بل تفكيك البنية الإقطاعية التي هيمنت على الريف المصري لعقود، وإتاحة الفرصة للفلاح كي يصبح مالكًا للأرض التي يزرعها، وهو تحول اجتماعي ترك أثرًا عميقًا في بنية المجتمع المصري.

وفي الوقت نفسه، أولت الدولة الجديدة التعليم مكانة غير مسبوقة، انطلاقًا من إيمان عبد الناصر بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الدولة, فتوسعت مجانية التعليم، وزادت أعداد المدارس والمعاهد، وتضاعف عدد الجامعات الحكومية، وأصبحت أبواب التعليم العالي مفتوحة أمام أبناء الفلاحين والعمال والطبقة الوسطى، بعد أن كان الالتحاق بالجامعة امتيازًا محدودًا لفئات بعينها. وبرزت أجيال جديدة من الأطباء والمهندسين والمعلمين والقضاة والدبلوماسيين الذين شكلوا العمود الفقري للدولة المصرية الحديثة.

كما شهد القطاع الصحي توسعًا ملحوظًا من خلال إنشاء المستشفيات والوحدات الصحية في المحافظات، وتطوير برامج الرعاية الصحية، بما أسهم في تحسين مؤشرات الصحة العامة ورفع متوسط العمر المتوقع للمصريين مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الثورة.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد تبنت الدولة مشروعًا للتصنيع الوطني، انطلاقًا من قناعة بأن الاستقلال السياسي لا يكتمل من دون استقلال اقتصادي, ولذلك أُنشئت مصانع الحديد والصلب في حلوان، ومجمع الألومنيوم في نجع حمادي، ومصانع الجرارات والسيارات والصناعات الهندسية، وتوسعت صناعات الغزل والنسيج والأسمدة والكيماويات والإسمنت، لتصبح الصناعة إحدى ركائز الاقتصاد الوطني.

ورغم اختلاف التقديرات حول كفاءة بعض هذه المشروعات لاحقًا، فإنها أسست لأول قاعدة صناعية ثقيلة في تاريخ مصر الحديث، وأوجدت عشرات الآلاف من فرص العمل، وأسهمت في نقل الاقتصاد من الاعتماد شبه الكامل على الزراعة إلى اقتصاد أكثر تنوعًا.

ويظل السد العالي المشروع الأكثر رمزية في تجربة عبد الناصر, فقد كان بناء السد تعبيرًا عن إرادة سياسية بقدر ما كان مشروعًا هندسيًا , فبعد سحب تمويله من قبل الولايات المتحدة والبنك الدولي، جاء قرار تأميم قناة السويس لتوفير الموارد اللازمة لتنفيذه، ليصبح السد عنوانًا لقدرة الدولة على اتخاذ قراراتها السيادية بعيدًا عن الضغوط الخارجية.

وقد وفر السد العالي حماية لمصر من الفيضانات المدمرة وموجات الجفاف، وأتاح تنظيم مياه النيل على مدار العام، وزاد الرقعة الزراعية، وأنتج كميات كبيرة من الكهرباء دعمت عمليات التصنيع والتنمية العمرانية لعقود متتالية، حتى اعتبره كثير من الخبراء أحد أهم مشروعات البنية الأساسية في القرن العشرين.

وفي المجال الاجتماعي، سعت الدولة إلى توسيع الطبقة الوسطى، ووفرت فرص العمل لخريجي الجامعات، وأقرت قوانين تعزز حقوق العمال، وأدخلت نظمًا للتأمينات الاجتماعية، ووسعت مشاركة المرأة في التعليم والعمل والحياة العامة. كما شهدت تلك المرحلة صعود أبناء الريف إلى مواقع قيادية في مؤسسات الدولة، وهو تحول لم تعرفه مصر بهذا الحجم من قبل.

ولم يقتصر مشروع البناء على الاقتصاد والإدارة، بل امتد إلى الثقافة والقوة الناعمة. فقد شهدت تلك السنوات ازدهارًا في السينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون، وتأسست مؤسسات ثقافية جديدة، واتسعت حركة النشر والترجمة، وأصبحت القاهرة مركزًا للإنتاج الثقافي العربي، فيما لعبت إذاعة «صوت العرب» دورًا محوريًا في مخاطبة الجماهير العربية والإفريقية، وتحولت إلى أداة مؤثرة في دعم حركات التحرر الوطني.

وكان الجيش المصري بدوره محورًا رئيسيًا في مشروع إعادة البناء, فقد عمل عبد الناصر على تحديث القوات المسلحة، وتطوير الكليات العسكرية، وإقامة الصناعات الحربية، وتوسيع برامج التدريب، انطلاقًا من قناعته بأن حماية الاستقلال الوطني تتطلب جيشًا قويًا يمتلك القدرة على الدفاع عن البلاد وصون قرارها السياسي.

ورغم الإنجازات الكبيرة التي حققتها الجمهورية الجديدة، فإن التجربة واجهت تحديات حقيقية. فقد أدى اتساع دور الدولة في الاقتصاد والإدارة إلى تضخم الجهاز البيروقراطي، كما فرضت ظروف الصراع الإقليمي والحرب الباردة أعباءً متزايدة على الموارد المصرية. ومع ذلك، فإن تلك المرحلة أرست أسس الدولة الوطنية الحديثة، ورسخت فكرة أن التنمية ليست مسؤولية السوق وحده، بل هي أيضًا مسؤولية الدولة في توفير التعليم والصحة والبنية الأساسية والعدالة الاجتماعية.

لقد نجح جمال عبد الناصر في بناء جمهورية جديدة، لم تكن مجرد تغيير في شكل الحكم، بل مشروعًا لإعادة تشكيل المجتمع المصري، وتوسيع قاعدة المشاركة الاجتماعية، وتعزيز الاستقلال الوطني. وكان هذا التحول الداخلي هو الأساس الذي انطلقت منه مصر لاحقًا للقيام بدورها العربي والإفريقي والدولي، إذ لم يكن بالإمكان قيادة حركة تحرر واسعة من دون دولة قوية تمتلك مؤسسات راسخة ورؤية واضحة لمكانتها في العالم .

نسخة من البوم 2026 07 24T210929.734 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : الجمهورية الجديدة… كيف أعاد عبد الناصر بناء الدولة المصرية؟
President Gamal Abdel Nasser
نسخة من البوم 2026 07 24T210856.346 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : الجمهورية الجديدة… كيف أعاد عبد الناصر بناء الدولة المصرية؟
President Gamal Abdel Nasser
نسخة من البوم 2026 07 24T210807.295 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : الجمهورية الجديدة… كيف أعاد عبد الناصر بناء الدولة المصرية؟
President Gamal Abdel Nasser

طالع المزيد :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جمال عبد الناصر… قائد ثورة أعادت بناء مصر وصنعت عصر التحرر العربي والإفريقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى